| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأحد 18/11/ 2007



أ
مي وأبي مناضلان

نصير ناجي النهر

ترعرعت فكرة هذا المقال فى أحشائي وإستقرت فى وجداني خلال العقدين الأخيرين من عمري الذي تجاوز اليوم التاسع والثلاثين . ,إن حبي لأمي وأبي ليس حبآ تلقائيآ فطريآ ساذجآ ,بل أحبهما لأنهما يتمتعان بصفات وسجايا الأنسان ,ثم لأنهما مناضلان بحق وصدق فأنا أحترم نضالهما عن قناعة وقد إمتحنته فى تجارب ومحن قاسية ونجاحات سعيدة ,وبنضال أمي وأبي كثيرآ ما ضربت أمثلة البسالة والصمود والتضحيات .
لقد تحسست بألم سنين نضالهما منذ فتوتي وبداية تفتح مداركي وها أنا قد ذرفت على العقد الرابع ,أما هما فقد زادت سنين نضالهما بحساب مذكرتي الألكترونية على خمسة عقود ونصف لكن والدتي رحلت الى مثواها المحتوم منذ عقد وسنتين وأضافت برحيلها الى والدي نضالآ آخر من نوع لم يعهده من قبل ,كما أضافت لي حرمانآ ثقيلآ لا يعوض .
أن ولادة هذا المقال فى هذا التاريخ بالذات وتحرره من صدري وخروجه الى الهواء الطلق هذا اليوم ,فقد سرعته ردود أفعال أسئلة محققي اللجؤ فى السويد البلد المضياف الذي لجأت إليه مكرهآ وهاربآ من خطر البهائم المفخخة فى بلادي بعد أن تركت خلفى زوجة وفية وأربعة أحبة من الأطفال الجائعة دون معيل .
إن السؤآل المؤذي والقاتل والجارح للضمير كما أتصوره فى بلد اللجؤ ,هو السؤآل الذي يسأله المحقق بعمومية وشمولية موحدة فى الأسلوب والمعنى والهدف ,ويكرره بلا ملل لأي لاجئ مهما كان شكله ولونه وجنسه ورسه ويسأله بروتينية وخفة دم معتادة [ لماذا تركت بلدك وفضلت عليه اللجؤ فى بلدنا ؟ ]
و فى تقديري أن الأشكالية المربكة لللاجئ من تداعيات هذا السؤآل تكمن فى تصورين متناقضين : الأول يأتي من تقديرالاجئ أن أهمية ومشروعية سؤآل المحقق ربما تكمن فى تنفيذ واجبه الوظيفي وأهمية أمن بلده الوطني وهو تصور لا ضير فيه , أما التصور الثاني فيكمن بتصورالاجئ لتصور مشابه وموازي لمشاعري كلاجئ ,فقد شعرت حين سألني عن سبب ترك وطني أن الدنيا قد إنهدت عل رأسي وبحزني على إمي حينما ماتت بين يدي وبعجرفة الطغاة حينما ضرب الجلادون أبي على رأسه بأخامس بنادقهم الثقيلة وهو مكبل اليدين وإقتادوه الى مصير مجهول , لكنني سمعت صوته من بعيد مدويآ مجلجلآ وهو يهتف بأسم الشعب . لقد كظمت حزني أمام المحقق لأعتبارات أخلاقية أعتز فيها وحينما إنتهى التحقيق وإبتعدت قليلآ عنه ,أغرقني دمع غزير تفجر من مقلتي بلا إستئذآن .
لا شئ أعز وأغلى من الوطن ولا أحد يرغب بذلك رغم مشروعية وحرية الأستيطان للأنسان فى كل مكان من كوكب الأرض ولا شئ أثقل على الأنسان من وحشة الغربة وفقد الأوطان والأهل والأصدقاء الذين قاسموني الضراء والسراء .
قد يكون من النادر أن تجد فردآ أو دولة لا يعرف اليوم أسباب اللجؤ ودوافعه القسرية وما تجره هذه العملية على اللاجئ من تضحيات ومخاطر جسيمة فى الأرواح والأموال وما يتخلل ذلك من متاعب وتكاليف باهضة روحية ومادية ,كما أن من النادر جدآ أن تجد دولة لاتساعد اللاجئ فى محنته ولا تستجيب لهذا العمل الأنساني العظيم .
لقد إنتشرت منظمات حقوق الأنسان فى كل زاوية من كوكبنا وهي تراقب بعين ساهرة وحاذقة تصرف الأنسان مع أخيه الأنسان وتصرف الأنسان مع مختلف الأحياء فى كوكبنا وتتزايد يومآ بعد آخر المؤوسسات المدنية والبيئية من أجل ضمان سلامة الأرض وما عليها .
إن أنظمة الأستبداد الظالمة للأنسان والأحياء الأخرى كانت سمة من سمات القبلية المتوحشة الغابرة ومن المؤسف جدآ أن يستمر وجودها فى عصرنا المتحضر بأساليب جديدة مبتكرة أبدعها دهاقنة الرأسمالية الأحتكارية وتفننوا فى صنعها من أجل قهر الأنسان والأستحواذ على ثرواته . ومقاومة لهذا الظلم الجائر يستمر نضال المناضلين فى دحر المخططات الجهنمية الجشعة و إستبدال ثقافته الأنانية المجرمة بثقافة إنسانية مناسبة لعصرنا المتطور . ومن أجل مقاومة الإستبداد بالنضال الأنساني السلمي الموحد تزوج إمي وأبي بعقد بسيط سداه ولحمته التمسك بمبادئ هذا النضال المشرف منذ أن كانا بعمر الزهور وناضلا سوية بمسؤولية وشجاعة وحب صادق لبعضهما وللناس أجمعين .
ولقد تعمد نضالهما ككل الأحرار بالدم والسجون والمنافي القسرية شملت إسرتنا حتى الجد السابع عشر وأصدقاءنا ومعارفنا وجيراننا وحيواناتنا الأليفة . وبرغم تشتت عائلتنا فى كل بقاع الأرض و ما أصابها من فواجع مدمرة لا زلنا نؤمن بحقيقة جدوى النضال وضرورته فى تغيير الحال ,فليس فى الحياة شئ ناجز وقابل للأستخدام السعيد بدون تضحيات هكذا تؤكد ثقافة الحياة فى كل لحظة وفى كل حسرة معذبة .
من تبريرات المحتل لغزو العراق وسفك الدماء البريئة ومخططات التهجير المتعمد بأنها من تداعيات فوضى التحرير وهي نتيجة لا بد منها ـ هكذا سماها رامسفلد ـ .
ولكن سيبقى نضال إمي وأبي ومن بسموهم سفرآ مشرفآ وسمفونية ضاجة وطامحة لتحقيق الرغبات المستحيلة للأنسان ,التى لا تستطيع أعتى الدكتاتوريات تمزيقها .
وسيبقى شباب بلادي يتناغمون مع سفر المناضلين من أجل العلم والحداثة والتغيير نحو غد أفضل
وسيشتري الشيوخ قلوبآ جديدة تضخ الدم الى أقدامهم لكي يواصلوا مسيرة النضال المتلألأة بالخير والسعادة والفرح بالمصير العادل الجديد .
لقد بات كل الناس يعرفون جيدآ مفارقة رامسفلد وأمثاله فقد أضحت تشكل القاسم المشرك بين كل الأنظمة الجائرة والأساس الثقافي لفلسفتها الميكافيلية الأنتهازية القمعية المخادعة والمبررة للجرائم المختلفة ,ودعواهم إنما جاؤا الى حكم الناس بالعدل وبما لم تأتي به الرسل من قبل - منقذين وهادين ومنفذين لأمر الله - س - . أماالمفارقة الثانية فهى واقع العراق الجريح زمن دكتاتورية صدام الذي كان نظامه من القوة والجبروت ما جعل ظلمه وقحآ ومكشوفآ يمكن المواطن من معرفته وتداركه والتخلص والتملص منه , أما فى نظام الملالي الجديد والهزيل فقد أتاح للمحاصصين أن يتفخخوا كيفما يشاؤون بحيث يهنئ المواطن فى كل لحظة بمفخخة بين قدميه وفى مسكنه وعمله ومدرسته وأماكن عبادته وفى غيرها مما لايجد المواطن منه مفرآ غير الهرب من وطنه المفخخ إذا إستطاع الى ذلك سبيلآ .
سلامآ لكل مناضل كأمي وأبي ولكل لاجئ محترم ولكل بلد مضياف .

 


 

Counters

 

أرشيف المقالات