| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأربعاء 18/7/ 2007

 

أرشيف المقالات

 


سيكولوجية الفرد العراقي في مراحل التغيير


د. ناهدة محمد علي

لكي نفهم سيكولوجية الفرد العراقي حالياً يجب أن نُلقي نظرة على سيكولوجيته سابقاً . لقد مرَّ الشعب العراقي بويلات كثيرة وأنواع مختلفة من الإحتلال تتفاوت ما بين الأكثر همجية والأقل همجية , وكان لسوء الحظ مثاراً لرغبات أقوام عديدة , وللثروات الموجودة فيه ولموقعه الجغرافي ظل العراق مركزاً لضربات متلاحقة , وظل الفرد العراقي يحمل النسغ التأريخي الحضاري الأصيل , ومظاهره تتمثل في كرم النفس والروح الإجتماعية الشفافة والتي تزداد كلما إنحدرنا جنوباً مع تواجد الجمال الروحي في مناطق الوسط والشمال , وكذلك نلاحظ روح المساعدة والعلاقات الإجتماعية الخيِّرة والنظيفة مع الأقرباء والجيران ومع أبناء الحي والمنطقة وبين أبناء المهنة الواحدة والدين الواحد ومع الأديان الأخرى وبين القوميات المختلفة , وحيث نلاحظ روح التسامح والشفافية بين أبناء الأديان السماوية المختلفة في المدرسة والمشغل والمزرعة , يحتفلون بأعياد بعضهم البعض ويتبادلون الخبز والحلوى فيها , ويعمل في مهنة التدريس الكثير من المسيحيين وكذلك في مهنة الطب والتمريض , ولم يُلاحظ أن هناك خلافات قائمة في حي أو مدرسة ما بين سني أو شيعي , مسلم أو مسيحي , أو بين عربي وكردي . ولقد كانت البيوت مفتوحة على بعضها ويتقاسم المسيحي والمسلم حديقته أحياناً وكذلك طعامه , وكان يُسمح للطلاب المسيحيين والمعلمين بألتعطيل في أعيادهم , وكان لهم مجتمعاتهم الخاصة ونواديهم لكن المسلمين يدخلونها بكل رحابة صدر , ومجمل القول كان الفرد العراقي بكل الوانه فرداً مُحباً متسامحاً نشطاً في طلب العلم والعمل . وبعد هذا تراكمت الأسباب حتى أصبح الفرد العراقي لا يطيق أبناء قوميته ودينه ومنطقته ومدرسته , وإذا بحثنا عن هذه الأسباب فسنجد أنها كثيرة منها خارجية ومنها داخلية .
أ – الأسباب الخارجية : إن الضغط الحاد الذي تعرض له الفرد العراقي على مدى العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة وأقصد الضغوط الإقتصادية والسياسية الخارجية كان يدفع بألفرد الى البؤس الاقتصادي والمادي والذي يثير إحساس الغضب ثم إحساس الشحَّة بدل الكرم , ومحاولة التركيز على الذات وحاجاتها المتنامية , وبدون هذا يتعرض الفرد لنقص في تلبية إشباع حاجاته , ثم يأتي الإحساس الميكيافيلي وأصبحت شدة الحاجة تُبرر أية وسيلة , واصبحنا نسمع قصصاً عن أقارب يقتلون بعضهم البعض للحصول على المال ويتحول هذا الإحساس الى قسوة شديدة توازي قسوة الظروف الخارجية والتي تتوزع ما بين الفقر الإقتصادي والضغوط السياسية على الفرد العراقي من الداخل والخارج حتى اصبح هذا الفرد بركاناً تغطيه الكثير من الصخور والقيّم الاجتماعية والتي كانت ما تزال قائمة , وللسائل أن يسأل والى متى ستُقاوم هذه الصخور والقيّم إنفجار هذا البركان ! .
اقول كان هذا يحتاج الى وقت تنفذ فيه ذخيرة هذا الفرد من الصبر والإحتمال وحتى احياناً من الإيمان , وقد كان نظام التجويع وحرمان الأطفال من اساسيات غذائهم قد خلق كماً كبيراً من التراكم الغضبي والانفعالي لدى الآباء والأُمهات , كما أصبح الحفاظ على الذات وحفظ النوع مهدداً ومحفزاً للكثير من التشنجات الغضبية لدى الفرد العراقي .
ب – الأسباب الداخلية : إن أعداد الموتى الكبيرة في كل الجاليات والأديان وأعداد الشباب المتناقص في المجتمع العراقي والذين يشكلون القوة الأساسية للعمل ولإعالة العوائل مع إختفاء الشباب المؤهل للزواج بسبب الحروب والضغوط السياسية والإقتصادية قد خلق قِلة في بناء العوائل الجديدة وجعل هناك فئة كبيرة من النساء ( العوانس ) بكل ماتعنيه هذه الكلمة من مشاكل نفسية واجتماعية , وقد خلق هذا ايضاً سِمة قديمة عادت الى الوجود في الفرد العراقي والتي هي الكآبة والحزن وخاصة لدى النساء , لذا إنتشر الإدمان على السكائر والحبوب المنومة والمسكنة والمخدرات والمشروبات الكحولية لدى ابناء الشعب العراقي , واخذت النساء حصتهن من هذا بالإدمان على الحبوب المنومة والمسكنة والسكائر , أما الأطفال لقد لوحظ أن الكثير منهم أخذ يُدمن على السكائر . وقد أدى هذا الوضع الى تفتيت تدريجي في البُنية والقيّم الإجتماعية , وظهرت فئات شعبية شديدة التمسك بالدين واُخرى شديدة الإنحدار الأخلاقي والقِيَمي , وهنا ظهرت فئات تمارس الشذوذ في المدارس والجامعات وفي السجون ! , أما حصة المرأة فكان إنتشار ظاهرة البغاء وفي مناطق محددة من العراق , كما ظهرت وتجمعت بشكل مُلفت للنظر فئة من المحتالين واللصوص في كل مناطق العراق , وبعد أن كانت العائلة العراقية تنام مطمئنة على سطوح المنازل في فصل الصيف , أصبح الكل يقفل أبواب السطوح خوفا من اللصوص , وهنا نلاحظ أن ظاهرة الخوف لم تأتي فقط بسبب اللصوص بل أن هناك عشرات المخاوف ( والفوبيا ) إبتداءً بالخوف من الجوع ومن المرض مع قلة الأدوية ومن الحديث وإبداء الرأي الحر فتَجمع في نفسية الفرد العراقي نوع مُركز من أنواع الخوف المَرضي .
كل هذا والشعب العراقي لا زال محافظاً على بعض القيّم وأسباب المحبة لبعضه البعض حتى جاء الإحتلال الأمريكي الأخير , وقد لاحظنا في البداية أن هناك نوع من الترقب والتأمل لدى الفرد العراقي , ثم إشتعل الغضب الموجه الى الخارج ثم الى الداخل والخارج , وأصبح الفرد العراقي يرى في هذا التغيير غُبناً لحقوقه السياسية وإغتصاباً لحقوقه الاقتصادية , وكانت سِمات السلوك الأنفعالي لديه غير متماسكة فهي تضرب وتتحرك نحو الخارج والداخل معاً بسبب مجئ الاحتلال وبسبب الأضرار لفئات كبيرة من أبناء الشعب العراقي المتضرر أصلاً , ولهذا نرى أن السلسلة الحديدية التي كانت تربط بين أبناء هذا الشعب قد تقطعت أجزاء كبيرة منها لأن كل جالية وقومية أخذت ترى ما لا يراه غيرها , وأخذ يسود قانون الغاب ( البقاء للأقوى والأصلح ) , وطبعاً الأصلح هنا مسألة نسبية والتقييم هو نسبي أيضاً , لذا فالهدف السائد الذي كان سابقاً وهو التعايش أصبح الآن أللاتعايش لأن هناك إنحدارات وإرتفاعات قِيَمية وأخلاقية بين مجموعة واٌخرى , وفرد وآخر , والكل يريد تحقيق هدف محدد مختلف تماماً , وتترامى الصخور التي كانت تسد فوهة البركان , وها نحن نرى الآن تناثر الكثير من الصخور القَيمِيّة والتي عاش بها الفرد العراقي , وأعود الى القول إن الكثير من الأسباب قد صٌنعت ووضِع الفرد العراقي بمواجهتها مما دعى الى ظهور مجتمع مختلف تماماً عن المجتمعات العربية الاٌخرى , وأخذ المجتمع العراقي بأخذ تشكيلة طبقية وفئوية واحدة , وأصبح الكل ينطوي تحت تسمية الفرد الكادح المقهور , والفروق الإقتصادية أصبحت هشة ومذابة فألكل يركض لسد الرمق وللبقاء حياً وليست لأي فرد الوقت أو القدرة الكامنة للإلتفات الى الوراء وللنظر الى كم تبقى من القيّم الإجتماعية أو الأخلاقية المسحوقة تحت الأقدام , فلا وقت للجميع والطوفان أسرع من العمليات العقلية وسرعة تحليل الدماغ البشري لمجريات الأحداث والقسوة المتناهية المُعاشة يومياً , أما بألنسبة للمرأة فإن الأعباء الثقيلة والإنحدار نحو الهوة المظلمة أصبح أمراً واضحاً لديها , ويمكن أن نسرد الأمراض النفسية والعصبية التي تعيشها المرأة العراقية إبتداءً بالكآبة والحُزن وإنتهاءً بالجنون الهستيري الذي تتكرر مَشاهده مع كل إطلاق رصاص على زوج أو إبن أو أخ برئ إلا من تهمة الجنسية العراقية , والسؤال الآن ماذا تفعل الأُم العراقية أمام مشاهد الدم هذه ؟ , إن المرأة العراقية المتسمة بألطيبة والصبر أخذت ترد على الأفعال الهمجية نحو مشاعرها بردود أفعال مماثلة من الغضب والنقمة , لكنها ولأسباب نبيلة لاتوجه هذا الغضب نحو تخريب بنيتها الإجتماعية المتزعزعة بل أصبحت توجه نقمتها نحو نفسها , فمن منا لم يلاحظ صورة المرأة العراقية الجميلة والتي تناقلتها وكالات الأنباء والتي أنبتت أظافرها في وجهها فجعلته أخاديد وهي تبحث في الشوارع عن بقايا طفلها المتناثرة في الهواء , ورغم الثوب الأسود الذي كانت ترتديه , فقد إرتَدَت هالة وحشية من الحزن والغضب وهي تكلم رجل الكاميرا ثم ترفع رأسها الى السماء تبحث عن الحل .
أما الطفل العراقي فإن سمات الطفولة والتي هي البراءة والطمأنينة وشفافية السلوك والتفكير لم تعد موجودة لديه , فقد كبُر الطفل العراقي حتى أصبح مُسناً وتعوّد على منظر الدماء ففقد شفافيته وتعوّد على الجوع حتى فقد حُبه للحياة , وقد أصبح أباً لنفسه , فهو يعمل في المشاغل والورش بين الحديد والنار , وأصبح هو والموت صديقين متزامنين , وقد اُصيب الأطفال العراقيين بعدة أنواع من الـ ( Disorder ) منها عدم القدرة على النطق والتلعثم والشراسة , وعدم القدرة على التركيز والنسيان وعدم القدرة على التفكير المترابط وعدة أنواع من الـ ( Disability ) منها الشلل النصفي والشلل الكامل , وعدم القدرة على السمع بسبب القصف المستمر مع أمراض الدم والأمراض المعوية والسرطانات المختلفة .
وكأني أرى الآن المرأة العراقية تقود أطفالها الى مساحة تعتقدها آمنة وإذا بها هوّة سحيقة فتعود أدراجها إلى مساحة اُخرى فتجدها أكثر دموية وشراسة ثم تبقى وكأنها تراوح مكانها ناظرة الى المجهول .