| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الثلاثاء 18/12/ 2007



دوافع ثورة المختار الثقفي

مجيد ابراهيم خليل

حدثت في عهد عبدالملك بن مروان ، خامس الخلفاء الأمويين (65 – 86 هجرية ،685 – 705 ميلادية ) ثورة قادها المختار بن أبي عبيد الثقفي سنة 66 هجرية ضد الزبيريين والأمويين . ولغرض التعرف على الأوضاع السياسية آنذاك نلقي نظرة على الأحداث التي سبقت الثورة والظروف التي هيأت لها .

قبل تولي عبدالملك الخلافة ، شهد الوضع السياسي اضطرابا ، سببه تصاعد الصراع على السلطة وبلغ مداه الأقصى في الاحتكام إلى السلاح للوصول إلى منصب الخلافة . ففي أواخر 63 وأوائل 64 هجرية ، كان الجيش الأموي في طريقه من المدينة إلى مكة لمحاربة عبدالله بن الزبير ، لأنه امتنع عن مبايعة يزيد بن معاوية ، بعد ان اجتاح هذا الجيش المدينة المنورة واستباحها ثلاثة أيام في الموقعة المعروفة باسم (الحرة) . (1) 
نصب هذا الجيش المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال ، ورمي مع الأحجار النار والنفط وانهدمت الكعبة . وكان ابن الزبير في المسجد ومعه المختار بن أبي عبيد الثقفي ، مؤيدا له ومنقادا إلى إمامته .(2)

وفي تلك الفترة توفي الخليفة الثاني يزيد بن معاوية ، وحصلت بعد وفاته بيعتان ، إحداهما بالشام لمعاوية بن يزيد بن معاوية والأخرى بالحجاز لعبدالله بن الزبير .(3) لم يبق معاوية بن يزيد طويلا في السلطة ، فقد دامت خلافته أربعين يوما أو شهرين وتوفي في نفس السنة (64 هجرية) (4) ولم يعهد معاوية بالخلافة لأحد ، فقد قال للناس: أنتم أولى بأمركم فأختاروا من أحببتم ، وقال بعضهم إنه دس إليه السم أو أنه طعن .(5)

وفي مجرى هذه الأحداث ، بدت الشام ، معقل الخلافة الأموية منقسمة على نفسها بين مؤيد لاستمرار سلطة الأمويين وبين مؤيد لعبدالله بن الزبير. وكان من رأي مروان أن يبايع عبدالله بن الزبير ، وكاد الأمر أن يفلت من يد الأمويين لولا تداعيهم إلى الاجتماع في الجابية بدمشق واتفقوا في هذا المؤتمر أن يتولى الخلافة مروان بن الحكم ، ولم تدم خلافته طويلا فقد توفي 65 هجرية.(6)

احتكمت القوى المتصارعة على سلطة الخلافة إلى السلاح لفرض هيمنتها، والقوى المتصارعة آنذاك هي : الأمويون ، الزبيريون ، الشيعة ، الخوارج . وحتى داخل البيت الأموي كان هناك صراع على السلطة ، فقد تم الاتفاق في مؤتمر الجابية على أن يخلف مروان في الحكم خالد بن يزيد بن معاوية ثم سعيد بن العاص ، لكن مروان نقض ذلك العهد وبايع لابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز .(7)

ونتوقف في مجريات الصراع الدائر آنذاك عند ثورات الشيعة ، فبعد استشهاد الحسين بن علي سنة 61 هجرية ، ظهرت جماعة شعرت بالندم على خذلانها الحسين والتفريط في حقه . طالب هؤلاء بالثأر من قتلته ونادوا بشعار يالثارات الحسين . وكانت هذه الجماعة التي عرفت بإسم حركة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي. خرجت هذه الجماعة لمقاتلة الجيش الأموي بقيادة عبيدالله بن زياد سنة 65 هجرية في معركة (عين الوردة) ، انتهت المعركة بإنتصار الأمويين ومقتل سليمان بن صرد زعيم الجماعة . (8)

في تلك الفترة ووسط شعور الخيبة والانكسار الذي شعر به الشيعة بعد هزيمتهم في عين الوردة ، ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة ، مستغلا أجواء الهزيمة ومستثمرا سخط الشيعة على الأمويين للقيام بالثورة مطالبا بدم الحسين ، أما هدفه الحقيقي فهو الوصول إلى السلطة على أكتاف الشيعة . وللتدليل على انتهازيته ، وعد المختارُ ابنَ الزبير أن يهيئ له جيشا من شيعة بني هاشم ، يقاتل به أهل الشام ، لهذا السبب أرسله ابن الزبير إلى الكوفة لإعداد هذا الجيش ، فأخذ المختار يظهر البكاء على الطالبيين وشيعتهم ويحث على أخذ الثأر لهم فمال إليه الشيعة . وقد ابتنى دارا واتخذ بستانا أنفق عليه أموالا كثيرة أخذها من بيت المال ووزع الأموال على الناس بشكل واسع لغرض كسبهم ، وكتب إلى ابن الزبير يطلب منه أن يحسب ما أنفق من بيت المال . رفض ابن الزبير طلبه فخلع المختارُ طاعته . أراد المختار أن يحتال على علي بن الحسين السجاد فكتب إلي كتابا يطلب منه أن يبايع له ويقول بإمامته وأرسل إليه مع الكتاب مالا كثيرا. رفض علي أن يجيب على كتابه وسبه على رؤوس الملأ في مسجد الرسول (ص) وأظهر كذبه . (9) وهكذا غيّر المختار ولاءه من ابن الزبير إلى الشيعة ، لمصالح شخصية ولم يكن انحيازه مبدئيا . وعن تقلبات المختار وأطماعه يقول الطبري (كانوا يقولون انه عثماني وانه ممن شهد على حجر بن عدي وانه لم يبلغ عن هانئ بن عروة ما أرسله به ، وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء .) (10)

ثار المختار بإسم محمد ابن الحنفية (وهو محمد بن علي بن أبي طالب) ، وبدأ يكسب الناس وينظمهم استعدادا للقتال كانت الكوفة خاضعة لسيطرة ابن الزبير وكان واليها آنذاك عبدالله بن مطيع . غادر الوالي القصر دون قتال ، استولى المختار وأصحابه على القصر ، وقد وجد في بيت مال الكوفة تسعة ملايين درهم . منح أصحابه الذين حاصروا القصر وهم 3800 رجل ، كل رجل خمسمائة درهم وأعطى ستة آلاف من أصحابه . شعر المختار بزهو السلطة فبدأ بتعيين الولاة على مختلف أنحاء البلاد .
كما أنه قتل قتلة الحسين والمشايعين على قتله بالكوفة فقتل من قدر عليهم وهرب آخرون . (11)

واتبع المختار أسلوب الاحتيال لكسب قائد عسكري محنك إلى جانبه وهو ابراهيم بن الأشتر ، فلفق رسالة على لسان ابن الحنفية مضفيا عليه لقب المهدي ، يدعو فيها ابراهيم بن الأشتر إلى نصرته وقتال أعدائه والمطالبة بدماء أهل بيته . استجاب ابراهيم وبايع المختار وانضم إليه . (12) وبلغ النصب والاحتيال أقصى مداه بالاستنصار بكرسي ، وذلك أن المختار وأصحابه يستنصرون بكرسي يحملونه معهم في المعركة . وهو كرسي قديم جلبه أحد أنصاره وادعى أن فيه أثرة من علم . أخبر المختار مستمعيه في خطبة له بالمسجد أن هذا الكرسي هو مثل التابوت عند بني اسرائيل ، ورغم اعتراض البعض وعدم قبولهم للفكرة ، فقد أخرج الكرسي على بغل وقد غشي ، يمسكه سبعة رجال من اليمين وسبعة من اليسار، وفي تلك المعركة انتصر المختار وقتل أهل الشام مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها فزادهم ذلك فتنة في الكرسي ومواهبه ! . (13)

وفي سنة 67 هجرية حسم الصراع لصالح المختار وجيشه الذي كان يقوده ابراهيم بن الأشتر ، وقتل عبيدالله بن زياد ، قائد الجيش الأموي ، ومن كان معه من أهل الشام وأشرافها . وتحجج المختار أنه يعلم الغيب لأنه تنبأ بانتصاره على ابن زياد . (14)

ولم يترك الزبيريون المختار يهنئ بإنتصاره . هيأ مصعب بن الزبير جيشا كبيرا لقتال المختار . التقى الجيشان ، وكانت معركة شرسة قاسية ، انهزم جيش المختار ، وقتل الأسرى والمهزومون الهاربون من ساحة المعركة ، ثم تجدد القتال مرة أخرى ، وقاد مصعب جيشه برا ونهرا ، وكانت الهزيمة أيضا لجيش المختار وتفرق الناس عنه . أصبح موقف المختار ضعيفا واجترأ الناس على أصحابه وصبوا عليهم الماء القذر من فوق البيوت ، وكانوا يحصلون على طعامهم خفية تجلبه النساء إليهم واشتد بهم العطش . (15)
حوصر المختار في قصره ، فأستشعر النهاية المأساوية لأحلامه في السلطة . أراد من أصحابه أن يخرجوا للقتال معه خارج أسوار القصر فرفضوا . لم يكن أمامه من خيار سوى ادعاء البطولة والخروج من القصر لمقاتلة محاصريه فقتل في المعركة ثم قطعت كفه وسمرت بمسمار إلى جانب المسجد . استسلم بقية المقاتلين وأعدموا جميعا رغم توسلاتهم بالعفو عنهم فقد ضغط أصحاب مصعب عليه حتى لايستجيب لهم .
في لحظاته الأخيرة ، لخص المختار موقفه وهدفه من الثورة ، بصراحة ووضوح لأحد أصحابه بالقول إنه رأى أن ابن الزبير قد سيطر على الحجاز ، ونجدة بن عامر على اليمامة ، ومروان على الشام ، فلم لايكون له نصيب في السلطة ، وهو كأحد هؤلاء العرب أخذ هذه البلاد مستغلا المطالبة بثأر أهل البيت . (16)


1- الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ، 4/377 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، دون تاريخ .
2- المسعودي ، مروج الذهب ، صفحة 379 ، موقع الوراق .
3- الطبري ، 4/385 .
4- المسعودي ، مروج الذهب ، صفحة 379 .
5- الطبري ، 4/409 .
6- الطبري ، 4/409 – 411 .
7- الطبري ، 4/474 ، مروج الذهب ، صفحة 387 .
8- الطبري ، 4/451 – 465 .
9- مروج الذهب ، صفحة 380 .
10- الطبري ، 4/510 . (عثماني : منحاز إلى عثمان بن عفان . حجر بن عدي : من رجال الشيعة أعدمه معاوية بن أبي سفيان . هانئ بن عروة : استضاف وأخفى مسلم بن عقيل في بيته بالكوفة . )
11- الطبري ، 4/507 – 513 .
12- الطبري ، 4/495 .
13- الطبري ، 4/549- 550 .
14- الطبري ، 4/552 – 557 ،ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ،3/5-9 ،دار إحياء التراث العربي ، بيروت ،الطبعة الرابعة 1994 .
15- الطبري ، 4/557-568 ، ابن الأثير 3/10- 13 .
16- الطبري ، 4/269-573 ، ابن الأثير 3/13- 16 .
رابط مروج الذهب  http://www.alwaraq.net/index2.htm?i=91&page=1

 


 






 


 

Counters

 

أرشيف المقالات