| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الخميس 18/12/ 2008

 

سطوة الحذاء

ضياء الجصاني *
d_algassani@yahoo.com

يبدو ان خواء القوة ومسلسل الانكسارات، التي توثقت بتأريخ طويل من الهزائم، لأمة لم تعرف السيادة على مدى قرون طويلة، قد اورثتنا الكثير من الطباع المدموغة بالتسرع والنزق، لم تعد ذات فعل وجدوى، في عالم محكوم بتوازنات القوى، المنضبطة بسلطة العقل وابداعاته، في حقول العلم والتكنولوجيا، التي لم تخطئنا عوائدها، ونحن نستهلكها او بنهم، ونعلن تحفظنا عليها وتبرمنا بها، ولا نتردد من ان نصب لعناتنا، على صانعيها والمتاجرين بها، ثم نستثني ( شاربيها ) الذين هم ( نحن ). وتحت طائلة طباعنا المحكومة بسلطة المشاعر، ظل سلوكنا في الشؤون العامة، كما هو في الخاصة، منفلتاً من سلطة العقل، حتى اننا قد خسرنا الكثير من قضايانا، وعلى مدى قرون طويلة، وهي في معظمها قضايا عادلة ومحقة، لولا اننا اضعناها في مأزقنا المزمن، مأزق ردود الافعال المنفعلة، الذي افقدنا القدرة على الفعل المتعقل البناء. واستناداً الى معطيات الكشوف العلمية. واذا كان ما بين الحماقات المدفوعة، بهوس الحماس المتعجل والفرح الساذج، وبين الفعل المتعقل المعزز ببعد النظر، وتدبر الامور وانفاذها، بالتأمل والتبصر في الافعال والنتائج، لا تعدو بضعة سنتمترات، هي من وجهة نظر الفزيولوجيا، وعلم الاعصاب، المسافة بين قمة الدماغ، حيث البصيرة والتحضر، وقاعه الذي هو اسبق من حيث النشأة، حيث مواضع الفطرة والبدائية، فانها في حسابات ( تطور الانواع )، وتدرج الانسان في سلم الرقي الحضاري، قد تمتد الى آلاف لا بل ملايين السنين، هي المسافة بين الهمجية والتحضر.
ولعل تداعيات الضعف المزمن في واقع الامة، وعقدة ( البطولة ) التي ورثناها، بدلالاتها المنحرفة نحو العنف وجموح القوة، قد اوقعت وما زالت، توقع الكثير من مؤسسات الاعلام، والتنظيمات المحسوبة على الثقافة، او المنظمات غير الحكومية، في مأزق هوس الحماس البليد، وضلالات النشوة الساذجة، دون ادنى حساب لموازين الارباح والخسائر، التي تقتضيها ضرورات المنطق وحكمة العقل. ولعل ما تشغله قذيفة ضالة او عبوة ناسفة، دست بين اقدام المتسوقين، او المتسولين، من التعليقات والتصريحات، وما تثيره من طنين ورنين فارغ، لا يعدله سوى زعيق المتباكين، على اهل غزة الطامسين بالظلام، او ضحايا الاحتلال في بغداد، والمهدورة دماؤهم في بيروت. وفي جميع الحالات فثمة بطل او اكثر، وثمة انتصارات قادمة، تتخفى وراءها الوجوه البشعة، لمسلسل الفشل المزمن فينا. واذا كانت عبوات البارود، والمقذوفات التي طالما ظلت طريقها، صارت من الاسلحة التقليدية، لمعاركنا الخاسرة ابداً، فان ثمة من استعاض عنها بفردتي حذاءه، كسلاح غير تقليدي، ينتصر به لمن ارتضوا العيش خارج العصر، ناسياً او متناسياً ان فردتي الحذاء هاتين، هي من بعض معطيات التحضر والرفاهة، وهي التي نقلتنا من عصور ( الحفا )، الذي قاسى منه الاسلاف، الى عصر الاحتذاء الذي نستمتع بنعيمه، وانه هو نفسه، يحني لهما قامته بحنو شديد، ولأكثر من مرة في كل يوم ، ليمنحاه نصف اناقته.
لقد فاتت المقاتل بفردتي حذاءه، انه قد انجز ما عجز عنه خصمه، او ( عدوه )، فاثبت بالدليل القاطع، بان الديمقراطية في العراق، باتت حقيقة اثبتتها رميته التي اخطأت هدفها، لتصيب اخلاقيات الاعلام والثقافة العراقية، ومهنية الاعلامي والمثقف العراقي، باكثر من مقتل، وان الحرية في العراق، قد اطلق سراحها وتمردت على سجانيها، لينعم بها حتى من يطيش صوابه، فيستبدل قلمه بفردتي حذاءه، وهو آمن الا من سلطة القضاء، وعدالة القانون، في وقت لا يجرؤ فيه آخرون، في اوطان كثيرة، على مجرد التفكير بالانحناء، لربط شريط حذاء، في حضرة رئيس او وزير، او حتى شرطي امن.


*
رابطة الرافدين لحقوق الانسان
 

free web counter

 

أرشيف المقالات