| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 18/5/ 2007

 

أرشيف المقالات

 

عبد الأمير الشيخ كاظم السماوي
وداعا ً يا شيخ الذاكرة


بهـاء الموسـوي
Baha970@hotmail.com

من منا يتذكر حدث مر عليه قبل أسبوع او يومين او حتى يوم أمس؟ كم منا يستطيع أن يعصر ذاكرته ليخبرنا انه يحفظ اسم جاره او تاريخ دخوله المدرسة او صديق افترق عنه أو يتذكر اسم معلمه او مدرسته؟. آفة النسيان تكاد تدمي عقولنا وسرعان ما نبتلي بهذا الداء، وهكذا يطلق على العراقي انه معطوب الذاكرة.
لكن قلة من العراقيين الذين يؤرخون احداثهم ، أفراحهم ، مصائبهم ، اهتماماتهم . . الخ . وهكذا لدينا الكثير من العلماء ولكن لدينا القليل من المؤرخين الذين يؤرخون احداثهم ، يومياتهم او بالأحرى احداث بلدهم سياسية كانت أم اجتماعية. ولأنهم قلة فقد جاءت الكثير من صور التأريخ مشوهة تدمي القلب والعقل. ولكن وصلتنا أيضا الكثير من الصور الناصعة التي ننهل منها اليوم ونتزود من عطائها بفضل من كتبوا وأرخوا لتأريخ بلدهم ، مدينتهم وأحيائها وشخصياتها.
الشيخ عبد الامير الشيخ كاظم السماوي أحد تلك الشخصيات، ذاكرة عراقية متجددة، متحررة ، متخلقة بآبائه ، جمع بين العلم والتجارة ، بين الغنى والتواضع ، بين وقار شيخ وروح شاب ٍعشريني ، بين هيبة أب ووداعة طفل. لا يرد من سأله في حاجة حتى يقضيها له قدر تمكنه من ذلك. كان أبا عدنان ذاكرة قد لا يمكن أن تتكرر في العراق أو على الاقل في مدينته السماوة التي يحفظ كل شيئ فيها ، يسجل ما مر بها من محن وافراح واتراح ... كان يسجل حتى أمطارها التي تهطل ، من ولدوا من أبنائها ، من التحفوا الثرى.
في نهاية ثمانينات القرن الماضي التقيته :
قال: أنت بن من ؟
قلت: ابن سيد فلان
قال: إنني قد سجلت تأريخ ميلادك لو رجعت الى دفاتري.!!
كان أبا عدنان لديه دفتر متوسط الحجم في دكانه الذي يقع في بداية سوق المسگوف من جانب (الاورزدي) او (المجمع) كما أطلق عليه لاحقا القريب من شط الفرات وسط مدينة السماوة. هذا الدفتر يطلق عليه الشيخ عبد الأمير أسم ( دفتر اليومية) كان يؤرخ به كل حدث يومي يمر على العراق او المدينة أو حتى العالم. كان يسجل فيه إضافة الى أنه دفتر كشف لحسابات متجره، لكنه دفتر يؤرخ به كل حدث يومي صغير كان أم كبير لاحداث البلد والمدينة من ولدوا ومن جاء أجلهم، بل أكثر من ذلك فقد كان يسجل ويؤرخ الكوارث الطبيعية كالبرد والامطار والعواصف التي تحل بالمدينة. فقد كانت لديه ذاكرة لا يتمتع بها أحدنا فسيخبرك ان في هذا اليوم قبل اربعون عاما أو حتى خمسون قد خلت كان قد مر على المدينة حدثا هاما. بل سيخبرك متى نصب المسؤول الفلاني ، ومتى شيّد هذا البنيان. حتى انه يحفظ كم عدد أدراج جسر السماوة الحديدي. فقد كان الشيخ عبد الأمير ذا ذهنية متفتحة مولع بالحفظ والسياسة والتأريخ، فقد كانت من ضمن هواياته جمع الطوابع والعملات والميداليات. رغم كبر سنه لكن ذاكرته متوقدة.
ولد الشيخ عبد الأمير السماوي في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي من أسرة عريقة تعرف بآل عبد الرسول عرفت على مستوى مدينة السماوة والفرات الاوسط بشكل عام بالعلم والتقوى والزهد. وترجع أسرة آل عبد الرسول الى عشيرة آل عبس المعروفة. فوالده الشيخ كاظم الذي كان والدي لا يعقد قران أولاده أو بناته إلا ويأتي به لما يمتلكه الشيخ كاظم من علم وتقوى وورع. فقد عرف آل عبد الرسول بأنهم من أكثر شيوخ مدينة السماوة علما ومقربة ومحبة الى الناس.
السماوة تلك المدينة التي سميت بهذا الاسم لانها أرض مستوية لا حجر فيها كما يقول ( ياقوت الحموي) التي يعود تأريخها الى العهد السومري أي أكثر من سبعة آلاف سنة أنجبت الكثير من العظماء والمفكرين والشعراء ومن ضمن من أنجبتهم هو شيخ الذاكرة عبد الأمير الشيخ كاظم آل عبد الرسول السماوي. . . وها أنا اليوم أفترش حزني على مائدة الذكرى ، وتقف روحي على قبرك باكية ، لأؤرخ لقاءك بربك سـيدي أبا عدنان. والســــــلام.

17/5/2007