| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 19/11/ 2007



هل كانت ثورة أكتوبرخطأً تاريخيا؟!

د. علي السالم

دأبت منذ سنوات على قراءة مايكتبه الدكتور عبد الخالق حسين في مواقع الأنترنيت، بتمتع المتعلم، سواءً جاءت تلك الكتابات متفقة مع تصوراتي أو متناقضة معها، وذلك لما تميزت به من تمسك بالدفاع عن الديمقراطية وحرية البشر وحقوقهم الآدمية التي طالما حرموا منها. كما كان مهماً متابعة مساجلات الكاتب حول مواقفه، والتي إتسمت بالرقي رغم ميل بعضها لأصرار "مبدأي" على المواقف قديمها أو ما إستبدلت به لأسباب شتى. وقد دفعتني شيمه الحوارية لكتابة هذا التعقيب على مقاله الأخير عن ثورة اكتوبر، والذي رغم عدد من الأستنتاجات السليمة التي خرج بها، جانب الموضوعية في اراء كثيرة، بدت مفرطة في قسوتها تجاه ثورة، شكلت لي ولما تزل، حلما لخلاص البشرية، حتى بعد ان إنهار الأتحاد السوفيتي الذي أحببته كقلعة للتقدم، دون أن أزور أراضيه أو أذوق مياهه، وذلك قبل أن تكشف لي البروسترويكا كثيراً من أوهام ذلك الحب.
يقدم الدكتور حسين في مقالته قراءة عاجلة للتاريخ، يخلص منها الى ثلاثة إستنتاجات فيلقيها بوجه قارئه كمسلمات:
• إن الثورة البلشفية لم تكن استجابة لقوانين حركة التاريخ ولامنسجمة مع مساره الصحيح، لأن النظام الذي بنته قد تحول إلى الرأسمالية من جديد!
• إن بعض الماركسيين حفاظ نصوص، يرددونها كالببغاء دون أن يستوعبوا معانيها، ولهذا فهم مصابون بذات الجمود العقائدي الذي ينتقدونه، لأنهم دخلوا الحركة الشيوعية في سن المراهقة ولم يفقهوا أناجيلها.
• إن لينين مسؤول عن جمود هؤلاء وتشويه الماركسية، بسبب إصراره على القيام بالثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر عام 1917 والقضاء بالعنف الدموي على الثورة البرجوازية الديمقراطية التي قادها الديمقراطي ألكسندر كيرنسكي!

هل كان يحق للبلاشفة ما يحق لنا الأن؟
تتهم قراءة الدكتور عبد الخالق حسين والعديد من الكتاب الذين يدرسون تاريخ الحركة الثورية العالمية، لينين والبلاشفة بخيانة ماركس وأنغلس حين أشعلوا الثورة في بلد تتسم قوى إنتاجه بالتخلف ورأسماليته بالطابع البرجوازي الصغير الذي جعلها متأخرة عن بلوغ النضج الكافي لإنجاز البناء الاشتراكي كما أوصى المعلمون الأوائل! لكنهم وهم يدعون ماركسيي اليوم الى التمرد على ماركس ووضع إجتهاداتهم الملموسة على ضوء الواقع المعاش، ينكرون على البلاشفة هذا الحق، واصفين ـ بأقسى النعوت ـ أجتهاد هؤلاء في تطبيق الفكرة الماركسية على ضوء ما كانت تعيشه روسيا في تلك الفترة، ومحاكمين إياهم بما يوفره لنا العصر من معطيات، متناسين بأن الماركسية التي كشفت عن قدرتها على توفير الوعي المناسب لتغذية أساليب النضال التي تبتدعها الجماهير، قد سلمت بتعدد تلك الأساليب ونفي بعضها البعض في سياق تطور الوعي الاجتماعي.
إن لا عصمة لينين من الأخطاء لا يتناقض مع الأعتراف بفضله في الكشف عن قانون الثورة الذي يربط إنتصارها بحدوث أزمة وطنية عامة تشمل المستثمَرين والمستثمِرين معا، بحيث يرفض هؤلاء تواصل العيش بالنظام السائد ولا يقدر أولئك على صيانة هذا النظام. وكان إنتصار أكتوبر دليلاً ملموساً حين رفض ملايين العمال والفلاحين والحرفيين والفئات الوسطى، أي أغلبية الشعوب الروسية، النظام القيصري مقابل أقلية مثلتها البرجوازية التجارية الصناعية وكبار الأقطاعيين وأدواتهم القمعية. وتم التعبير عن هذا الرفض في سلسلة من الثورات والأنتفاضات والهبات الواسعة، لم يكن لها غير هدف مشترك واحد هو الحرية والعدالة الاجتماعية، حتى وصل عددها الى 33 ألف تمرد خلال 15 عام اي بمعدل 6 تمردات في اليوم الواحد. كما أدت انهيارات الجيوش الروسية في الحرب الأولى، الى تفاقم غير مسبوق للأزمة الاقتصادية – الاجتماعية التي عاشتها البلاد، تفاقم أوقعها في كارثة وطنية عظمى.
ورغم تخلف التطور الرأسمالي في روسيا وضعف الطبقة العاملة فيها (والتي بلغ تعدادها 4% من مجموع القوى العاملة)، فقد كانت أكثر الطبقات ثورية في العالم جراء ما إختزنته من خبرة كفاحية ثرة، سمحت لها بتبؤء الموقع القيادي لملايين الثائرين، وتشخيص وصول التناقض الى لحظة التفجر، وإعتبار ضعف الرأسمالية في روسيا عاملاً مساعداً لانتصار الثورة الاشتراكية فيها، أو ما سمي بفرضية الحلقة الأضعف في السلسلة، التي سيؤدي إنكسارها الى إنتقال الحريق الثوري في أوربا كلها. ومن يدري لعل التمسك بقوانين التنمية التي وضعها ماركس على ضوء تطور الرأسمالية الأنكليزية هو من الدوغما المسكوت عنها والتي ربما سببت اعادة انتاج البربرية التي اتسم بها التصنيع في أوربا "المتقدمة" في القرن الأسبق!

حين قتلوا البؤساء مرة أخرى!
ولم يكن ممكناً كما هو معروف اليوم أن تحقق البرجوازية ثورتها بدون فعل منظم، وفرته البروليتاريا الروسية بقيادة حزبها البلشفي، وهي تعبأ ملايين الفلاحين والجنود والحرفيين والفئات الوسطى وراء شعارات ملموسة كشعار الأرض للشعب، تسقط الحرب وتحيا الاخوة بين عمال العالم اجمع !. غير أن نجاح البرجوازية في الوصول الى السلطة أعقبه رفض حكومة كيرنيسكي "الديمقراطية" تحقيق أهم مطمحين لأبناء روسيا وهما إبرام السلام وتوفير الخبز، فأصرت على الحرب وتمسكت بالأحلاف العسكرية وبمواصلة الصراع لكسب حصتها من التركة الأستعمارية للدول التي قاربت على الهزيمة كتركيا وألمانيا، متناقضة تناحرياً مع الملايين من الجنود الجوعى والحفاة والمنهزمين، الذين إنحازوا بالضرورة للسوفيتات، كشكل للديمقراطية المباشرة. وبات محتماً الصراع لحسم إزدواج السلطة أما لصالح هذه الملايين أو لصالح كيرنسكي وحلفائه البيض، ولا يبدو لي اليوم أيضاً بأن حسم الصراع لصالح الأخير كان يمكن أن يعتبر فعلاً سليما من وجهة نظر المؤمنين بحرية البشر وسعادتهم.
كما ارتبط نجاح الثورة البرجوازية الديمقراطية مع اندلاع الحرب الأهلية الهادفة لأسقاطها وإعادة القيصرية للحكم وتشكيل حكومة توفر فرص واسعة لتوظيف رأس المال وترك الأراضي في حوزة الإقطاعيين والاستمرار بالحرب حتى تتحقق الأهداف الإمبريالية. وتذبذب كيرنسكي وحكومته بين البيض المعادين لها والحمر المطالبين بالخبز والأرض والسلام، فانحازت لأولئك ضد هؤلاء في مذابح تموز وقتل وقمع البلاشفة واعدام المقاطعين للحرب مما أجبر لينين على تبني نهج الانتفاضة المسلحة بدل التطوير السلمي للثورة.
ورغم اني لا أؤمن اليوم بالعنف وأجده متعارضاً مع جوهر قيمي الماركسية، فإني أحاكم التاريخ بموضوعية وأرى بأن عنف كيرنسكي هذا وحكومته "الديمقراطية" ضد الملايين كان دافعاً طبيعياً لهم ليتنكبوا السلاح دفاعاً عن حقهم في الحياة كبشر، فيما جاء التدخل الأجنبي بمئة وثلاثين ألف جندي وبمشاركة 14 دولة والذي يفخر بتنظيمه ونستون تشرتشل (السياسي الإنكليزي الحكيم حسب وصف د. عبد الخالق حسين) ليدفع ملايين الحفاة والجياع الى القتال وهم شبه عزل دفاعاً عن بلدهم وثورتهم. لقد شكل هؤلاء المساكين النسبة الأكبر تماماً من الأرقام التي تشاع اليوم عن ضحايا روسيا إبان قيام وإنتصار أكتوبر، ومن القسوة بمكان أن نقتلهم مرة أخرى وأن نبرأ الكورنولوفيين وغيرهم من الفاشست من جرائم الأبادة التي عاشتها روسيا في تلك الأيام .

أكتوبر والتجربة الأسكندنافية
كثيراً ما يستشهده المتصدون لمناقشة تاريخ الحركة الأشتراكية العالمية بتجربة دولة الرفاه الاجتماعي التي بنتها السويد ثم عممتها على شقيقاتها الأسكندنافيات. لكن الذي يبدو مجافياً للموضوعية، أفتقاد هذا الأستشهاد لمعطيات عن تاريخ هذه التجربة، ومدى تشابه الظروف الموضوعية التي ولدت فيها مع تلك التي أنفجرت فيها ثورة أكتوبر.
لقد أدت السياسة القيصرية والحرب العالمية الأولى الى موت مليونين على الجبهة وثلاثة ملايين بسبب الأوبئة، والى ارتفاع الاسعار بمعدل 1109% واهدار ثروة بلغت 115 ترليون روبل، فيما كانت الأمية منتشرة بنسبة 80% في بلد لم تكن العبودية قد ألغيت فيه تماماً بعد! ولا أعتقد بأن الأستاذ عبد الخالق حسين يختلف معي في حجم الخراب الذي الحقته الحرب الهتلرية بالأتحاد السوفيتي وبالتضحيات التي قدمها لتحرير العالم وأوربا بشكل خاص، إضافة لسباق التسلح المريع الذي انهكه مذ أن أطلق تشرشل الحرب الباردة في خطابه المشؤوم في فولتاون عام 1946!
فهل تصح مقارنة ذلك مع ظروف السويد التي لم تشترك في حرب طيلة قرنين مضيا، والتي تعلم ناسها القراءة والكتابة أوائل القرن الماضي مانحين المرأة حق الأنتخاب، وحين تجذرت قدرتها على إيجاد تطور سلمي ديمقراطي يستند لأسباب ليس أقلها حكمة حكامها ونخبها وثقافتها!
وإذا كان مفيداً مقارنة التجربة الأسكندنافية بتجربة أكتوبر فلا بد من الأشارة الى:
• إن أنتصار الثورة في تكتيكات ناجحة لا يشكل تغييراً أصيلاً بدون النجاح في وضع التكتيكات المناسبة لتطوير الفعل والأنتقال الحقيقي لمرحلة أعلى وفق إدراك عميق لتفاعل العامل الذاتي بالعنصر الموضوعي، والتخلي عن القفز في الفراغ على أساس شعارات حماسية أو رغبات سياسية محضة.
• لقد أدى انهيار الأتحاد السوفيتي الى تحول الرأسمالية المعولمة اليوم لسياسات أكثر ضيقاً وتطرفاً وسعياً للتراجع التدريجي عن مكتسبات دولة "الرفاه" الاجتماعي، وما فعله اليمين السويدي بمكتسبات الناس (كتعويض البطالة والمرض والتقاعد وغيرها من المكتسبات) خلال عام واحد فقط من الحكم وما فعله قبله اليمين الدنماركي الحاكم بتحالف مع العنصريين، لأمر جدير بالدراسة والبحث لأستشراف مستقبل هذه التجربة في عالم يسوده قطب واحد وتهيمن عليه جرائم المحافظين الجدد!

ستالينيون رغماً عنكم!
لقد أدى إنهيار ما كان يسمى بالمنظومة الاشتراكية، الى تعدد ردود الفعل بين اليساريين في العالم كله، مما تنوّعت معه قراءات الماضي ودروسه. ويمكن أن نوجز تلك القراءات بما يلي:
• قراءات أقلية: محافظة تنسب ما حدث الى تآمر خارجي وعملاء داخليين تسربوا في غفلة من الحزب والزمن الى السلطة، آملة أن تتعافى الحركة الشيوعية وتعود لساحة الفعل الثوري من جديد بذات الطبعة المعروفة، أو شبه محافظة ترى بأن الأنهيار سببه إنحراف السوفيت عن الماركسية "الأصلية" وظهور ردة رأسمالية عقب المؤتمر العشرين، متشبثة بينابيع تروتسكي "الصافية" أو مستلهمة قبضة ستالين "الثورية"!
• قراءات أكثرية الشيوعيين واليساريين في العالم والذين رأوا بأن عودة الحركة الثورية لساحة الفعل المؤثر لا تنبثق من إطروحات جزعة لمن أنتقل الى الضفة الأخرى بل من خلال التحديث الفكري والتنظيمي لحركة اليسار ورسم سياسات جديدة على ضوء ذلك لتشكل أساساً لبرامج تغيير مجتمعي.

وقد أدت هذه القراءات الأخيرة الى تطور القدرة على الأصغاء للأخر بشكل أضاء دائرة الحوار الجاد بينهم وبينه، وعلى التدقيق في كل شيء مهما كان مسلماً في صحته ومهما سطعت الأدلة على صوابه. كما أدت تلك القراءات المتأنية الى تحريرالفكرالماركسي من أسر الأيديولوجية الذي حُبس فيها والعمل على عصرنته باستعادة روح الجدل التي عاشها الرواد، كروزا لكسمبورغ وغيرها (والذين لم يخونّهم لينين والبلاشفة كما طرح الدكتور حسين رغم إختلافه معهم)، والأعتراف بأن تحديث الفكر لايرتبط بالضرورة بالمثقف العضوي بل يشمل كل المناهضين للجمود. فهل كان الأستاذ عبد الخالق حسين منصفاً في وصفه القاسي للشيوعيين بالببغاوات؟ وهل يمكن أن ندمغ الأكثرية المجددة والمبدعة، بنعوت الستالينية والجمود بسبب وجود آقلية لا تزال لا تتفق مع التجديد وهذا حق لها ينبغي إحترامه أيضاًً.

"مثلبة" الثبات على المباديْ!
ويستمر الكاتب في هجومه القاسي فيغمز من قناة الشيوعيين الذين يبررون "ديماغوجيتهم" بحرصهم على الثبات على المبادئ! ولا أدري كيف سيصفني الكاتب الفاضل حين أؤكد هنا أيضاً بأني أنحني دوماً أمام ذكرى كل البواسل الذين عمدوا بالدم رايات الشعوب محققين لها الحرية والعدالة، ومتصدين لكل الذئاب التي نهشت خيراتها وصادرت إرادتها، فمن سواعد أولئك المتمسكين بقيم الإنسانية ـ لا من رؤوس المحافظين الجدد كما تثبت الأحداث العالمية كل يوم ـ ولدت قدرتنا الراهنة على الدفاع عن حقوق البشر وكرامتهم.
ولا يتنافى هذا الثبات على المبادئ مع تجديد الفكر والمسار، بل هو مكمل أصيل له حين يكشف بعمق طبيعة المجتمع والأساليب والإنساق التي تحدد حركته، ويفاعل بين امكانياته وواقعه. ويشتد التأكيد على المبادئ حين يرى الشيوعي في اليسار حركة جذرية تدعو الى التغيير والتحرر وترفض الهيمنة مهما تحجبت بشعارات إنسانية، ويرى فيها حركة ترفض الظلم وتدعو الى العدالة الاجتماعية، وحين يصان الطابع اليساري الديمقراطي للحركة والخيار الأشتراكي كهدف إستراتيجي محلي وعالمي يفضي اليه طريق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بأعتبار الديمقراطية شكل سياسي مضمونه حركة الإنسان نحو التحرر من العوز لكل الحاجات المادية والروحية، وبين هذا الشكل ومضمونه بالضرورة – وحدة وصراع ، وفي إطاره تنمو حركة الإنسان نحو الحرية وتتغيير الأشكال وهكذا حتى تحقيق المجتمع اللاطبقي.

وأخيراً لابد من التأكيد على أن الغالبية الساحقة من الشيوعيين لم تدع العصمة يوماً ولم تكن ولا تريد اليوم أن تكون فوق النقد، بل لعلهم صاروا أكثر ميلاً وتسامحا في سماعه، لاسيما من الوطنيين الذين يؤمنون بأن الديمقراطية التي تضمن للآخرين توجيه النقد لهم ولسياستهم، يجب أن تضمن لهم حق الرد والأنتقاد أيضاً!
ومع وجود نقاط أخرى كثيرة في مقال الأستاذ عبد الخالق حسين تتطلب المناقشة، الا أني أكتفي بما قلت، متمنياً لكاتبنا الفاضل الصحة، ومواصلاً قراءة ما يكتب بروح من التلمذة، علمني إياها الشيوعيون العراقيون، مع تقديري.




 


 

Counters

 

أرشيف المقالات