| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الخميس 19/7/ 2007

 

أرشيف المقالات


 

14 تموز.....ملحمة صنعتها الإرادة العراقية


جلال حنونا

في مثل هذا اليوم ، وقبل 49 عاماً، طرق باب العراقيين الأمل المنشود....
ومن اجله، صعد الأبطال المشانق، وهبوا أرواحهم، وخضّبوا تراب الوطن بدمائهم.... ولكونه مرّ كالطيف، ابتعد، وتوارى، دون ان ينعموا كثيراً بإطلالة الفجر الموعود.
تجارب الماضي ولمحاته المضيئة تتكرر، وان كان ذلك الماضي لا يعود........
الأمل ....هو حلم المستقبل وصورته الزاهية، ولكنه عندما يتحول إلى ذكريات، وأيام حسمت من العمر، واليأس من اجترار محطات الزمن دون محاولة زحزحة عجلة الواقع ليسلك طريقاً صنعه وبدأه ذلك الماضي، وعبدّه بالجهود والتضحيات، ليكون نقطة البداية لذلك الحلم الجميل، فانه الإقفال على تلك المنافذ والسير في طريق مسدود.
محفوظٌ منا من عاش عرس ذلك اليوم الأغر، المفعم بالوطنية الحقيقية الصادقة والمجردة من الغايات والمصالح الفردية والفئوية، عرس ولادة العراق الجديد، امسك بشجاعة قائد فذ هو الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم ورفاقه....شجاعته لم تكن في قدراته العسكرية الخارقة، بل باقتداره لان يحولها إلى التزام واستقامة متلازمة مع ضمير يقظ، زرعت فيه العفة والعصامية القريبة من التنسك، وهي ترجمة لشخصية الوافي المتنور بثقافة تتمازج معها موروثات نضالية تسمو على الذات وتتسابق إلى مقدمة صفوف الفداء والتضحية.
وبحب لا يجارى، ووطنية لا تبارى، جاهد مع المجاهدين ليسموا بالشعب والوطن في حاضنة الشمس وأعالي القيم، فما من باب إلا وطرقه، وما من وسيلة لنشر العدالة والمساواة واستقلالية الإرادة والقرار إلا ويسلكه. وبفترة قياسية، حقق ما عجز غيره من تحقيقه سابقاً ولاحقاً، ضارباً ركائز دولة حديثة هو العراق الخارج من الأحلاف العسكرية المحترفة، ومن تكتلات مالية أخطبوطية، محرراً ثرواته من سيطرة الاحتكارات والكارتلات العالمية.
توالت الانجازات، وبعزيمة لم تتوانى، وبمؤازرة القوى الوطنية العريقة المحبة للحرية والسلام تقدم ليقود الشعب الذي حلق حوله بكل أطيافه وشمله وطوائفه، لان كان يؤمن إيماناً مطلقاً بان الثورة ومنجزاتها هي لكل العراقيين، ليبرهن أن الانحيازية لفئة دون أخرى لم ولن تصب في مصلحة الجماهير ومستقبل الوطن...... وعندما سارع على ذلك النهج الثابت قيل عنه انه كان إنساناً تنقصه الدراية السياسية ، في حين أن معظم السياسيين تنقصهم تلك الميزة الإنسانية .
كان شعاره الرحمة فوق القانون..... وقليلون من تدركهم البصيرة وهم في موقع القوة والاقتدار........ والرحمة في مجتمع كانت ولا تزال تتحكم فيه البداوة كانت ثورة أخرى ذات أبعاد تشيع المثل العليا الموجودة في مكامن الإنسان حتى في مثل تلك المجتمعات، وما يوقظها هو نماذج من ذلك القائد الملهم.
كل شيء كان يبدو وكأنه مباراة في الوطنية، فتوالت الانجازات العظيمة، والقدرة على اجتراح الأعمال الخارقة، فجاءت النتائج بمستوى ذلك الطموح ...... فالخروج من حلف بغداد لم يوازيه إلا التحرر من العملة الإسترلينية، ولم يرتق إليه إلا مشروع تأميم الثروات النفطية .. وجنباً إلى جنب سارت الإصلاحات الداخلة في تأسيس أول جامعة عراقية عمادتها وأساتذتها من خيرة العلماء ، وأول وزارة كوادرها من التكنوقراط المشهورين بالكفاءة، شهدت وـــــــــ معها السياسة الخارجية بايجابية صادقة معلناً دعمه لمؤتمر باندونغ، وثورة الجزائر، وتشكيل نواة جيش التحرير الفلسطيني ........ كلها كانت براكين ثائرة لا تكاد تهدأ إحداها، حتى تلتحق بها موجات كبيرة أخرى.
إنها ملحمة ليست كبقية الملاحم التي خلدت القادة ومجدت بطولاتهم وغزواتهم، بل هي ملحمة أخرى أضافت على ملاحم الطوفان ــــــــــ طعماً ولوناً آخر ، جاءت من اجل العامل المسحوق والفلاح المرهق وكافة الطبقات المهمة وفتحت لهم صفحة وموقعاً في صدارة التاريخ، شعارها عناق سعفة النخيل مع سنبلة القمح، والخنجر الكردي مع السيف العربي ليتآخى كل مكونات الشعب الاثنية والقومية والدينية .
أيجرأ العراقي..... أي عراقي أن لا يرى في نصب الحرية نفسه، وفي نخيل العراق ومياه دجلة والفرات والجبل والهور هويته، أو أن لا يرى بغداد قبلة الأنظار وحاضرة الدنيا وحديث العالم ليس في ما يهدد من دماء، بل ما كان قد بدا من تقدم وعمران وبناء.
وإذا كان الماضي وأيامه لا تعود، فلنعمل بان نجعل من لحظاته المضيئة وملاحمه العظيمة تتكرر، وليس أعظم من أن نصحوا من بين هذا الكابوس الذي غرس في كيان العراق سموم الفتنة الطائفية، ونتحرر من تبعاته المقيتة......
المجد لثورة تموز الظافرة وقائدها ورفاقه الأبرار، وكل شهداء الوطن، عمالقة الإنسانية والمدافعين عن حرية الوطن ومستقبله السعيد.