| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 1/6/ 2007

 

أرشيف المقالات

 

رفض الارهاب يساوي قبول الآخر


مصطفى حبيب

لا أريد التحدث مع المجموعات الارهابية بل مع الكتل العراقية الوطنية، ما زلنا الى اليوم نشعر بالحاجة الى ثقافة ديمقراطية حقيقية تتقبل الاختلاف وتنسجم مع الاخر والذي يتمسك بحقه في الحرية الذي كفلته الشرائع السماوية والقوانين الأرضية. فمع مرور الوقت فان السؤال المركزي الذي تثيره الأحداث والتطورات في عراق اليوم وهو كيف نعيش معاً في دائرة الاختلاف مازال لم يلق اي جواب.
لم نصل الى درجة الوعي عمليا في أن الاختلاف في أي دائرة من دوائر الحياة والفكر هو من الحقائق الثابتة والشاخصة في حياة الإنسان بصرف النظر عن بيئته أو تكوينه المعرفي والعقدي، وأن الانسان إنما جبل على أن يعيش حياة اجتماعية وإنسانية مع آخرين قد يختلفون معه كليًّا أو جزئيًّا.
ان الحاجة قائمة إلى البحث عن صيغ حضارية للتعامل مع حقيقة الاختلاف الإنساني وضرورات العيش المشترك. فإذا تصفحنا التاريخ الانساني نصطدم بالمحاولات التي بذلها الإنسان الفرد أو الجماعة لتعميم قناعاته ومواقفه، واستخدام القهر والغلبة لسيادة أفكاره ومعتقداته، لنجد أنها لم تفضِ إلا إلى المزيد من الاختلاف والاحتقان. ومن هنا تأتي الحاجة إلى أن نبحث عن صيغ حضارية للتعامل مع حقيقة الاختلاف الإنساني وضرورات العيش المشترك.
إن مظاهر العنف والفوضى التي تشهدها بلادنا اليوم لم تكن يوما ناتجة من تداعيات حقيقة التنوع والتعددية لم تكن حادثة طارئة، وإنما تعكس غياب الصيغة الحضارية التي تجمع بين حقيقة الاختلاف، وهي حقيقة قائمة مع الوجود الإنساني، وبين ضرورات العيش وفق مشتركات تربط الحاضر والماضي والمصير في المستقبل .
إن التغافل عن هذه الحقيقة، أو عدم احترام متطلباتها، هو الذي أسهم بشكل أو بآخر في الفوضى ومظاهر العنف التي سادت خلال السنوات الأربع التي تلت سقوط الدكتاتورية التي كتمت الأنفاس لما لا يقل عن 35 عاما. ولا يمكن قهر الناس في داخل البلد على رأي وطريقة واحدة، وغير بعيد عنا النظام البائد الذي حاول أن يصب العراقيين في قالب واحد من التفكير والممارسة لكن ذلك كان مدعاة الى التشبث بخصوصيات الذات والى الركون الى الدائرة الضيقة من العشيرة أو الطائفة أو المذهب.

نحن بحاجة الى أن نؤسس ثقافة جديدة على الانفتاح وأن نخلق المساحات المشتركة من الخصوصيات وتنوع المكونات الوطنية. حيث لا يمكن أن تدار الحياة الانسانية عموما بالقسر، ولقد أنهى انحراف الفكر الى قتل نصف العالم حين قتل قابيل اخاه هابيل في مطلع الحياة الانسانية الأول.
لا بد أن نقر بديهة ان الوطن فضاء مشترك لكل أبنائه بمكوناتهم المختلفة وخصوصياتهم المتنوعة. ولا يمكن إعادة بناء الوطن إلا بإعادة صياغة العلاقة السليمة بين مكوناته والتعبير عنها بحيث تخرج من سياق الاستعداء وإهراق الدماء الذي نلمسه بصور شتى كل يوم ونتائجه المتمثلة بالتحريض على الكراهية والمفاصلة الشعورية والعملية، إلى حقائق التفاهم والتقارب والاحترام المتبادل.
وينبغي أن لا نطلق هذه الكلمات من برج عاجي بمقدار ما يضمنها الفرد في دائرة الممارسة. كما أننا بحاجة الى خطاب اعلامي يعمل على ترسيخ قواعد حضارية للتعايش. وليكن حاضرا في أذهاننا ونحن نتحرك في همومنا ومسؤولياتنا أن صواب الفكرة لا يبرر ممارسة القهر واستخدام أدوات السلطة لتعميم الأفكاره والقناعات. فلكل إنسان الحق في الاعتزاز بأفكاره والتشبث بقناعاته والاعتزاز بعقائده.
للأسف مازلنا نعاني من مشاكل سياسية وثقافية وإيديولوجية، على الرغم من التحول المعلن نحو الديمقراطية بعد إسقاط السلطة البعثية، فالعراق كله ما زال يعاني من جراء هذه الرؤية والممارسة التي انقلبت من صراع ايديولوجي أو فكري إلى استخدام وسائل إرهابية لفرض هذه الأفكار والقناعات على المواطنين. وبهذه الأساليب لم تعالج مشكلات المجتمع والوطن من أقصاه الى أقصاه بل فاقمتها وبنت حواجز عالية بين مختلف مكونات شعبنا المتسامح أصلا في كل تاريخه وهو ما نلمس آثاره الى اليوم.