| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 1/4/ 2009



1000 دولار مساهمتي لتأسيس فضائية اليسار العراقي

علي بداي

لمناسبة مرور خمس وسبعين سنة على تاسيس الحزب الشيوعي العراقي، قدم الكثير من انصار الحزب ومناضليه التهاني وباقات الزهور ، البعض الاخر استعرض التاريخ الناصع للحزب وصراعه البطولي من اجل خلق مجتمع متقدم، فيما وقف البعض المتبقي وهو الاوسع مساحة والاكثر كما قانطا، يقطر يأسا، وحنقا على حزب كان قادرا قبل نصف قرن على حشد مليون متظاهر ببغداد فقط ، (بل ان مصدر الموسوعة الحرة يقول ان بحلول 1959 اصبح للحزب قاعدة جماهيرية يقدر عددها من 2.000,000 إلى 2.500,000 في بلد لم يكن عدد سكانه يتجاوز الثمانية ملايين انسان) ويعجز الان عن مزاحمة حزيبات مجهرية تحوم حولها الشبهات.

كل هذا يبقى مقدرا ومشروعا، فالحزب الشيوعي في العراق كان طوال تاريخه مشروعا اجتماعيا ضخما لنقل الملايين من سلبية الفرداني الى المشاركة الفعالة ببناء مجتمع انساني حقا، من حقنا كافراد ان نقول ونصرح بما نشاء، منطلقين من امنياتنا، محملين الايديولوجيا تارة والقادة، والبيروقراطية الحزبية تارة اخرى مسؤولية تراجع نفوذ اليسار، لكني ارى ان على القوى الاجتماعية التي تنشد التغيير و القادرة على تحليل الواقع علميا ، ان لا تقرأ هذا الواقع ممررا عبر موشور الامنيات، بل الاعتراف بوجوده كما هو.

فالمجتمع العراقي الان نسيج مهلهل، خلفته مرحلة تخريب نادرة امتدت لاربعين سنة، وفي هذا الخراب، تكمن عناصر ضعف وقوة الحزب الشيوعي حسب ما اعتقد. فالحزب ضعيف لانه بني وتكوّن على اساس كونه تجسيدا لوحدة الشعب العراقي، هذه الوحدة التي تعرضت لهزة عنيفة خلخلت مفاصلها فهرعت عناصرها، قوميا على الاقل، كل الى منشأه الاول وهذا بالذات ما اصاب الحزب بالصميم لان العملية استهدفت ركائزه التي يقوم عليها ، ولكن قوة الحزب تكمن ايضا بين رماد هذا الخراب الشامل وتختفي خلف هذه الوحدة الغائبة وفي امل ادراك مكونات الشعب لاهمية استعادتها والتطويح بكل مشاريع تجزئة مصالح فقراء العراق، وطبقاته غير المستغلة.

هي مشكلة موضوعية اذن بجانبها الاكبر . اكبر من حنقنا، والامنا، وحسرتنا على بلد الحضارات يتحول على ايدي الطائفيين المنتخبين شعبيا الى مدرسة لتخريج الفاسدين ومصنع لصناعة اللصوص.

ولكن ايهما يبدأ اولاً ؟ هل ينتظر الحزب المجتمع لكي يتعافى ام ينتظر المجتمع حزباً خلاقاً قادراً على نفخ روح الحياة بأوصاله ؟ وهل كان مجتمع ووطن العراق الخمسيني متعافياً لكي يزدهر الحزب الشيوعي بين ازقته ويصل الى ابعد قريه في ضواحي حلبجة واقصى بستان في الفاو؟

وهل كان مجتمع اوائل سبعينات القرن الماضي سليماً حين اشعل اليساريون مشعل ثقافة ما زالت للان تشع ؟
أجرؤ على القول ان مجتمعنا الحالي متخلف كثيراً بالقياس لما كان عليه قبل نصف قرن من الزمان ، ذلك المجتمع كان اكثر بساطة واكثر تماسكاً، و أجرؤ على القول ان فترة حكم البعثيين قد وضعت البلاد حرفياً على مقربة من تنفيذ تهديد صدام حسين الشهير بتركه العراق ارضاً بلا شعب، فقد ترك هذا النظام البربري مجتمعاً مرعوباً، مخلخلاً، مهزوز القيم ، اما التربة التي كان الحزب يغرس فيها اشجار الثقافة وبذور التنوير فقد رشها النظام قبل ان يرحل بكل انواع السموم والمبيدات.

كان المجتمع العراقي في سبعينات القرن الماضي مثلاً، يستقي من روافد ثقافية متعددة كالمسرح العراقي، وصالات السينما، والنوادي الثقافية كنادي التعارف، واماسي الاربعاء لاتحاد الادباء في بغداد ،ونادي الفنون في البصرة، واماسي كليات الاداب، والحضور الكثيف للفنان والكاتب والمبدع العراقي عبر الاذاعة والتلفزيون والصحافة ، وكان ذلك كله يتم ضمن عملية تفاعل بين الحزب الشيوعي والمثقف اليساري والناس والثقافة بكل روافدها، اما عراق اليوم فما هو الا معزوفة جنائزية لا تنتهي حيث توظف موارد الدولة واجهزتها الاعلامية والامنية لتسعير الاحتفال بالمناسبات الدينية بغرض الكسب الانتخابي معتمدة على ذاكرة شعبية منهكة ، وبأنهيار الدولة، سارع لصوص النظام السابق لتأسيس التلفزيونات الفضائية متخفين تحت مسميات مختلفة بغية لعب دور في المستقبل للتأثير في تشكيل الوعي حسب ما يؤمنون . ورغم كثرة عدد الفضائيات والصحف المتناسلة الا انها وبسبب من خوائها الفكري والروحي وسلبية المجتمع، تعجزعن احداث اي اثر ايجابي بوعي الفرد.

يورد عادل العامل في مقال له في جريدة الصباح حقائق مفزعة عن بؤس الواقع الثقافي في العراق ، فأعداد ما يُباع من نسخ الصحف العراقية في الديوانية، إحدى محافظات بلدٍ كان مهد الحضارات القديمة و مركز الحضارة العربية الإسلامية التي لم تكن تغرب عنها الشمس ، كالاتي: الصباح 175 ، الزمان 125 ، الدستور 120 ، المؤتمر 50 ، المشرق 40 ، المدى 25 ... فكان العدد الذي تقرأه محافظة بكاملها لا يتجاوز ما كان يشتريه طلاب جامعة واحدة في السبعينات من الصحف والمجلات. افلا يجدر بالحزب الذي بنى هيكل الثقافة العراقية ان يتوقف متأملاً دلالة هذه الارقام؟

لقد تشكلت منذ فترة، ملامح اخرى لبغداد هي اقرب للملامح الريفية او في اجمل اشكالها ملامح المدينة -القرية،التي لا تقرأ ولا تكتب، المدينة العمياء التي اطفأ الاسلام التكفيري عيونها وقطع مجساتها الثقافية ، وتتم في ذات الوقت بدايات تشكيل الطبقة الوسطى والطبقة الاغنى من جديد عبر اصطفاف المالكين الجدد، من لصوص الدين، وورثة النظام السابق الذين استبدلوا الزيتوني بالعمامة او الملابس العربية التقليدية ،وتتثبت عبر الايام اساليب غنى المسؤولين الفاحش في الرئاسات الثلاث، والوزارات، ومجلس النواب، ومجالس المحافظات بما يشي بأنفجار شعبي قادم مدو، وهائل لابد ان يكون للحزب الشيوعي دور اساسي بتفجيره، فكيف سيتصل بالناس؟ عبر المنشور السري؟ ام الجريدة التي لا يبيعها نصف باعة بغداد لان مليشيات الطوائف تحرّم بيعها؟

ان منظومة القيم التي ترّبى عليها انسان عقد السبعينات من الثقة بالنفس والمساواة والتحليل المنطقي للواقع والبحث عن الاسباب في النتائج وتحليل النتائج لمعرفة اسبابها ، قد اختفت بعد ان تراكمت عليها طبقة سميكة من الصدأ،هي خليط من مخلفات الحروب والقمع والعزلة وسيطرة انماط التفكير الغيبي وهي تحتاج لجهد ووقت من قبل البقية الباقية من المثقفين المتنورين لكي تزال، فكيف يصل المثقف الى هذه الملايين المستهدفة بالنتاج الايراني من مخدرات جسدية وروحية رخيصة؟

ان ما نشهده الان، مع انكشاف بعض من المستور وبعد ان سقط الريش الذي تستر به الاسلامويون، هي علامات لمسيرة بطيئة جدا لاتجاه المجتمع للاستقرار على اسس الحياة السلمية، ولدت ولادة عسيرة بعد ولوج نفق القتال الطائفي المخزي الذي ابتدأ به الاسلامويون عهدهم بالحكم ،حين اسسوا لنظرية استرداد حق الخلافة وشرعوا يتراشقون بدماء الناس لاثبات قربهم من آل بيت الرسول، وهي بداية على كل حال لخط الحدود بين الايمان الديني الشخصي الفردي الطوعي المقدس ومؤسسات الدولة اللادينية التي تقف من جميع مواطنيها على مسافة واحدة، وقد عبّر الناس عن ذلك بتخليهم عن اتباع مشاريع ولاية الفقيه، ودولة الفتاوى، وفدرالية الطائفة بشكل اولي راسمين علامة لا واضحة على خيارين : لا مجال لدولة دينية في العراق على غرار دولة ايران الاوتوقراطية، لا مجال لفدرالية الوسط والجنوب الطائفية.

كل هذا يدل على تحوّل خير، ولكن عوامل بناء تيار علماني تقدمي عصري في العراق، يزاحم الاحزاب التي تتاجر بالدين وتوزع العطايا والفتاوى في الانتخابات هي غير متوفرة الان ارتباطاً بتشظي المجتمع وانهيار منظومة القيم الاجتماعية ومنها الاخلاقية وصعوبة التحرك خارج اطار المصلحة المباشرة للناس ، بسبب الحرمان والتجهيل وخلط الديني بالدنيوي وحجم رأس المال الديني المتحرك على كل الاتجاهات، ولذلك فان هذه المهمة هي اكبر من ان يتحملها حزب بادوات تقليدية، بل هي مهمة واسعة الابعاد تستلزم ايجاد منابر اعلامية متطورة وخلق اساليب جديدة تماماً لمنافسة راس المال الديني الاعلامي الضخم المدعوم ايرانياً وسعودياً، فأية عوائق تمنع اليساريين من ان تكون لهم قناتهم الفضائية الخاصة بهم ؟

يا مثقفي اليسار العراقي!
خذوها مني، اخلقوا فضائية اليسار وهي التي ستشكل ملامح الشارع ، وترسمه وتملأه بالمتظاهرين ،ان الدنيا اليوم هي دنيا الفضائيات والانترنت وليست دنيا المطبوعات الموزعة سرا بل ان المتخلفين ما انفكوا يقتلون باعة الصحف التي لا تعجبهم فهل يصعدون للفضاء للانتقام من الفضائية التي لا تعجبهم ؟ لتكن لنا فضائيتنا التي تستوعب ابداع الاف المبدعين الديموقراطيين وتنقل نتاجاتهم الراقية الى البيوت المنكوبة بالحزن والغم والموشاة بالاسود، فلتكن لنا فضائيتنا التي تعيد الامان للعود الذي يطارد في بلد زرياب، والفيلم الذي اختطف من صالات السينما والاصوات التي تبحث في ارجاء الارض عن فضاء امن للغناء، فلتكن لنا فضائيتنا التي تمثل العربي والكردي والتركماني والكلداني والاشوري والمندائي.

لنفعل كل ما بالامكان فعله، فنحن الذين قدنا معارك الاستقلال والتنوير ووضع رفاقنا الاوائل البلاد على سكة التقدم الحضاري وليس من المعقول ان تستغل احزاب التخلف وجماعات التجهيل منجزات عصر التكنلوجيا للمضي بمشروعها الرجعي فيما نبقى نحن اسرى قصورنا المادي، ولكن هل تكمن المشكلة في القصور المادي ؟ أشك بذلك ولكي اقطع شكي بما ينفيه اتوجه اليكم بان تبدأوا العمل ، وها انا اساهم بما استطيع ولاشك ان الالاف غيري سيساهمون.


 

free web counter

 

أرشيف المقالات