| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأثنين 1/9/ 2008

 

السياسة الإيرانية
ثنائية الحاضر والماضي

ياسر المندلاوي
Falun92@hotmail.com

تستأثر السياسة الإيرانية بإهتمام الكثيرين في المحيطين العربي والإسلامي، وكذا على المستوى الدولي. ومبعث هذا الإهتمام مزيج من العوامل السياسية الإستراتيجية، الدينية المذهبية، التأريخية والقومية. وحيث إن التناقض سمة ملازمة لهذه العوامل إفرادا وإجتماعا، فإن إتجاهات الرأي متناقضة، بل ومتصارعة أحيانا. وفي ضوء متابعتنا للآراء السائدة، يمكننا القول بأن القراءات التي تعنى بالسياسة الإيرانية في المحيط العربي تتمحور في ثلاثة إتجاهات:

إتجاه مناويء يستحضر الخلاف المذهبي ويدمغ كل تحرك إيراني بالطائفية المثيرة للإرتياب من سعي مفترض لإقامة الهلال الشيعي في المنطقة العربية إنطلاقا من مقدمات النفوذ الإيراني في كل من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين.

وآخر، مناويء هو ايضا، يستدعي تأريخ العلاقات القومية بين الفرس والعرب والأتراك ليستنتج بأن السياسات الإيرانية محكومة بالنزعة القومية الفارسية التي نقلت التشيع من إنتمائه العلوي إلى الصفوية المعادية للعرب.

وثالث مماليء للسياسة الإيرانية ومخاصم بها، إما لإعتبارات دينية- مذهبية أو لإعتبارات سياسية مستوحاة من مفردات الصراع العربي الإسرائيلي في تجاوز مشهود لمحددات التباين المذهبي لصالح الخطاب الإيراني الذي يلامس حدود الخطاب القومي العربي في رفضه للهيمنة الغربية والصهيونية.
إن القراءات الثلاث تشترك في إهمالها لراهنية السياسة الإيرانية في تعبيرها عن المصالح السياسية والإقتصادية-الإجتماعية للدولة القومية ودور مختلف العوامل في تشكيل آليات خدمة لمصالح راهنة تستقوي بما هو مذهبي لتجاوز العائق السياسي، وبالسياسي لتجاوز العائق المذهبي، وبهما معا أو منفردا لتجاوز العائق القومي. ولا يجوز لنا، في هذا الموضع، التجانس مع منطلقات قراءة تقوم على تجزأة آليات خدمة المصالح إلى وحدات مكتفية بذاتها وساعية لذاتها بعد جعلها في مقام مصلحة فاتها زمن التحقق فأمسكت بتلابيب الحاضر بمقبوس من الماضي الذي يجهد أن يكون حاضرا. كما لا يجوز لنا الإنغماس في مناكفة ملموسيات السياسة الإيرانية والإطمئنان، بعامل التشارك المذهبي، إلى خطاب هدفه تجييش المتمذهبين في روافد تصب في بحر المصالح القومية للدولة الإيرانية، مثلما لا ينبغي الركون إلى خطاب سياسي يحاكي الخطاب القومي والإسلاموي بينما في حقيقته يهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسة والمذهبية للمنطقة العربية وفق مقتضيات المصلحة الإيرانية لا وفق مقتضيات مصلحة المذهب في الإنتشار بما هو مذهب، ناهيك عن مقتضيات المصلحة القومية والدينية للعرب والمسلمين. والحال، إننا لا ننكر على القراءات الثلاث إعتمادها العناصر البنائية في السياسة الإيرانية، وإنما نأخذ عليها أولا: تجريدها هذه العناصر من مجموعة العلاقات الداخلية الراهنة للبنية السياسية والإقتصادية-الإجتماعية للدولة والمجتمع في إيران. وثانيا: جعلها العناصرماهيّات منعزلة بعضها عن بعض لها خاصية الحركة الزمكانية والثبات الجوهري. وثالثا: إنتقائيتها في إنتخاب العنصر المقرر للسياسة الإيرانية وتغليب عنصر على آخر بوحي الإنتماء السياسي والقومي والمذهبي عوضا عن المفاعيل الواقعية الملموسة. ورابعا: إنكارها العناصر الراهنة لتبرير سيادة الماضي كما في القراءتين الأولى والثانية، أو إنكارها العناصر السالفة لتنزيه السياسة الإيرانية من شوائب الماضي كما في القراءة الثالثة.
إن بعض مفردات الماضي الإيراني في العهد الصفوي مثلا، لا يمكنه أن يكون متواجدا في راهنية السياسة الإيرانية بشروط ذاك العهد، صفة ووظيفة، وإنما بشروط الحاضر وإستحقاقاته المتباينة في النوع مع إستحقاقات الماضي. وبالتالي فإن القول بإرتهان السياسة الإيرانية إلى الماضي الصفوي في الأهداف والوسائل، ينطوي على قدر كبير من الإستخفاف بالشرط التأريخي في تحليل الوقائع والأحداث لصالح نزعة براغماتية سياسية تنشغل بالمكاسب الآنية دون المستقبلية، وتعتمد الأهواء والرغبات والعواطف والمصالح الفئوية الضيقة، بدل إشغال الفكر في إنتاج معرفة حقيقية تعين على فهم إتجاهات السياسة الإيرانية وكيفية التعاطي معها بما ينسجم واهداف شعوب المنطقة في التطور السياسي والتقدم الإجتماعي. وفي المقابل، فإن الخطاب السياسي الراديكالي الذي تعتمده جمهورية إيران الإسلامية لا يجعلنا في موضع التوافق مع القول بأن حاضر إيران يجبّ ما قبله بمراد القطيعة لا النفي، على الأقل في ظل التجاذبات بين القوى الإجتماعية في إيران ما بعد الثورة، حيث تمارس الإصوليتان الدينية والقومية تأثيرا بيّنا على مجمل الأوضاع. وحقيقة أن الأصولية الدينية والقومية تنتمي إلى حاضر إيران لا تعني، بأي حال من الأحوال، غيابا كليا لعناصر الماضي عن اللوحة الإصولية المعاصرة، وإنما تعني قدرة الحاضر، ولإسباب سياسية وإقتصادية وإجتماعية راهنة، على الإستخدام الوظيفي لعناصر من الماضي بعد إخضاعها لمنظومة الحاضر.


 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات