| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 1/7/ 2008

 

طـلع البــدر عـلينــا

د. قيس مغشغش السعدي
drabsha@yahoo.com

قريبا من مدينة فرانكفورت الألمانية وفي منتجع هوم بورك عقدت منظمة السلام العالمي مؤتمرها السنوي لدول أوربا على مدى الأيام 27-29/6/2008. تأسست هذه المنظمة قبل عشر سنوات، هدفها السعي لتسوية النزاعات وإقامة وإشاعة السلام والحوار بين الأديان. ولأن مبادئها إنسانية، وطبيعتها الإنفتاح على الجميع ، وغرضها الكبير هو مقدار تقبل الآخر وخدمته والتعايش معه، فقد كثرت فروعها في العالم حتى وصل عددها الى 191 فرعا وإزداد عدد المنتسبين والمساهمين في إنحاء عديدة من العالم، وصارت نشاطاتها كبيره وتحظى بتقدير دولي. مقرها الأساس في مدينة نيويورك وكذلك في سيؤل ذلك أن مؤسسها من كوريا الجنوبية. ومقر القسم الأوربي في مدينة جنيف السويسرية.

ليس هذا الموضوع تعريفا بها، فمن يرغب بذلك يمكن أن يجده في مواقعه، بل إنه إنطباعات مشاركة خرجت بها بعد أن دعيت لحضور هذا المؤتمر. كان عدد الحاضرين قد وصل الى حوالي 100 مشارك من الراعين لأنشطة هذه المنظمة في جميع دول أوربا. وكان من بين الحاضرين ثلاثة أصلهم من بلدان عربية هم من المغرب وسيدة من تونس وأنا من العراق. كان أحد الحاضرين يهوديا من إسرائيل، ولكنه مقيم في فنلدا. وحين إلتقانا ونحن من بلدان عربية قال:" إعتبروني من فلسطين، فأنا قد ولدت عام 1946" بإشارة منه الى ما قبل حرب عام 1948 وما صار بعدها. كانت روحه تسامحية في قبول الآخر، فحييناه. حفلَ برنامج المؤتمر بجلسات عديدة ، وإشتمل على مواضيع متعددة ونقاشات ومداخلات. وكان فرح المشاركين ملموسا بمشاركة عراقية بإشارة منهم الى ظروف العراق وحاجته للسلام. أشاروا الى أن الشرق منبع السلام وأظهروا التسامح بأنهم جميعا يشتركون بإبراهيم " ع " أبو الأنبياء. فلا غرو إذن أن أفخر وأعلن لهم بأنني قد ولدت في العراق بلد إبراهيم ، بل وفي محافظة ذي قار وفيها أور مدينة إبراهيم " ع ". وأكثر من ذاك أن جذوري، حينما أشاروا الى تعدد الأديان، هي جذور مندائية ترتبط بسومر وأكد وبابل مع خصوصيتها الدينية ضمن تراث ما بين النهرين.

وما أن جاءت فترة الإستراحة حتى وجدت حولي عدد من الذي يرغب بالتعرف على المندائية من حيث الإسم والعقيدة والطقوس وكيف بقوا الى الآن وكيف هم اليوم في العراق؟ لقد كانت الإنكليزية لغة المؤتمر، وكانت هنالك ترجمة فورية للغة الألمانية. ولذلك جاء من بين الحاضرين من يلح بفسح المجال له ليسألني. وقد تبين أنه المترجم الفوري الذي قال: " لقد سمعت لفظة المندائيين ولكني لا أعرف ماذا تعني هذه الكلمة ولم أعرف كيف أترجمها الى اللغة الألمانية، ولذلك أعترف لك بأنني قد بلعتها. فما هي المندائية بالألمانية؟ " أجبته ليعتمدها تسمية بعد أن طلب مصادر القراءة عنها باللغة الألمانية أيضا. وفي المقابل أيضا تفاجأت بسيدة كبيرة السن أرادت أن تسأل فحاولت أن أتجاوز سؤالها بشكل مهذب بسبب التعب، ولكني توقفت حينما وجدتها تذكر كلكامش وملحمته وتراث السومريين وفضلهم وحرفهم الذي علموا به البشرية الكتابة. فوجدتني أخسر شاي الإستراحة مؤثرا التحدث معها خاصة بعد أن عرفت أن ثقافتها عامة وهي ليست أكاديمية. وقد شكرت حاج إمام ذلك الرجل المسلم من الهند الذي صوّب لي كلمة في ترجمتي السريعة لآيات ذكر الأديان في القرآن، وفرحت حينما أشرت الى ديانة الصابئين وأنني من أتباعها أنه حياني قائلا: مرحبا بالميديين الأوائل أصل الأديان. على أني لا أنسى حينما ناداني مسؤول فرع ألمانيا ليقدم لي أحد الأساتذة المتخصصين بتاريخ الأديان في جامعة ماينز الذي صافحني بحرارة ماسكا بي بشدة وكلامه السريع الذي إمتزجت فيه الألمانية بالإنكليزية، فرحا بأنه يلمس" مندائي" فعلا حسبما عبر، ذلك أن درس المندائية وتابع ما كتب عنها ورأى طقوسها تسجيلا فديويا، ولكنه لم يكن يتوقع أن يلتقي بمندائي. ثم أخذ يشرح نيابة عني لبعض الحضور الذين شاركونا العشاء عن المندائية والمندائيين ووجودهم في بلاد ما بين النهرين.
لكن ما صار حديثا وكلمة وداع هو فقرة ضمن الجلسة الثقافية المسائية التي تضمنها برنامج اليوم الثاني حيث طلب من المشاركين تقديم بعض من تراثهم إنشادا أو غناء أو مشاركة. كان نصيبي أن أقرأ شيئا باللغة الآرامية/ المندائية، وأن أكتب بالحرف المندائي. وشارك آخرون بالغناء والرقص الفلكلوري...
كانت السيدة التونسية هي السيدة الوحيدة المحجبة في القاعة، وقد رأيت حرج مقدم البرنامج في كيفية التعامل معها، لكنه تقدم إليها بكل أدب طالبا إن كان هنالك ثمة ما تشارك به. وكان تصفيق الحاضرين عاليا حينما لبت الرجاء ووقفت أمام الحاضرين. ما بين قيامها ووقوفها كنت أتساءل ماذا عسى هذه السيدة، التي حينما كانت تتداخل باللغة الألمانية ، تبدأ بالبسملة والحمد والصلاة باللغة العربية،أن تقدم. تحسست حرجها نسبيا، ولكني مثل الآخرين أكبرت شجاعتها. أنشدت بصوت بدا متهدجا " طلع البدر علينا ، من ثنيات الوداع... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع " أحببت إختيارها فقد كان موفقا. وحين وجدتها تكرر مقطعا واحدا بذلك الحرج، ترجمت تشجيعي، وأنا بين الحاضرين، الى مشاركة في ترديد الكلام بلحنه معها، فتوجه الحاضرون بأنظارهم الى مصدر الصوت فرحين بهذه المشاركة. كما كانت لهفة السيدة شديدة أن يشاركها أحد إنشادها، ولذلك سارعت بإيماءاتها راجية بشدة أن أقف الى جانبها.
نهضت والحاضرون يصفقون للوقوف بجانبها وأكملت معها: " أيها المبعوث فينا ، جئت بالأمر المطاع... جئت شرفت المدينة، مرحبا ياخير داع ". ورغم أن الحاضرين لا يعرفون فحوى ما أنشد لكن أعجبتهم المشاركة مع زميلتهم المحجبة وصارت الفعالية أظهارا عمليا للقاء بين الأديان وحوارها وتسامحها خاصة بعد أن شرحت لهم، وأنا المندائي، معنى النشيد الذي إستقبل به أهل المدينة النبي محمد(ص) حين وصلها وهو مجبر على الهجرة من مكة.

وكان ختام المؤتمر مؤثرا فقد شعرت بقيمته وبمسؤوليته حينما أقدمت منظمة السلام العالمي على منحي شهادة تقديرها ولقب سفير السلام العالمي تقديرا منها لما قدمناه من مسيرة في خدمة طواعية. لقد وجدت في هذا التقدير تكريما للمندائية ووجودها محبة وسلاما، وتكريما للعراق حبا في أن يشيع فيه السلام.

فلنصلي جميعا من أجل السلام ولنعمل جميعا من أجل السلام الذي هو حاجة النفس في الدنيا والآخرة والذي لا يتحقق حتى يحب بعضنا بعضا ويقبل بعضنا بعضا، فقد خلقنا الله شعوبا وقبائل لنتعارف وذكر بأن أكرمنا عند الله أتقانا.




 

free web counter

 

أرشيف المقالات