| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 20/5/ 2008

 

هيبة المحارب

إلى المقاتل والقائد المجيد سلمان يوسف إسطيفان (الرفيق أبو عامل)

علي جاسم شبيب - أبو بدر

لو مرّ سرب من يمام على الشرفة
في هذا الضحى
هل تراني... مثلما كنتُ قديماً..
يا زمان الصّبا يا أيها الواهب صوتاً
للدّم النافر، معنى للكلام الخبيئ
                                         
(سعدي يوسف)

منذ ربع قرن، أحمل السر الذي يأبى أن يُفضّ، غير إني، وفي حضرة الذكرى العزيزة، أريد أن أتحدث عنك، ومعك، على شرفة من شرفات الهضاب المبللة بالمطر... كانت الشرفة مفتوحة على الأفق البعيد، في أواخر نيسان من عام المذبحة المباغت، وكنا في غمرة ضحى بشت آشان الذابل نتهيأ إلى برنامج عمل جديد، في السياسة والإعلام، وفي تنويع فنون القتال، التي تتقنها.. لكنك صامت، كنت صامتاً أمام هذا الأفق الذي يلوح بإشارات غامضة، سرّية المقاصد.. فلربما كنت ثملاً بأيام آذار، حين احتفلنا بميلاد طائر البرق السومري.. الطائر الذي سمعت عنه من الرفيق الاول، حين جلست معه أيامذاك، في سنوات الدم النافر، سنوات الشباب الذي يصبح فيه كل معنى، صمتاً وعملاً، ولغة خبيئة.. وكنت كما أظن، مثل شاعرٍ، أبدع قصيدته الذاتية، وضمها إلى ثنايا روحه، وتقدم باسلاً لبناء العالم الجديد، النظيف المبهج والسعيد.. بديلاً عن عالمنا الذي غمره السديم والظمأ الشديد..
كنت أتأملك، مرتين، وفي هاتين الوردتين، الفواحتين، ارتسم في ذهني شخصك، وهيبتك كمحارب قدير.. محارب لم يحمل شهوات الشباب، حصيناً كنت، ممتنعاً، كأنك قد استسلمت للتعاليم الاولى، لناموس البيت والحقل، ولرحاب الكنيسة القديمة... كنت أتأملك وأنت في حلمك اللذيذ الخاص جداً، حيث ولد حارس النذور، وحامل السلال الوفيرة إلى معابد الخير، وأرى ضوء الفرحة في عينيك، بريق المتعة الباذخة وأنت تسمع ضحكات فتيات القوش، على المرتفعات الملونة بالزهر والعشب الأخضر.. وكانت الضحكات بحجم النذور السخية التي سيحملها طائر البرق، الى القرى والمدن البعيدة، المدن التي أسبلت خدودها وفتحت عيونها بانتظار القادم الجليل.
... وعبر الأفق البعيد أيضاً، وخلال إرتعاشة الجبال القلقة التي هبطت على الضحى الذابل أستيقظ في روحك، عطر الخبز من البيوت الواطئة، حيث قامات الامهات الشامخات، حيث الظلال المنكسرة في القلعة الحدباء، ومرت مثل ومضة سرية سريعة، الجلسات الأنيسة في بغداد، وصوت الطلقات وضجيج الحقد والدم المراق في الشوارع.
كنت أتأملك أيها العنيد، الرؤوف، المتباهي ببدله القتال.. ولكن كل ما يحلم به المقاتل، تذروه رياح السياسة العاصفة، الرياح التي لا يمكن التكهن لهبوبها أو معرفة اتجاه صخبها وتلاوين تياراتها...
لا أفض الختم، إلا أن رحيلك، أشعل فينا جذوة لم تنطفئ، فغرفة الإعلام العسكري التي أعمل فيها، أتذكر منها ذلك الفراغ المطل على القرى الملتبسة بالصمت والمؤامرة.. كنت تزورنا، تسأل عن موعد صدور ((نهج الأنصار)) ((ريبازي بيشمركة)) الذي أنتديت حديثاً لتحريرها، في نيسان الذي ذبلت ثماره... كنت تسمع الشروحات من الرفيق أبو سرباز، وأرى في قبضتي كفيك الخشنتين، ضوء الإصرار.. لتوثيق بطولات المفارز، أهمية التقاط الروح الجريئة للذين يجوبون الهضاب والجبال والقرى الوادعة، وتسأل عن الشهداء وعن الذين يكتبون الشعر والقصة وهم على صهوات رحيلهم الدوار.. وكان قلبك يدق، بفرحة المحارب، عندما يلمّ في راحتيه الإعلام بالعمل العسكري والسياسي، هذا ما كنت تحلم به، في ان يكون ذلك دائما في ذهن السياسي المقاتل.. واتذكر انك وقفت امام شباك الغرفة المغبش بنسمات ايار كانك تتلمس بحساسية البيشمركة، بأن بشت آشان ، تعد وليمة الحزن القادم.. لماذا لم يعجبك هذا الوادي الجميل، هذه الطاسة الفضية، التي تحيطها الهضاب وتزين وجهها بثمار الكمثرى والكروم والتين والرمان..؟؟ لماذا لم تحب نهرها الصخاب، حيث المطحنة القديمة وطيور السمان والديوك البرية الصائتة كل صباح.. هل همس في قلبك، صوت البيشمركة الشكّاك، بان هذا الوادي لا يصلح ان يكون قاعدة تضم كل رأس الحزب، ام ان المقاتلين قالوا كلمتهم أمامك، وذهبوا إلى الجبال المرحة، مثل قلوبهم، قالوا لك بان الموقع ساقط بالمعنى العسكري!!
كنت أراك ساهما باستمرار، حتى وأنت تمر علينا كل صباح،عند كل فطور، قبل ان يفز العصفور صوب الثمار، وأنت تعرف بان العصفور المبكر يفوز بأحلى الثمرات.. وكان بمعيتك الرفيق أبو شريف،آمر فصيل المكتب العسكري، تتهامسان، وينتظم مشوار اليوم بكامله.. ماذا كان يقول لك؟ هل هو التقرير الصباحي.. وماذا كنت تقول له.. هل هي الأوامر!! لقد كنتما اشبه بصديقين، يلتقيان عند جادة قريبة من بيوت الأهل ويفترقان.. لا نعرف انك غضبت او أمرت، ولم تكن غليظا، بل كنت سلسا مثل ماء عين صافية، تتقدمك كلمتك الأثيرة في قلوبنا.. ها عيوني.. شلونك عيوني.. كنت مربيا، صاحب الكلمة الصادقة والواضحة، المحامي ذو الرأي السديد، والبيشمركة المقاتل.. كنت مثل حياتك اليومية التي كنا نراك.. بملابسك النظيفة، ووجهك الحليق كل صباح، وكنت تقول لنا.. البيشمركة عسكري، عليه التمكن من الانضباط والهيئة الكاملة والقيافة الصحيحة، وكنا نمزح معك ونقول.. لكنه نفس القميص يا رفيق، فتقول باسما: لكنه يغسل في كل ليلة...وتأملتك ثانية، في الوردة التي هزتها ريح آيار وأمطاره، في الظلمة المخاتلة العابسة التي هبطت على مساء، توقفت فيه دورة دولاب المطحنة القديمة عندما سال دم الشهيد، المصور السينمائي، شهيد على أديم الحقل.. فأوقفتنا، نحن، ثلة من المحاربين بمعية ثلاث رفيقات محاربات، وأخبرتنا بأنهم يستهدفونك بطلقات برنو، محشوة باليد كنت تؤكد انها طلقات شد..وكانت ثلاث محاولات ..وعندما بدأ الظلام ينزل ، كانت أصابعك البيضاء، مشبكة على صدرك، فأمرتنا بالانسحاب بعدما لاحت النيران التي التهمت مبنى المكتب العسكري، وفي الطريق الملتوي، بين الصخور المتربصة، وجدنا آثار من غادروا، وتركوك وحيداً بين محاريبك، فحملنا من أمتعتهم الفائضة وصعدنا الجبل.. كنا مثل سرب نمل، منهك، بطيء الحركة دؤوب ومثابر، على حب الحياة وثمار الفكر، نصعد الجبل، ذا القرون الخمسة، دون اتجاه، دون معرفة بشعابه ووديانه التي غطاها الثلج .
ايا ثلج آيار، إفتح لنا الطرقات، فالمحارب الذي لم تهزه الأمزجة وعلاقات الدم معنا ..يحلم بالسلام والمسرة على هذه الارض يحلم بطائر البرق يجوب السماء، حراً وعلى جناحيه رشاش من دم وفي فمه غصة الضمآن. وفي البلاد الأخرى، في وادٍ، وصلناه زحفاً وتزحلقاً.. أشعلنا ناراً، ورأيتك واقفاً، تنظر إلى الأفق البعيد الذي غيبه لمعان الثلج.. ولما اقتربت منك، قلت لي أتذكر.. إنهم كانوا يطلقون علينا طلقات البرنو القناص، لكن الوادي كان بارداً والريح تهز قمم الصخر الثاوي، فأجبرناك على خلع الحذاء، الذي لم تنزعه منذ ثلاثة أيام، وجففنا الجوارب المبتلة على النار ..أكلت قليلا من الخبز والجبن من متاع الذين غادروا ورشفت كأس الشاي، فانتبهنا إلى رجفة في الشفتين، لكنك غادرت ومعك رفيق واحد، غادرت صوب سهوب جديدة لا نعرفها.
لم أرك أيها المقدام بعد ذلك، ولم تخرج أبداً للقاء مقاتليك الأشداء، فقد تغير تقييم الفعل، وأنصب الخطأ والهزيمة على قيادتك وعلى دم المحارب الذي توسد تراب بشت أثان، وأني أظن، بأنك وعلى فراش الموت، كنت تقلب هذه الصور، وعبر صمتك الجليل، أيقظت فينا الجذوة التي لم تنطفئ، الجذوة التي حملها طائر البرق، ليشعل حرائق الأمنيات، كي تتبدد ظلام الغيوم الرخوة الطارئة.
 

البصرة اواسط آيار/ 2008

 

Counters

 

أرشيف المقالات