| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأحد 20/5/ 2007

 

أرشيف المقالات


 

كلمة لمؤتمر المثقفين !


إبراهيم أحمد

الأصدقاء الأعزاء

تحياتي لكم جميعاً
لا بد في البدء من تحديد مفهومنا للمجلس العراقي للثقافة المنشود، وبوضوح كاف، لكي لا تذهب الكثير من الجهود والأوقات هباءً، ولكي لا يتحطم طموحنا على الصخور مثل كل مرة! فإذا كنا نقصد به ما يوازي المجلس الأعلى للثقافة القائم في مصر مثلاً، أو نمط الأكاديميات الوطنية العليا القائمة في بعض البلدان الأوربية والتي تضم نخباً فكرية وعلمية خاصة و تعد مرجعيات ثقافية عليا، وتساهم إلى حد بعيد في التأثير والـتأثر بالاتجاهات والتيارات الثقافية في بلدانها المتحضرة، فينبغي الإقرار منذ الآن أننا لسنا في وضع يؤهلنا لتشكيل هذا المجلس!

أما إذا كنا نطمح لتنظيم ثقافي معقول ومناسب يتشكل في المنفي القسري الجديد وفي ظل أوضاع سياسية وثقافية معقدة، فهذا ممكن وضروري، ولكن ينبغي أن نكون في منتهى الموضوعية ونرى الواقع المحيط بكل مكوناته وظروفه ونرى أمكاناتنا الذاتية بدقة وصراحة.
أولى الحقائق هي أن الكتلة الأكبر من مثقفي العراق هم في الداخل، وإن ثمة تنظيمات ثقافية تتصدى لتمثيلهم سواء برغبتهم أو أنها فرضت عليهم كأمر واقع! وثانيها أن الساحة الثقافية العراقية في الداخل والخارج مكتظة كسوق الهرج بالكثير من المفاهيم الملتبسة والتقييمات الخاطئة والتيارات العمياء الجارفة والاتجاهات والنزاعات الخاطئة والخطيرة، التي للأسف لا يراد حلها أو إيضاحها والوصول إلى الحقيقة بالحوارات الجادة والعميقة بل بالاتهامات الثقيلة وإطلاق الأحكام القاسية!
لقد صعدت البدائية والوحشية وتسللتا إلى كل مكان في بلادنا ولكن أخطر مكان وصلتا إليه هو عالم الثقافة والمثقفين! كل ذلك في وجود احتلال نكص عن أن يكون قوة تحرير، وتحول للأسف إلى قوة تدمير من خلال تبنيه لحكومة دينية طائفية رجعية ضيقة الأفق.

أما حول امكاناتنا فهي أننا مع كل ما لدينا من خبرات أو منجزات متباينة إلا أننا بشكل عام مجموعات مشتتة في المنافي افتقدنا الوطن والدولة العصرية الحرة والمجتمع المتماسك الناضج بينما نحن لكل منا مشروعه أو همه أو هدفه الثقافي الذي يريد إنجازه في حياة قصيرة منهكة وفي مزاج أثقلته الخيبات والإحباطات مع شعور إنه قدم ما لديه وما عليه سوى أن يقول أو يؤكد كلمته ويمضي بصمت!
من هنا علينا أن نعمل من أجل تنظيم ثقافي لا يزيد الواقع تعقيداً بل يكون مساهماً فعلاً في حل تعقيداته ومشاكله، بعبارة مختصرة علينا أن ندرأ عن وقعنا الثقافي أن يكون صورة للواقع السياسي في تشرذمه وتمزقه وتخندقه الطائفي وطابعه الدموي!
لذا فإن ما ينبغي أن نتطلع إليه هو تنظيم محدد المعالم واضح الأهداف وفي نطاق الممكن والضرورة بنفس الوقت!
من الممكن أن يسمى المجلس العراقي للثقافة، من الممكن أن يسمى التجمع العراقي للثقافة، من الممكن أن يسمى المرصد أو المعهد العراقي للثقافة، الأهم أن يكون مدركاً هو قبل غيره لمهمته التاريخية وأهدافه الصحيحة والنبيلة، وأن لا تداخله نزعة احتكار أو استحواذ على الثقافة العراقية، وأن لا يجعل من نفسه مرجعية مقدسة،ولا قطباً يمكن أن يستدرج للصراعات الجانبية المستنزفة لطاقته وطاقة أعضائه، وصرفها بعيداً عن ساحتها الحقيقة كميدان هو بالدرجة الأولى للإبداع والعطاء الفكري وللتفاعل مع قضايا الوطن والناس!

لا ينبغي الاعتقاد أن امتداد هذا التنظيم إلى فروع وشبكات هو تحقيق لقوته وحضوره، على العكس قد يصيبه هذا بالترهل والتشتت ويحرفه عن مهمته النوعية في أن يكون جزءاً من ضمير حساس مرهف وعادل للعراق في هذه المرحلة العصيبة من تاريخه! وأتذكر عملنا قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً على تنظيم ثقافي كبير انطلق من بيروت وبمساعدة إحدى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وهو رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين حيث وقع للأسف تحت الهيمنة الحزبية والشخصية وبتواطئ وخنوع من سكرتيرها العام سعدي يوسف فتحولت فروعه إلى ساحات للصراعات والمناكفات والضغائن بين العديد من أعضائه فلم يستطع أن يكون عنصر عون لا لنفسه أو لأعضائه، ولا للشعب في محنته أيام كان يرزح تحت الدكتاتورية!
رائعة ومشروعة هي الأهداف التي تضمنتها الوثيقة التأسيسية لكن معظمها لا يمكن تحقيقه إلا ضمن قدرات دولة ومجتمع آمن مستقر على أرض وطنه لا تنفتح في وجهه المزيد من المنافي كل يوم !
لذا فإن هذا التنظيم يكون قد حق الكثير إذا ركز جهده على نشر ثقافة إحياء الضمير العراقي وإنارته وفتح أفق إنساني وحضاري رحيب أمامه وتحقيق عودة العراقيين إلى عراقيتهم، واستعادة ثقتهم بأنفسهم وببعضهم، وضرورة تبادل التسامح بينهم، وحصر الطائفية في أضيق نطاق ممكن، والتبصير بخطورة خنوع الدولة للدين ولرجال الدين والمساهمة بالعمل الشاق والطويل على إزالة الاحتلال بالطرق السلمية والسياسية!

لا يخفى عليكم أن الواقع يؤثر بقوة وبسرعة على الثقافة بينما الثقافة تؤثر ببطيء وبصعوبة على الواقع، والمثقف كالفلاح الذي يغرس النخيل لتثمر بعد عشرة أعوام أو عشرين عاماً وربما يكون حينها من الراحلين! لذا ينبغي أن نتحلى بالأناة والصبر لنرى نتيجة أعمالنا !

وعلينا أن نتذكر جيل المثقفين العراقيين الراحلين الذين عاصروا الاحتلال الإنجليزي أوائل القرن الماضي وبنوا الدولة العراقية على أسس علمانية. لقد كانوا أكثر نضجاً وأبعد نظر منا فلم تستغرقهم النقاشات المريرة التي تستنزفنا الآن، ورغم أن دولتهم الرائدة وأقلامهم قد حطمتها جزمات العسكر إلا أن وجودنا الآن يؤكد أن أقلامهم وأرواحهم العظيمة ما تزال حية حتى اليوم!

وشكراً لكم!