| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 20/7/ 2007

 

أرشيف المقالات

 


حكاية رسالة لا ادري ماذا حل بكاتبها


ممتاز كريدي

الرسالة التالية وصلتني قبل اكثر من ثلاثين سنة وجدتها بين اوراقي القديمة واحتفظت بها اكراما لكاتبها الذي لا اعرف عنه سوى انه خرج في حينه من سجون النظام التي دخلها وهو في سن الخامسة عشر وتعرض لشتى صنوف التعذيب وجاء في بداية السبعينات الى المانيا الديقراطية طلبا للعلاج ... وعاد الى الوطن في ظروف غامضة ..

كل ما اعرفه عنه هو اسمه الذي ذيل به هذه الرسالة.. ( شوقي البيضاوي ) ومن الطائفة المندائية‘ الامر الذي اذكره مضطرا لتسهيل مسعى الاستدلال عليه . اناشد كل من سمع او يسمع عنه ان يعلن ذلك وله جزيل الشكر سلفا.

مقتطفات من الرسالة دون اي تغيير او تصحيح في القواعد والاملاء اتركها على عواهنها وعلى بعض ما فيها من سذاجة واعية وحلوة. الرسالة بتاريخ 25/ 12/
1970

اخي العزيز ممتاز

رسالة عابرة وتحيات اخوية صادقة

عندما تركتموني في الطريق وحيدا مع الثلج‘ ومع حقيبتي التي حملت بداخلها اشياء صغيرة مبعثرة كلعب الاطفال وكتاب شعريذكرني بصديقي البصري الذي يمتلك عينان صغيرتان والذي كان يدفن قصائده تحت التراب في صحراء السلمان بعيدا عن عيون الذئاب.... لست ادري لماذا تذكرت بصورة مفاجئة صديقي القديم... صديق الصبا‘ لربما لون الثلج هو الذي ذكرني بشعره الطويل الذي لونته الحياة القاسية الطويلة بالبياض.. كان يتحدث عن الديالكتيك بلغة هيرقليطس ويتحدث بعض الاحيان عن الكاتب الفرنسي آناتول فرانس الذي قرر قبل ان يموت بثلاث سنوات ان يكون شيوعيا ( اتعرف ما ذا يعني الديالكتيك.. انظرالى السيارة تتحرك الى الضوء الى الشمس الى النهر.. كل شيئ في حركة وتغير.. انك صغير وغدا ستكون كبيروعندما تموت وتدفن لربما سيحمل فستان فتاة جميلة شيئا منك.. المواد التي في جسم الانسان ستكون سماد للنبات وساتي الخروف ويأكل من النبات وسأخذون الصوف وسيصنعون فستان وشال ولربما شيئا آخر) وضحكت في البداية رغم اني اقتنعت بكل ما قاله.. ان اكون انا او اختي الصغيرة .. او صديقي ان يكون الانسان داخل فستان فتاة ولكن بصورة اخرى يصعب ان يراها الانسان كسيئ ملموس واضح.. بعد اسابيع اصبحت احس اني ارتبط بكل الاشياء التي في الحياة.. عندما ارى الاشياء الجميلة.. عندما ارى الالوان الجميلة احس اني احمل هذه الالوان...وعندما ارى عيون طفلة ذات شعر كستنائي ووجه وديع كوداعة سماء ربيعية صافية .. اشعر ان هذه الطفلة ابنتي.. انه جزء مني... وعندما تتحرك العربة الصغيرة وسط الثلج قرب محطة لايبزك الكبيرة تراودني رغبة غامضة هي ان التهم الثلج الذي يغطي الارصفة.. لست ادري لماذا احب الثلج والشمس المشرقة وعيون الاطفال! وقلت لنفسي اهكذا تكون الحياة بعض الاحيان مغطاة بالثلج القاسي واللذيذ في آن واحد... في مدينتي لم تكن هذه الصورالي كنت احلم برؤيتها.. آه ما اجمل ان تتلون مخيلة الانسان بالوان العالم كله وما اجمل ان يرى الانسان كل جبال العالم وبحاره.. وتذكرت البحروروستوك ومهرجان الغربة والتعب وصورتك القديمة.. انسان متعب يود ان يفتح قلبه لاي انسان بدون تردد وفتحت قلبك ولست اعلم ان كنت تدري ام لاتدري وشعرت ا الغربة قد طحنتك فاحببت الموسقى والجمال وامتد احساسك الى الاشياء الصغيرة وكرت عاطفتك تحت ظلال اشجار اوربا بعيدا عن الوطن . بعفوية المتعبين تأوهت يا ممتازوشعرت انك لازلت تحمل شيئا من خبزمدينتي الطيبة في العراق. وعندما افترقنافكرت بداخلي اني وجدت انسانا طيبا استطعت ان احس اعماقه ولربما يستطيح ان يحسني حتى الجذور.. اني احب الناس الذين يرون الاشياء الصغيرة وعشقون جمالية الاشياء التي تمتد في كل جوانب الحياة... احببت الذين يتعاطفون مع العالم ويودون ان يحتضنوا كل العالم .. احببت الاغنية الساذجة على شفاه طفلة وديعة لطيفة كقصبت السكرالخضراء واحببت العقول التي تحمل تأريخ ومستقبل البشرية... وعدت الى حيث لا استطيع ان اقول.. وبعد ايام .. في مدينة هاله مع الرتوش والاغنيات المبهمة عبر الفوضى والالم .. والذكريات القديمة عادت لي مجتازة كل الجدران.. كتب لي صديق قبل ان يعدم بايام يقول" الحياة جميلة واجمل الاشياء فيها.. هي الناس وانا عندما اشنق سوف لن اخاف على شيئ وسوف لن ارهب حبل المشنقة وسوف لن اندم على اي شيئ ...... لقد اعتدت ان انام في اليوم مرة وساتصور نفسي اني سانام دون احلام الى الابد...كل ما يؤلمني هو اني سوف لن ارى من احب ولكن عندما تقترب مني لحظة الموت ساتصور العالم بعد ثلاثة قرون اني استطيع ان اتصور ذلك بثقة وطمأنينة وفرح ولكن الفاشية والجلادون لايمتلكون هذه القدرة وهذه السعادة والسبب هو اني ثوري والثوري لايحس العالم الذي يعيشه فقط بل ابعد من ذلك ضمن ما تعطيه ممكنات الواقع..."

وفتشت عن قطار لي في برنامج القطارات القديم.. هال.. وانا ولايبزك وممتاز والاخرون وبعض الكلمات... البرد يمسك يدي بقساوة والهواء الثلجي يجرح عيني المحمرتين المتعبتين.. اني مرتاح لحد ما في هذه المرة.. لا اريد ان اكذب على احد وبدون عتاب مرات عديدة قرعت الباب.. لا احد .. الوقت دائما غير مناسب وأنا اسافر دون مواعيد مسبقة.. كنت اتألم عندما اقرع الباب واتهيئ لأرى وجه ممتازاو منعم .. فيعود الصدى فارغا وكنت لا اريد ان القي تعبي على بابك المغلقة.. اتراني نسيت عيناك في روستوك وقلبي ينصت بألم لربما انك نسيت ولكني في غالب الاحيان لا اعرف النسيان .. عندما تمر يداي عبر زجاج النافذة في حلم طفولي ارى عروس الطفولة لها عيونا من الشمع الاخضرواهدابا من سعف النخيل وحديقتي نغرقة بالعصافير الصغيرة.. تركوه في ضباب البحر ارادوا ان يقتلوا فيه حب الحياة.. ثم عاد ليقول الف مرة وهو يمتلك اسما صغيرا.. انا .. انا وافواه القوادون يقولون عنه مغرور بعض الشيئ.. وينطقون باسم المهرة .. باسم الفارس والنجوم العطشى.. وتعود الاغنية هذه المرة تحمل كلمات جديدة وتجربة جديدة .. لم اكن ابحث عنك فقط .. عن الآخرين وهكذا بدون نظام وبقساوة لربما تكون يدي قد ساهمت بصنعها – اصعد قطار هاله –لايبزك ثم اعود دون ان اجد عيون احبتي دون ان اجد عينان تعوضان عن عيني اخي وأحبتي وتمسحان عن قلبي شيئا من التعب عينان تعرفان تعرفان كيف تمسدان على رأس العالم بحنان... ايه الصمت هل تعرف جرح المدينة المتعبة.. كتبت مرة على رمانة متدلية من شجرة كبيرة اسم قطة بلون الثلج كنا نسميها عندما كنا صغارا باسم جميل ثم بعد لحظات  .

ضحكت بسذاجة وتناولت الرمانة تناولتها بشهية كبيرة .. آه تناولت اسما جميلا وهكذا فان الاسماء الجميلة بعض الاحيان تأكل حتى ولو كانت اسماء قطط صغيرة وبعض الاحيان تختفي عن العيون لانها ترى في الليل والنهار وتفهم ماذا خلف الكلمات المجهولة.. وعدت الى نفسي مرة اخرى.. قرعت الباب من جديد لا احد اهكذا عندما تقرع الابواب يعود الصدى فارغا من الحياة وادرت وجهي الى المؤخرة خطواتي تسابق خواطري التي تدور في رأسي كشلال ماء في منحدر جبلي... عجوز ذات سمات شرقية تمسك بعلبة صغيرة .. للوهلة الاولى تصورتهاعجوز عراقية حينما نطقت بصورة مباشرة بأسمك .. وفرحت كم احببت كبار العمر ما اجمال ما يحملوه من الحياة.. من غضب وعاطفة..!

طرشي .. آني اريد ممتاز .. من اين أنتي ؟ انا من اليونان وبعاطفة قوية شعرت بطيبة العجوز وتذكرت بغداد وجيوبي فارغة من النقود في السينما حائر في تناول العشاء.. في السينما .. مع الافلام انصت لموسيقى المناضل اليوناني الذي سجنته الفاشية ولكنها لم تستطعان تسجن انغامه التي تحمل رعشة الحياة والتي تتجسد فيها امواجا زاخرة من الامل والتمرد على الظلم وتوقا فطريا الى الى البهجة وحب الحياة والحرية.. بدون تردد فتحت قلبي لها .. انت تعفين ممتاز؟ نعم .. نحن العراققيين نحب الطرشي وضحكت لس ادري جيد او لا؟ وبعاطفة قوية حارة احسستها تنبع بداخلي وترفع يدي الى اعلى الى يديها وكأنني في مدينتي مع خبز وملح وطني مع الالم الذي تعرفه امهاتنا في وقت المخاض والولادة وكأنني في عالم لاتوجد فيه الملكية.. تناولت شيئا منه وقلت لها لابئس .. وتحدثنا ماذا تعملين هنا.. اين زوجك؟ قالت انه سجن وقتلته الفاشية وفتحت فمي مع العالم الذي لايعرف السكوت...وفكرت شيئا لطيفا ان تكون لممتاز صديقة عجوز تعمل له الطرشي لربما يتذكر دفئ والدته... بحثنا عنك من جديد فتشنا عن عراقي أخر لنعطيه الطرشي ليعطيه لك .. لم نجد احد .. قلت اني اريد ان اذهب الى هاله ألان لاني لا اسكن في لايبزك قالت بلغة المانية غير مفهومة تعال معي الى السيارة وذهبت دون ان افهم شيئ وجدت زميلك بالدراسة وصديقك وتحدثنا وصعدت السيارة لينقلني الى مكان قريب من المحطة وقبل ان تتحرك السيارة قالت الام العجوز:." خذ الطرشي .. قلت هذا لممتاز وانا ذاهب الى هاله قالت ممتاز غير موجود وانت موجود خذه وبتردد اخذته .. كان شعورا داخليا قد دفعني ان لايعود الطرشي مع العجوز التي حلمت بان يلتذ فم شاب كممتاز او غيره تشعر بأنه كأبنها فالامهات تشعر بالسعادة عندما تطعم الابناء.. لم ان افكر اكتب لك برقية بهذا الموضوع فكرت بسذاجة انتقدت عليها اكثر من مرة اني ساجعل قضية الطرشي موضوعا للمرح لقد كتبت لك بعض الاسطر في هذا الموضوع ثم قررت بعد ذلك السفر الى لايبزك.

عندما جلست معي هذه المرة كنت انظر الى عينيك الكبيرتين لم استطع ان ارى لونها بوضوح .. خيل لي ان عيناك تميلان الى لون الخضرة لربما ارتوتا هذه المرة من الحياة ويداك دقيقتان.. انك هادئ ووديع وجميل ولكن نوافذك ستائرها مسدلة – يعجبني ان ارى ماذا في داخلك بودي ان ارى خصلة شعر صديقتك قبل عشرة اعوام.. هل بكيت مرة بصدق مع فتاة صغيرة تحتاج الى عطف الوالدين هل صفعت أمرأة انانية اكبر منك سنا تحبك لان عيناك جميلتانويداك تعرفان مداعبة الاهداب النسائية تحت ضغط جوع الغربة والعطش الشديد الى الحياة ؟ هل تعلم كم ورقة سقطت من شجرة ايامك المجهولة؟هل قال لك صديق في برلين او في وطن آخركما قال لي لاتتحدث عما في قلبك لربما يتصورك انك بسيط وساذج؟ ما ذا كان جوابك؟ هل نسيت ايامك الاولى في الغربة.. لااعتب عليك يا ممتازعلى كلمة عابرة قلتها بطيبة ولكني اعتب على نفسي لأني اريد العالم يفهمني وأن افهمه دون مقدمات كلاسيكية اما البعض فانهم يخافون العالم ولا يريدون ان يفهموا سوى ذاتهم .. ان شجرة الحياة لها جذو تمتد في الاعماق واني واثق من ان هذه الجذورتمتد في اعماق كل الطيبين اذا حملت اييهم طراوة النهر وهدوءه وعنفه عندما تهب الرياح...

امتدت يدها الرقيقة ذات الاصابع الطويلة الى القبعة الحمراء المدورة فوق خصل شعرها الطويل القاتم السواد وبوجه طفولي يحمل وداعة غريبة ابتسمت بعيني صغيرتها الت احتضنت بين يديها الصغيرتين دمية قديمة الموديل وبلثغة احسستها لذيذة ذكرتني بفتاة فرنسية جميلة قالت لها ..هاله.. حملت حقيبتي واغلقت ابواب الخواطر والافكار.. شعرت بالجوع ينهش بطني وبعيني تشعران بمزيد من الالم.. صعدت الى بيتي في الطابق العلوي وتناولت طعام وطني المتعبوامسكت بعد ذلك قلمي بصورة عفوية كأنني اريد ان اكتب لك حرفا واحدا او شيئا لست ادري ما هو بوضوح ولكن ارتسمت بداخلي بعجلة ودون رتوش وتنميق وادبيات كتبتها لك بصدق وكما هي لان اجمل الاشياء لدي الناس والصدق ولاني اعرف اناسا لايعفون اسمي او اني احبهم ولربما بعضهم تحت التراب منذ اكثر من قرن لقد احببت لشيا الطيب الساذج الذي يحب الاشياء الجميلة كثيرا والذي عندما يرميه صديقه بباقة ورد جوري بفيض في رواية مذلون مهانون لدوستويفسكي حيث الالم النبيل هذا مع بالغ التحيات والشكر .


شوقي البيضاوي

25/12/1970