| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 20/7/ 2007

 

أرشيف المقالات

 


الوداع الأخير
لمدني صالح ... الإنسان والفيلسوف
 

د. فوزي حامد الهيتي

عرفته قبل أن أراه وحين التقيته وصحبته عرفت انه اكبر بكثير من كل الأوصاف والمديح الذي قيل بحقه، اسمه لا يحيل إلى شخصه فقط بل هو وصف مطابق للموصوف تمام المطابقة. هو مدني ينتمي بفكره إلى كل ما هو جميل وحضاري وإنساني في الوجود لم يكره شيئا في الحياة مثل كره للانغلاق والتبعية في الفكر والسلوك لم يغرب كما قال مرة مع المغربين ولم يشرق مع المشرقين ولم بسير يوما إلا مع مدني صالح ولم يحسن العزف إلا على أوتاره ... أوتار مدني صالح. صوفيا كان لا يعرف الكره أو الحقد ولا يذكر الناس إلا بالخير محب لكل من حوله بسيط بساطة أهل الريف وطيب طيبة ارض العراق كريما كان مثل نخل العراق
لم يكن مدني صالح يوما منبريا إحتفائيا لا يميل إلى الحضور والمشاركة في المهرجانات العامة والرسمية ولا حتى المؤتمرات والندوات العلمية لكنه كان اجتماعيا يستأنس بالصحبة وبخاصة مع أقرانه من الأساتذة والمقربين من طلابه كانت غرفته الخاصة في كلية الآداب ملتقى لكل هؤلاء يتبادلون فيها هموم الفكر والثقافة وشجون المعاش والسياسة وكثيرا ما كان يطول بهم المقام إلى نهايات الدوام الرسمي فيستكملون حواراتهم على طريقة المشائين سيرا على الأقدام ولساعات طويلة في شوارع بغداد الصاخبة وخاصة مع طلابه يحدثهم عن أشياء عاشها وشهدها وعن شخصيات عرفها وعاشرها يحدثهم عن علي الوردي ومساجلاته الفكرية عن السياب والبياتي عن نوري جعفر وقيس النوري ومتعب مناف السامرائي يحدثهم عن النجف وأهلها وزعاماتها الدينية حديث عارف بشعابها مثلما يحدثنا عن طويريج وهيت وعن أسماء لم يسمعوا بها ولم يروها عن الدرستنية وقندي والكبانية عن السيد حسين وضياء الخطيب ومدرسته الفاروقية وعن البلبل اللبيب صديق طفولته عبد الباقي السيد نوري يحدثهم عن بغداد وحاراتها القديمة عن شارع الرشيد ومجده القديم وعن المجالس البغدادية  .
اعلم ... والله إنكم تعرفونه ... وربما أكثر مني هو مدني صالح مؤلف أول كتاب أكاديمي في الفلسفة في العراق الحديث " الوجود " الناقد الكبير مؤلف السلسة النقدية في الشعر "هذا هو السياب" و "هذا هو البياتي" وصاحب قصة " الفيلسوفة رباب "... الفيلسوف الكبير الذي كتب عن الفارابي والغزالي وأول من دافع عن حقوق ابن طفيل في الإبداع الفكري في مجال الأدب الفلسفي فكانت ثاني معركة فكرية له يخوضها ضد الاستشراق الملائي السايكسبيكوي الذي لا يرى الإبداع والحكمة الا روبنكروسوية غربية ... تلك المعركة ... القضية التي بقيت طي الكتمان وصارت سرا من أسرار إطروحته للدكتوراه التي لم يشأ هتكها كما يقول هو في مطلع كتابه " بعد الطوفان " فخرج على الملا غير عابه بشروط الملائية الاستشراقية وبشروط منحها للدكتوراه ليكشف لنا عن آثار ابن طفيل في قصته حي بن يقظان على الآداب الكلاسيكية الغربية وبخاصة قصة روبنسون كروسو وقصة طرزان فضلا عن سبق ابن طفيل وبقرون طويلة الفيلسوف الانكليزي فرنسيس بيكون في عرضه لخطوات المنهج الاستقرائي فخرج لنا من هذه المعركة ومثل كل معاركه الفكرية اللاحقة رابحا كبرياءه العراقي بتمسكه باجتهاده الذي كان يراه حقا ولم يساوم على رأيه هذا لقاء منحه لقب علمي صار اليوم يباع في سوق الخضار فكان مدني صالح بموقفه العلمي هذا اكبر من مانحيه وعاد إلى بغداد ليمنحه هو لمستحقيه دون النظر إلى خلفياتهم الفكرية أو المذهبية أو العرقية ..... نعم هذا هو مدني صالح الذي تعرفون عنه الكثير هو صاحب المقالات الممتعة والأسلوب الفني الجميل الذي ما أن تقرأه حتى تعرف إن كاتبه هو مدني صالح ... هو من أعاد فن المقامة وأبدع فيها وطعمها بمذهبه الفلسفي وهو صاحب كتاب "ابن طفيل : قضايا ومواقف" و" بعد خراب الفلسفة" وفي مهب العاصفة والوجودية والتصوف وفلسفة الاحتكار وكلها دراسات في الفلسفة هو فيلسوف العراق الأول يكفيه كتابه " بعد الطوفان " أن يكون مع جهابذة الفلاسفة وأعلامها من وزن سقراط وافلاطون وأرسطو نعم هذا هو مدني الذي تعرفون عنه الكثير وربما أكثر مني فيما كتب ونشر حيث بدا الكتابة قبل أن اولد بعشرين عاما أي منذ أربعينات القرن الماضي واستمر في عطائه الإبداعي وفي مختلف الحقول الإبداعية ولكني أرى ..... وبعد أن ودعنا الوداع الأخير ..... من حقه علينا ومن واجبنا إزاء قراءه نحن طلابه والمقربين منه أن نكشف لهم عن وجهه الآخر مدني صالح الإنسان فضلا عن تقديم قراءات نقدية لمذهبه الفلسفي وهذا ما اعد القراء به في القادم من الأيام أن شاء الله  .
ولا نملك في نهاية هذا المقال إلا أن نقول وداعا أبا سفيان ونم قرير العين فما عادت بغداد مثلما كنت تصورها لنا جنة الله في الأرض وما صار العراق كما كنت ترجو له وتتمنى أن يكون .... نودعك اليوم ونودع معك تلك الجولات الممتعة والنافعة التي ما عاد لنا أن نعيدها إلا في الأحلام وداعا أبا سفيان ووداعا لبغداد الجميلة وداعا لهيت مدينتك التي أحببتها مثل حبك لطويريج والنجف والبصرة الفيحاء وداعا لك ووداعا لكلماتك الحكيمة التي تقول فيها "إن الأوطان لا تكبر إلا بتكبير مواطنيها" و"إن ثمن الحرية باهض" وداعا لحكمتك التي تقول "إن الأمم لا تنهض إلا باحترام الذات والانفتاح على الآخر" وداعا لصاحب القلب الكبير الذي احتوى كل العراقيين عربا وأكرادا وتكرمان مسلمين ومسيحيين شيعة وسنة نعم فقد زرعت طيبا سيدي ولن تحصد كما يقول احد طلابك النجباء الدكتور علي عبد الهادي إلا الطيب معلقا على ما شاهدناه من لافتات كتب عليها - يعيش مدني صالح - ويسقط ... ويذكرون من الأسماء ممن آذاهم في الزمن الغابر يعيش مدني صالح كلمات محفورة في كل القلوب التي عرفتك قبل أن يكتبها الطلاب تعبيرا عن ولائهم العراقي . مازلت أتذكر سؤالك لي المفاجئ وبلا مقدمات وعند أول خروجنا من قاعة الدرس سألتني : ما هو مذهبك ؟ اندهشت بادئ الأمر وأجبتك مبتسما ( والله إستاد ابصراحة مدري ) وعلقت على جوابي وعلامات الجدية بادية على وجهك – أنت هيتاوي صحيح – وعاودت مسيرك كما كنت. اعرف انك تسأل عن مذهبي الفقهي وأنا بالفعل لا اعرفه، والى اليوم ولكن ما استغربته آنذاك هو هذا السؤال الغريب الذي ما توقعت يوما أن أسأل عنه من احد، لا من مدني صالح. اليوم واليوم فقط فهمت دوافع سؤالك سيدي فمعرفة المذهب هي أول درجات الانغلاق وكل انغلاق هو استعداء للآخر المختلف وإعلان الحرب عليه وها نحن اليوم سيدي نتجرع سموم الانغلاق ولكن ليس انغلاقنا نحن أهل هيت وطويريج والنجف فنحن لم نتعرف بعد وكما عرفتنا على مذاهبنا ما زلنا أميين بسطاء لا نعرف من ديننا إلا ما تعلمناه صغارا من عجائزنا وهو دين كله رحمة وحب وتفاني للآخر وما تراه قبل وداعك الأخير هو ما بعد الطوفان الذي حدثتنا عنه جاءنا على يد من تتلمذ في المدارس الملائية الاستشراقية السايكسبيكوية جاءوا مع آخر حملة للسيد كروسو المؤمرك على شرقنا التعيس بجهله وجوعه والخائف من نفسه على نفسه ....
وداعا مدني صالح ... وداعا أيها الإنسان.