| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 20/1/ 2007

 

أرشيف المقالات



تحت ستار الفوضى الامنية والعنف الطائفي وفي ظل تفشي الفساد

احتكارات النفط الغربية تخطط
لنهب ثروة العراق النفطية


سلم علي

فيما يشهد العراق تدهوراً خطيراً في الوضع الامني وتتصاعد اعمال العنف الطائفي، لتحصد ارواح آلاف العراقيين الابرياء، ويحتدم الجدل حول خطط امريكية - عراقية لضبط الامن في العاصمة بغداد، يتواصل بشكل حثيث ومنذ أشهر عدة، وراء الكواليس وبهدوء، بعيداً عن اصوات الانفجارات وصرخات الضحايا، وضع اللمسات الاخيرة على مسودة نهائية لمشروع "قانون النفط" قبل ان يعرض على الحكومة العراقية تمهيداُ لتمريره في البرلمان. وكشفت تقارير صحفية مؤخراً ان مسودة مشروع هذا القانون، التي تدخلت الحكومة الامريكية في إعدادها عبر مؤسسة استشارية تابعة، سيمنح شركات النفط الغربية الحق في استغلال احتياطي النفط الضخم الذي يملكه العراق، بطريقة ترهن ثروة البلاد النفطية لهذه الاحتكارات على مدى عقود مقبلة وتفرّط بحقوق الشعب العراقي، في انتهاك صارخ للسيادة الاقتصادية والوطنية.

وبالرغم من تطمينات متكررة من اقطاب الادارة الامريكية، وممثليها السابقين في سلطة الاحتلال المؤقتة، بأن هدف الحرب لم يكن الاستحواذ على نفط العراق واحتياطيه، وهو ثالث اكبر احتياطي نفطي في العالم (115 مليار برميل)، وانه سيبقى ملكاً لشعبه، فان معطيات متزايدة تكشف مجدداً حقيقة هذه النوايا. وسيكون ضرباً من الوهم الاعتقاد بان الولايات المتحدة سترضى في نهاية المطاف بالخروج من العراق دون ان تجني ثمار "استثمارها" واكلافه الباهظة التي تقدر بـ 344 مليار دولار حتى الآن (حسب تقرير للكونغرس الامريكي)، وبكلفة شهرية للحرب تبلغ حوالي 8 مليارات دولار. وهو ما عبّرت عنه وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس في مقابلة مؤخراً (21 كانون الاول 2006) بقولها ان العراق "يستحق الاستثمار" بالارواح والدولارات الامريكية.

في السابع من الشهر الجاري، نشرت صحيفة "إندبندنت اون صنداي" تقريراً واسعاً تصدر صفحتها الاولى تناول مسألة بالغة الاهمية سيتضمنها، كما يبدو، مشروع "قانون النفط" المرتقب حسب مسودة جرى تسريبها. فقد اشارت الى ان بنوده تمثل خروجاً جذرياً عما هو معتاد بالنسبة الى البلدان النامية. فبموجب نظام يعرف بـ"اتفاقات تقاسم الانتاج" ستتمكن احتكارات نفطية عالمية مثل "بريتيش بتروليوم" و "شل" في بريطانيا، و"إكسون" و"تشيفرون" في امريكا، من توقيع اتفاقيات لاستخراج النفط العراقي لمدة تصل الى 30 عاماً.

واشارت الصحيفة الى ان المعلومات في تقريرها استندت على نسخة لمسودة مشروع القانون، تقع في 40 صفحة، جرى تداولها بين شركات نفط غربية في تموز (يوليو) 2006 ! ولفت التقرير الى انه لم تطرأ، كما يبدو، تغييرات مهمة على المسودة النهائية.

وتسمح صيغة "اتفاقات تقاسم الانتاج" (او "عقود المشاركة بالانتاج" **) للبلد المعني بأن يحتفظ بملكيته القانونية لنفطه، لكنها تعطي حصة من الارباح الى الشركات العالمية التي تستثمر في البنية التحتية وتشغيل آبار وانابيب ومصافي النفط. وفي حال تبني هذه الصيغة سيكون العراق اول من يطبقها على صعيد منتجي النفط الرئيسيين في الشرق الاوسط. فالسعودية وايران، اللذان يحتلان المرتبتين الاولى والثانية بين مصدري النفط في العالم، يفرضان سيطرة مشددة على صناعتهما النفطية من خلال شركات تملكها الدولة من دون مشاركة اجنبية ذات شأن، وهو الحال ايضاً بالنسبة الى معظم دول منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبك).

ومصدر المخاوف بشأن تورط العراق في مثل هذه الاتفاقات يكمن في موقفه التفاوضي الضعيف. فقد ينتهي الأمر الى تحقيق "اسوأ نتيجة" حسب احد خبراء "بلاتفورم"، وهي منظمة مهتمة بشؤون حقوق الانسان والبيئة تراقب الصناعة النفطية في العالم.

والشروط التي تتحكم بـ"اتفاقات تقاسم الانتاج" في مسودة مشروع "قانون النفط" شروط سخية تسمح بتثبيتها لمدة لا تقل عن 30 عاماً. ويبدو انها تسمح لشركات النفط العالمية، بعد ان تسترجع ما انفقته على تطوير الحقل النفطي، ان تحتفظ بـ20% من الارباح، فيما يذهب المتبقي الى الحكومة العراقية. ويشير خبراء في صناعة النفط الى انها نسبة عالية جداً بالمقارنة مع النسبة المعتادة في بلدان اكثر استقراراً حيث تبلغ 10% في العادة. وخلال فترة استعادة اكلافها، ستتمكن الاحتكارات، وفقاً لهذه الاتفاقات المجحفة، من جني 60-70% من العائدات النفطية، بينما تبلغ النسبة المعتادة حوالي 40%.

ومما يثير الاستغراب حقاً ان يسمح لشركة استشارية امريكية تدعى "بيرينغ بوينت"، استأجرت خدماتها الحكومة الامريكية، بالمساهمة في صياغة مسودة مشروع "قانون النفط" ! ويكشف التقرير الصحفي ان ممثلاُ لهذه الشركة يعمل في السفارة الامريكية في بغداد منذ اشهر عدة.

وتابع تقرير "إندبندنت اون صنداي" ليكشف ايضاً ان ثلاث جهات خارجية اتيحت لها فرصة تمحيص مسودة هذا التشريع "اكثر مما اتيح لمعظم العراقيين". فقد اطلعت عليها الحكومة الامريكية وشركات نفطية كبرى في تموز (يوليو) الماضي، ثم صندوق النقد الدولي في ايلول (سبتمبر) الماضي. هكذا، حتى قبل ان تطرح المسودة على الحكومة العراقية والبرلمان العراقي !!

لم اطلع حتى تاريخ كتابة هذه السطور على أي تصريح عن ناطق رسمي للحكومة العراقية، او لوزارة النفط العراقية، ينفي المعلومات التي اوردها تقرير الصحيفة المذكورة. وهي، في حال التثبت من صحتها، معلومات خطيرة لا يمكن السكوت عنها، وتستدعي تقديم توضيح عاجل بشأنها من رئاسة الحكومة العراقية ووزير النفط، ومناقشتها في الحكومة والبرلمان، وفي المنابر الاعلامية، وبمشاركة فعلية من نقابات النفط العراقية، امام انظار الشعب العراقي وبمشاركة تنظيماته السياسية والاجتماعية. فالشعب هو المعني قبل أي جهة اجنبية بكل ما يمس ثرواته الوطنية وفي مقدمتها النفط.

انه انتهاك فظ لحقوق الشعب العراقي السيادية لا يجب التهاون معه اطلاقاً، خصوصاً في الظروف الاستثنائية الحالية، في ظل سيادة وطنية منتقصة واستمرار الوجود العسكري الاجنبي وضعف مؤسسات الدولة، وتدني كفاءة البرلمان الحالي وعجزه عن اداء مهامه، بالاضافة الى الفساد المتفشي الى مديات غير مسبوقة في كل مرافق الدولة ومن ضمنها وزارة النفط ، كما كشف ذلك تقرير مفتشها العام.

كل هذه الحقائق والمعطيات تستوجب وقفة عاجلة للتصدي لمحاولة تمرير البنود المتعلقة بـ "اتفاقات تقاسم الانتاج" في مشروع قانون النفط، وقطع الطريق على مساعي احتكارات النفط العالمية لنهب واهدار ثروة العراق النفطية، التي تمثل المصدر الاساسي لتمويل اعادة الاعمار واستنهاض الاقتصاد الوطني، مستغلة في ذلك واقع الاحتلال والنفوذ الامريكي، وحالة الفوضى والانفلات الامني والعنف الطائفي، وغياب الارادة الوطنية المستقلة. ارتباطاً بذلك، يجب رفض الدخول في صفقات على حساب مصالح الشعب العراقي واجيال المستقبل، ورفض تبرير التنازلات المهينة بذريعة الحاجة الى التكنولوجيا ورأس المال لتطوير الاحتياطات النفطية وزيادة حجم صادرات النفط، والنظر في بدائل اخرى مؤقتة واتفاقات منصفة تضمن تطوير القطاع النفطي وابقاءه تحت السيطرة الوطنية.
 


** ملاحظة: لمزيد من المعلومات حول هذه العقود، يمكن الاطلاع على ملخص لتقرير مجموعة "بلاتفورم" الذي صدر في تشرين الثاني 2005، بعنوان (عقود مشاركة الانتاج ... التنازل عن مصدر سيادة العراق)، ونشرته مجلة "الثقافة الجديدة"، العدد 318، آيار 2006.