| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 20 / 2 / 2026 أرشيف المقالات
قراءة نقدية في رواية (رقصة اللقلق) للروائي ماجد الخطيب
قاسم المشكور
(موقع الناس)
يقر النقاد بوجود مدرستين في الرواية، الاولى هي الكلاسيكية، أما الثانية فهي المدرسة الحداثوية في الرواية، على أنٌ المدرسة الحديثة تبسط سيطرتها بإحكام على قواعد وتقنيات السرد الروائي منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، وليس هذا هو الوقت المناسب للبحث في الفروقات بين المدرستين، فأمامنا مهمة تشريح رواية (رقصة اللقلق) وقراءتها قراءة نقدية واعية.
الرواية هي ذلك النوع الذي سما بالنثر، ليتوجه فيما بعد كقيمة إنسانية بحسب باختين.
إن الرواية نظام حواري بين مجموعة من الشخصيات تحكمهم التمثلات اللغوية، على أن قدرة الروائي تتجلى من خلال تنظيم قواعد هذا الحوار.
في هذه الرواية الصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر(160 صفحة) جنح الروائي الخطيب جنوحاً بيناً نحو رواية ما بعد الحداثة، بعد أن مارس التجريب من خلال زجه لطائر اللقلق، وجعله عنصراً رئيسياً ومهماً من عناصر الرواية، على أن الهدف لم يكن الأنسنة، وإنما هو ادماج حقيقي لطائر اللقلق في الأحداث، وهذه إشارة خطيرة وجديدة وتجريبية في العمل الروائي العراقي.
لقد قدم لنا الروائي الخطيب نمطاً روائياً جديداً، فقد تقاطع مع مفهوم الرواية الحديثة في جوانب معينة مثلما اتفق معها في جوانب أخرى، وعلى سبيل المثال أن المدرسة الحداثوية تعتمد سمة التشظي في الحدث أو الذات أو حتى وحدتي الزمان والمكان، اما الخطيب فقد أوغل في عملية التشظي هذه، كما انه أكد في معالجاته للعقدة الروائية على ثيمات أصغر. مثلما أعتمد على المقاطع الزمانية غير الرتيبة، أي انه كسر طوق التتابع الزمني القديم. اما تعامله مع وحدة المكان فكان تعاملاً جديداً، بعد أن قدمه بوصفه مكاناً ضاجاً بالعنف والقلق، فالمكان لدى الخطيب ليس أليفاً ولا ساكناً، على انه قام بتقسيمه إلى مقاطع صغيرة.
ويتنقل بين البصرة وبغداد وبيروت بين كمائن المخابرات العراقية، ويوميات العمل السري والقصف الإسرائيلي ليسرد لنا صفحة "سوداء" من صفحات الحرب الأهلية في لبنان.
لا ينسى الخطيب، وهو يسرد سيرته الشخصية في الرواية، أن يسرد سيرة ذاتية للبطل فهد العراقي (زهير ناصر كمال الدين)، أحد أبطال المقاومة الفلسطينية في النبعة وتل الزعتر والعاصمة اللبنانية، على أن الروائي حملنا على أجنحة لغته الجميلة ليطوف بنا على أحداث سياسية وأمنية مهمة جرت في حقب مختلفة من القرن الماضي.
ثلاثة أصوات تتناوب على السرد للقارئ: صوت الكاتب، وصوت مالك الحزين، وصوت اللقلق الذي يرصد الأحداث بدوره من على عمارات وكنائس ومنائر بيروت، على أن صوت اللقلق يبقى متميزاً، وخصوصاً في حياده عند وصفه اغتيال فهد.
"كان لقلق الدامور الشاهد الوحيد على جريمة الاغتيال البشعة التي طالت قرينه الفهد. أطلق مالك الحزين من عشه لقلقة حزينة عالية، كأنها ولولة امرأة ثكلى، ثم قفز خارج عشه إلى الجدار وأنثاه وفراخه لا يكفون عن إطلاق لقلقاتهم.
رقص "الجابيرو"، وهو اسمه في الأرجنتين، على الجدار رقصة الموت. يرقص مالك الحزين للأنثى رقصة الحياة ويغني لها في موسم التكاثر، عادة في الربيع، لكنه لم يرقص التانغو الأرجنتيني هذه المرة، وإنما رقص رقصة كئيبة كانت أقرب إلى "رقصة" الطير المذبوح (الساحر الشرير) في أوبرا بحيرة البجع بعد أن يحز الأمير عنقه بسهم".
لقد أطاح الروائي ماجد الخطيب في روايته (رقصة اللقلق) بالواقع الصلب، ليقوم بإبداله بواقع آخر، واقع متشظ، شيد من خلاله أحداث روايته على هذا الواقع الجديد.
لغة الرواية دقيقة ومنضبطة وفيها طراوة شهية، على أن الأنسان في الرواية هو الشغل الشاغل لأحداثها، وتحديداً الحياة التي عاشها بطل الرواية فهد قبل اغتياله من قبل جهات تبدو مختلفة في كل شيء، ومتفقة على التخلص منه.
لقد تمسكت الرواية بمنطق تفجير الاستمرارية مع الماضي، واقصد هنا ماضي الشخصيات، فلم تنقطع من جذورها الأصلية وتحديداً شخصية البطل (فهد).
"رقصة اللقلق" هي الرواية الثانية في ثلاثية بيروت التي يعكف الخطيب على سردها لنا. صدر الجزء الأول منها، الذي يحمل عنوان "ملصقات بيروت"، عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.