| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الخميس 20/9/ 2007

 

أرشيف المقالات

 


نجمة الصباح *


علي جاسم شبيب

الظلام في السهول ساكن، لذيذ ومخدر، لكنه النذير والخوف، وكما تهب النسمات الطيبة العابقة برائحة اعشاب الجبل، يمكن أن يندفع العدو في سكون ظلام هذه السهول..
- كنا مفرزة كبيرة من الانصار الشيوعيين، تجاوزت الثلاثين نصيراً، معنا الرفيق ابو مخلص يريد التوجه صوب سوريا مثلنا، وكنت اشعر بقلق خفي من حركاته وغموض يداريه بضحكته المعهودة وصوته الرنان، لكني تيقنت بانه كان يحمل الاسرار واشياء جديدة ستحدث لم نتبينها على ارض قرية( كي شان)المليئة باشجار الجوز، حيث خصص له مكاناً يستقبل به الرفاق او لنقل يسألهم عن وجهتهم وسبب مغادرتهم اراضي الجبل ورائحة البارود ولمعان ماسورات البنادق الجليله ,وعرفت بحدس شخصي انه مكلف في التصنيف والفرز" ربما هذا او ربما ذاك ربما الضعيف الذي يحتاج الى سند وربما القوى الفوّار بعد احداث( بشت اشان) الذي يحتاج الى فرملة " وعرفت بعد ذلك انني لا اعرف شيئا عن كتله الاسرار هذه ,عبر الضحكات المغلقة والنشاط اليومي المشهود.. ثم ارتحلنا من( كي شان) نحمل صرراً من الجوز المهروس بالسكر، تحت غيوم تمطر في كل مرة في الهزيج الاخير من الليل، حيث تنتظم مسيرة المفرزة وتسير مسرعة قبل انبلاج الصبح ودخلنا في احدى المساءات قرية لها ساحة تحف بها اشجار سنبدار عالية.. كانت البيوت هادئه وبقايا من دخان المواقد يطوف في الساحة.. وكعادة المفارز في عبورها الطرق الممهدة المفروشة بالاسفلت، تعبرها خلسة في الهزيع الاخير من الليل، خوف الكمائن والمدرعات التي تسير على هذه الطرقات كل فترة محسوبة في بداية الليالي، وكم هي قاسية بدايات الليالي..
- استرحنا وتوزع الرفاق والرفيقات في الساحة حول سيقان السبندار الملساء، تحت الاعراف التي تهتز وتسقط اوراقاً على الاكتاف..
- كانت بيوت القرية مغلقة الابواب.. وغاص اللون الازرق للابواب والمحاط بالرمادي تحت قبة الليل التي هبطت بهدوء ليّن.. وعرفنا اللسان الاسود للشارع العام لايبعد كثيراً عن هذه البيوت.. قفزة واحدة وتحضنك الصخور مرة اخرى.. ولم يتعود المقاتل على السطح الاملس للشارع فلا بد من القفز..
- كنت حينها انشغل مع ثلة من الرفاق باعداد موقد للنار وراء اجمة قرب حائط صامت عندما ساد السكون التام، حيث توزع الانصار جماعات صغيرة في الزوايا وتحت الاشجار كانوا متوزعين وملتمين مثل عنقود حبة الخضرة، لا تدع مجالاً لفرطها.. كنا حذرين ومستعدين وقد رفعنا عن عيوننا حالات الرخاوة والميوعة .. انه العدو، والشارع يعج بمجساته وكمائنه والمدرعات تدرج وضياء الكشافات ساطعة على المحارس.. هل كنت اسمع غطيط السهول المحيطة وانفاس الجبل ام إن هناك شلة من جنود جنوبيين غفت على ترنيمة ابوذية لها طعم وداع نهائي مرّ. وفجأة عرفنا ان دليل المفرزة ومساعديه قد هربوا وكانوا ضيوفا داخل البيوت الصامتة وللادلاء حاسة سابعة وثامنة... لقد عرفوا بأن الطريق غير سالكة والشارع ينطق باشارات وزمجرات وانياب جاهزة مرعبة، وتجمعنا، كل ورائحته الطيبة، رفيقات ورفاق وعلت في ظلام السهل غيمة من دخان السكائر معها نبرات الحوارات الصبورة واصرار الكل على العبور. لكن من يعرف الطريق في هذا الليل المد لهم، وليل الجبال الاتي اصعب من ليل السهول، ولا محالة بان الجبال وراء لسان الشارع الاسود.. كناّ نتكهن ونتصور وكان من الممكن ان نأخذ غفوة او استراحة مفيدة للاتي من التعب.. وارتبكت الاقدام وهي تدور والاصابع تعدّ النجوم التي غادرت الى كهوفها وكان الخوف ان تظهر نجمة الصباح، تدمع وتلمع دمعاتها على السهول والجبال، تعطي النهر والينبوع قوة الدفق والجريان.. وحسبنا مرة اخرى واخطانا الحساب.. ثم ارسلنا وفداً الى الابواب الصامته وطرقنا الابواب الزرق المؤطرة باللون الرمادي.. لها مقابض من حديد بارد، عليه رطوبة الليل .. قالوا لا نقدر والصبح سيتنفس عن قريب وعندنا انذار من الربيه والمعسكر.. هم يشترون منا الزبدة واللبن ويحومون في هذه القريه كل صباح.. قال شاب : وصاحب الدكان قد انتفخت بطنه لانهم يشترون كل شي حتى الحلقوم.. ورجع الوفد يلف الجمدانيات على الرؤوس مثل التيجان وجلسنا نقلب الحصا، وننقش في هذا الليل، اسماءنا على الاديم الصلب اليابس الذي بلله الندى، ننقش باغصان طريه، وكان الرفيق الصيدلي يتكأ على ذراعه والرفيق ابو اكرم ممدداً ورجليه الطويلتين تهتزان وقد وضع يديه خلف راسه ينظرالى الافق الذي بدأت عتمته تنقشع وكنت انظر الى نجمة الصباح, لقد حددت مكانها الفارغ، ستملؤه بفيض ضياءها قريباً ولمحت في الزاوية قرب شجرة السبندار قامة الرفيق ابو مخلص.. قامة واقفه مثل الشجرة وكان الجميع قد التموا مثل عناقيد ناضجة، خضراء لشجرة حبه الخضرة.. فجأة بزغ الرفيق ابو برافدا يمص دخان سيكارته بقسوة.. جلس بيننا القرفصاء وفتح الجمداني ولفهُ لفةً ذكرتني باهالي قرى الكوت، حيث الشط ورفيف النوارس وحفيف شبكات الصيد اللامعه مثل الفضّة.. قال وبلع ريقه.. انا استطيع ان اعبركم, التممنا حوله بسرعة الفراشات حول عطر جديد..
قلت: هل لديك خطة؟
قال: انا اعرف هذا المكان.. جلس على الارض الصلبه.. لقد عبرنا قبل مدة من هنا..
قال احدهم: مدّه!!؟ وبانت اسنانه الضاحكه
اوقف "ابو برافد" لمعان الضحكه من ان تخطف الامزجة القلقة: وقال بصوته نعم مدّة.. والارض لا تتغير.. اما المجهول فسنصده.
وقفتُ ووقف الى جانبي.. قلتُ: القرار للرفيق الواقف عند شجرة السبندار.
قال ابو برافدا: اعرف.. ولكنكم يجب ان تثقوا بيّ.
وبخبرة وتجربة المقاتلين، هيأ الرفاق حقائبهم واستعدوا.. كانت المفرزة قد مسهّا شي من اللهب فاشتعلت.
واختار الرفيق ابو برافدا شباباً نشطاء وزعهم على جانبي الطريق مثل الكمائن، واثنين عبرا الشارع زحفاً سريعاً الى الجهة الاخرى ورتبنا مثل الطابور.. كل رفيقين معاً ووزع الرفيقات مع الرفاق الاقوياء، ووثبنا صوب مكان نجمة الصباح قبل ان تطلع.. ومثل الريح لم نخلف وراءنا شيئاً وكان الرفيقان في الجهة الاخرى يعينان الواثبين على الوقوف في الارض الصخرية ذات الحفر والصخور الكبيرة المتوزعه مثل الجنادل الملساء في عرض الانهار وتجمعنا كالعناقيد اللذيذة، تعلونا الابتسامات بعد ان انقطع لهاث الفرحة بالعبور..
عندئذ اطل الرفيق ابو برافدا رافعاً ماسورة بندقيته، يلمع عليها ضياء نجمة الصباح.


* فصل من كتاب عن الانصار الشيوعيين باسم "كتاب الوجوه"