| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 21 / 4 / 2015 أرشيف المقالات
المانيا: اقتصاد السوق الاجتماعي
سامي مَدالو
لم يكن في المانيا (الاتحادية لاحقاً) في عام 1946 من يحلم بالانتعاش والازدهار الاقتصادي، ناهيك عن ما سميَّ بعدئذ بـ "المعجزة الاقتصادية الالمانية". فسنة واحدة فقط بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت المانيا لا تزال تئنّ تحت الدمار الكامل الذي اصاب مختلف نواحي الحياة المادية والانسانية، من جهة، والحلفاء يتحكمون كليّاً في الاقتصاد الالماني من الجهة الاخرى. فسلع كثيرة كانت غير متوفرة بتاتاً في السوق، او انها وبسبب شحتها، واقعة تحت نظام التموين الرسمي وبأسعار محددة. فالازدهار الوحيد الذي كان ظاهراً للعيان انذاك، والذي ولّدته بلا شك تلك الظروف الاستثنائية، طرأ حصراً على ما يسمىّ شعبيّاً بـ "السوق السوداء".
برلين غداة الحرب العالمية الثانية ... هل تحتاج هذه الصورة لتعليق؟الصراع حول الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا؟
من المعروف بأن المانيا قسّمها الحلفاء بعد سقوط النازية الى 4 قطاعات. بالنسبة للقطاع السوفيتي (الشرقي جغرافيّاً)، كان الامر منذ البداية واضحاً وضوح الشمس بخصوص الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا: الطريق الاشتراكي على النمط السوفيتي بقيادة الحزب الشيوعي (وأن كانت تسميته ليست هكذا)، مبنيّاً على ما يسمّى بـ " الاقتصاد المُخطّط ". فلا حاجة اذاً هنا للجدال والتخاصم حول الطريق الصحيح للوصول للهدف.
امّا السؤال حول الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا، وبأي نظام اقتصادي يمكن تحقيق ذلك، ادّى في القطاعات الثلاثة الاخرى (الامريكي والانكليزي والفرنسي) الى نشوب صراع حاد في الاوساط السياسية والاقتصادية الالمانية، بالاخص بين انصار السوق الحرة الغير المنَظّمة (المطلقة)، اي على الطراز الانكلوساكسوني من جهة، وبين دعاة الاقتصاد المُدار من قبل الدولة، من الجهة الاخرى، حيث كانت النزعات المعادية للرأسمالية انذاك منتشرة على نطاق واسع.
الحزب الديمقراطي المسيحي: اشتراكي أم رأسمالي محافظ ؟
والذي يقرأ اليوم مثلاً البرنامج المقرر في 3 شباط 1947 للحزب الديمقراطي المسيحي في القطاع البريطاني، قد لا يصدق بأن ما يقرأه هو بالفعل جزء من تاريخ هذا الحزب، الذي قاد لحد الان اغلبية الحكومات منذ تأسيس جمهورية المانيا الاتحادية. فهو حزب الشخصيات الشهيرة على النطاق العالمي مثل: اديناور و كول و مركل. وسيندهش القارئ لا محالة من المقطع التالي، الذي تصدّر ذلك البرنامج، وكأنه يقرأ برنامج لحزب اشتراكي وليس لحزب محافظ. وبالفعل، فقد اطلق مؤيدي هذا البرنامج عليه انذاك تسمية "الاشتراكية المسيحية"، كتسمية غير رسمية.
اقتباس:
"ان النظام الاقتصادي الراسمالي كان عاجزاً عن تلبية متطلبات الدولة والمصالح الاجتماعية للشعب الالماني. فبعد الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي المريع كنتيجة لسياسة القوة الاجرامية، يتوجب اعادة تنظيم الاقتتصاد من الاساس. فالمحتوى والهدف من نظام اقتصادي واجتماعي جديد، لم يعد الربح الراسمالي والسعي من اجل السلطة، بل فقط رخاء شعبنا".
انتهى الاقتباس.
لا شك بأن المقصود هنا هي الراسمالية المطلقة التي ادت في المانيا الى كارثة اقتصادية واجتماعية في العشرينات من القرن الماضي، التي كانت بلا شك احد الاسباب الرئيسية التي مكّنت "الحزب القومي الاشتراكي العمالي الالماني" (النازي) من الصعود الى دفة الحكم، حيث تمكنوا من خدع جماهير واسعة من الشعب الالماني باشتراكيتهم المزعومة والمثبتة في اسم حزبهم.
كما ودعى البرنامج المذكورالى تأميم جزئي للصناعات الثقيلة وطالب بحقوق فعّالة للعاملين (*) باتخاذ القرارات. ولكنه كان في الوقت ذاته ضد اشتراكية الدولة. الا ان هذه المبادئ الاساسية في ذلك البرنامج، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي، حيث كانت سلطات الاحتلال الغربية، الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا، متشككة أوعدائية تجاه الصناعة الالمانية والشركات الكبيرة بسبب علاقتهم وارتباطهم الماضي بالنازيين.
اقتصاد السوق الاجتماعي ـ مبتكره ومنفّذه
وبالتحديد في عام 1946، اصدر البروفسور في علم الاقتصاد في جامعة مُنستر"الفريد مُلرـ أرماك" كتابه المعنون بـ "ادارة الاقتصاد واقتصاد السوق"، يصف فيه امكانية التوفيق بين نظام اقتصاد السوق الحر والعدالة الاجتماعية، معتقداً بأن مصير الحضارة الاوربية متعلقة بهذا "الطريق الثالث". والمهمة المركزية للنظام الجديد، الذي اطلق عليه "اقتصاد السوق الاجتماعي"، هي برأيه "الربط بين مبدأ حرية السوق مع مبدأ التكافؤ الاجتماعي". فهو بحق مبتكر هذا النظام الاقتصادي الالماني وأول من استعمل هذا التعبير.
الاّ أن المُدهش في الامر هو أن غالبية الالمان لا يعرفون من هو هذا الشخص، في حين انهم يدينون له بلا شك الكثير في حياتهم. فنادراً ما قد نصادف شخصاً المانيّاً سمع على الاقل بأسم هذه الشخصية المتميّزة. ولكن، ما هو سبب هذا التجاهل العام يا ترى؟
وزير الاقتصاد الالماني لودفیگ ايرهارد البروفسور في علم الاقتصاد
المطبّق الاول لنظرية اقتصاد السوق الاجتماعي الفريد مُلر ـ أرماك
يتصفح كتابه "رخاء للجميع" مبتكر نظام اقتصاد السوق الاجتماعي
(1897ـ 1977) (1901ـ 1978)
الغالبية العظمى من الالمان واثقة لحد الان بأن وزير الاقتصاد الالماني الشهير لودفیگ ايرهارد، هو من ابتكر نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي. الا ان الحقيقة التاريخية هي غير ذلك. حيث دعا ايرهارد عام 1952 البروفسور ألفْريدْ مُلّرـ أرماكْ الى العاصمة (انذاك) بون وعيّنه رئيساً لقسم "االمبادئ الاساسية" في وزارة الاقتصاد، ليتقلّد في عام 1958 منصب "سكرتير دولة"، اي برتبةً اعلى موظف في الوزارة بعد الوزير. فاصبح ما يسميّ بـ "اليد اليمنى" للوزير ايرهارد، ليساعده في التطبيق العملي لما كان لحد الآن مجرد هيكل نظري. فالمنفّذ العملي لهذه النظرية كان رسميّاً الوزير ايرهارد. اما ألفْريدْ مُلّرـ أرماكْ فكان يعمل مخفيّاً، وكما يقال "من وراء الكواليس".
كتكريم للبروفسور ألفْريدْ مُلّرـ أرماك، تُمنَح منذ عام 2002 جائزة سنوية تحمل اسمه للخريجين المتفوقين بعلم الاقتصاد في جامعة مُنستر، تلك الجامعة التي عمل فيها لسنين كأستاذ في علم الاقتصاد. وللانصاف، لا بد من الذكر هنا، بأن علماء اقتصاد المان اخرين لعبوا ايضاً دوراً فعّالاً في تطوير نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي، لا مجال لذكرهم في هذا المضمار.
ما معنى اقتصاد السوق الاجتماعي؟
كما ذكرنا اعلاه، فأن الفكرة الاساسية في اقتصاد السوق الاجتماعي، هي الربط بين مبدأ حرية السوق مع مبدأ التكافؤ الاجتماعي. فالهدف هو الاستفادة من ايجابيّات السوق الحرة مثل القدرة الاقتصادية والامكانية العالية لانتاج السلع، مع تجنب سلبيّاتها، مثل المنافسة المدمّرة او تركيز القوة الاقتصادية في ايادي قليلة او التسبب في البطالة. وبالتالي فان هدف اقتصاد السوق الاجتماعي هو تحقيق اقصى حد من الرخاء مع افضل ضمان اجتماعي ممكن. ومن اجل تحقيق ذلك، لا تبقى الدولة مكتوفة الايدي، بل تتدخل في العملية الاقتصادية من اجل المصلحة العامة اذا اقتضت الضرورة ، كالتدخل في العرض والطلب باجراءات مناسبة ومقبولة لحماية المستهلكين او القيام بتشريعات بخصوص المنافسة.
وكيف يتم تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي عمليّاً؟
انّ اهم واجب للدولة هنا، هو وضع اطار قانوني لمجمل العمل الاقتصادي في البلاد. وهذا يعني:
ـ الحق في حرية النشاط الاقتصادي لكل شخص
ـ امكانية انشاء شركات ومصالح خاصة
ـ ضمان الملكية الخاصة لوسائل الانتاج
ـ الحق في تكوين جمعيات لحماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية مثل منظمات لاصحاب العمل ونقابات للعاملين
ـ ضمان المنافسة الحرة في السوق من خلال نظام فعّال يمنع تقييدها او عرقلتها
ـ حرية تسعير السلع والخدمات بأستقلالية عن الدولة
ـ السعي للربح كحافز مادي
ـ ضرورة وجود بنك مركزي مستقل عن الحكومة
ـ حق اصحاب العمل والعاملين التفاوض فيما بينهم عن طريق منظماتهم للاتفاق على شروط العمل والاجور دون تدخل من قبل الدولة
ـ سياسة فعّالة للدولة في الاقتصاد وتطوّره وتشريعات بخصوص الضرائب
ـ وجود شبكة من الخدمات الاجتماعية لغرض مساعدة المحتاجين ماليّاً عند الحاجة،
ككبار السن او المرضى او العاطلين عن العمل او ذوي الدخل الصغير،
وحمياتهم من السقوط في الحضيض الاجتماعي
نجاح اثبته التاريخ
لقد اثبت سوق الاقتصاد الاجتماعي نجاحه منذ البدء بالعمل به بعد عام 1948، حيث ادى الى زيادة الرفاهية لقطاعات واسعة من السكان بصورة غير مسبوقة في التاريخ الالماني، مقرونة بمستوى عالٍ من الضمان الاجتماعي. الاّ انّ طبيعة ومدى تدخل الدولة في شؤون السوق بحجة الحفاظ على "دولة الرفاه"، كانت ولا زالت في كثير من الاحيان مثيرة للجدل.
كما وساهم سوق الاقتصاد الاجتماعي بلا شك في الحفاظ على السلام والأمن الاجتماعي حتى في اصعب الظروف الاقتصادية، حيث يظهر ذلك جليّاً في قلّة الصراعات بين العاملين وأرباب العمل، مقارنةً بالدول الصناعية الاخرى، حيث تمثل الشراكة الاجتماعية بين النقابات وأرباب العمل الآلية المناسبة لتفادي الأزمات ضمن قوانين العمل. فهناك قوانين يشارك بموجبها ممثلون عن العاملين في الشركات في صياغة القرارات التي تخص بالدرجة الاولى من يمثلوهم، اي العمال والمستخدمين. ومقدار الشراكة والتأثير يتعلق بكبر الشركة، اي بعدد العاملين فيها.
كلمة اخيرة
الديمقراطية التقليدية الغربية كنظام سياسي ليست قطّاً بالمثاليّة، الا انها برأينا، بالرغم من ذلك، افضل نظام للحكم، مقارنةً بكل الانظمة الاخرى التي جُربت لحد الآن (لنا حول ذلك مقالة خاصة ـ انظر الروابط ادناه). والامر مشابه الى حد كبير فيما يتعلق بأقتصاد السوق الاجتماعي كنظام اقتصادي. فهو كذلك ليس نظاماً مثاليّاً، بل نحن واثقون من تفوقه على الانظمة الاقتصادية الاخرى التي نالها حظ التطبيق العملي، بالرغم من عدالة أوانسانيّة نظريتها. فالتطبيق العملي اذاً هو المحك للحكم على نظام ما. وهل سَنُدهِش احداً اذا ادعينا، بأن نظام اقتصاد السوق الاجتماعي لا يمكن تطبيقه بنجاح الا في نظام ديمقراطي.
(*) العاملون: هي ترجمتي للمصطلح الالماني (Arbeitnehmer)، وتعني الجمع بين العمال (Arbeiter) والمستخدمين (Angestellte). اما كلمة موظّف (Beamter)، فتطلق في المانيا فقط على بعض العاملين لدى الدولة وبشروط خاصة.
المصادر:
ـ برنامج آلن للحزب الديمقراطي المسيحي في القطاع البريطاني بتاريخ 03/02/1947
ـ موقع "المركز الاتحادي للتربية السياسية" / بالالمانية
ـ جريدة "الاسبوع الاقتصادي" بتاريخ 11/06/2008 / بالالمانية
ـ موقع "جمعية العمل ـ اقتصاد السوق الاجتماعي" / بالالمانية
ـ موقع "حقائق عن المانيا" / بالعربية
- واهم مصدر هو بالطبع : التجربة الشخصية
للكاتب مقالات اخرى ذات صلة:
1ـ جدار برلين والكذبة التاريخية
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=716578
2 ـ المانيا: سر النجاح والتقدم
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=739390.0
3 ـ المانيا: التجربة الديمقراطية
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=763698.0