| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 21/9/ 2008

 


نفـــــق سجن الحلـة يطـرق الذاكــرة مـرّة ً اخـــــرى

نعيـم الزهـيــري

نشر الاخ عقيل حبش ذكرياته عن نفق سجن الحلة ،احد مآثر الشيوعيين العراقييين وبطولاتهم غير المحدودة ،وكذلك عن الكفاح المسلح في الاهوار ، في قصة بعنوان " الطريق الى الحرية " ومؤخرا نشرت رسالة شاعرنا الكبير مظفر النواب التي وجهها الى السيد عقيل انذاك،وقد اخرج الرسالة المهندس ......الكناني بصورة جميلة .
ليس خافيا على احد الاندفاع الكفاحي المنقطع النظير للكثير من المناضلين الشيوعيين انذاك ،ومنهم السيد عقيل حبش وتصميمه على الهروب من السجن بغية الالتحاق بـ " النواتات الثورية " للكفاح المسلح في الاهوار ،تلك التي اوجدتها مجموعة من الرفاق الشيوعيين في اهوار الناصرية في منطقة غموكة .ولا نخفي سرا ان نقول بانها كانت امتدادا لامتشاق الحزب السلاح ضد انقلابيي شباط الاسود عام 1963 في بغداد وبعض المدن الاخرى .ان الدعوة للكفاح المسلح وخلق النواتات الثورية في الريف على غرار ما صار في امريكا اللاتينية وبطلها تشي جيفارا ،كانت تستحوذ على اذهان الشباب المتقد حماسا للتخلص من الانظمة الكتاتورية والاستبداد .
كان على رأس تجربة الكفاح المسلح في اهوار الناصرية المناضل امين حسين الخيون " ابو جماهير " وبعدها تشكلت قاعدة اخرى من قبل مناضلين اشداء ،وكان قائدها الملازم البطل خالداحمد زكي " ظافر " والقاعدة الاخيرة اوسع واكثر تنظيما من سابقتها نسبيا ، وقد تبنتها القيادة المركزية التي انشقت عن الحزب في ايلول 1967 بقيادة عزيز الحاج .وقدانتهت التجربة في اول صدام لها مع قوات النظام انذاك ،لاسباب لسنا بصدد تناولها الان ،رغم البطولات النادرة التي ابداها رفاق المجموعة ،طبعا عدا الذين تخاذلوا وخانوا رفاقهم .
لقد انتهى مناضلوها بين شهيد ( خالد احمد زكي ) وبعض رفاقه ،وبين من غيّر موقعه وانحاز الى صفوف السلطة التي رفع السلاح لاسقاطها ،واخرين جلسوا بعيدين عن العمل الحزبي ،وقسم منهم صاروا معادين للحزب الذي كانوا قد تربوا في صفوفه ،والبعض الاخر اخذ يمارس مهام نضالية بصيغة اخرى كالكتابة والنشر ..وغيرها .لم يحالفني الحظ في الاطلاع على كتابات عن تلك التجربة ،سوى ما كتبه الاخ عقيل حبش وما تناوله الكاتب السوري المبدع حيدر حيدر في روايته " وليمة لاعشاب البحر " ...ومن هنا فانني ارى ان تجربة الكفاح المسلح التي خاضها الحزب الشيوعي العراقي ضد الانظمة الدكتاتورية قد بدأ فعلا في شباط/1963 ،ولا اريد المجازفة بالقول بان انتفاضةجنود معسكر الرشيد بقيادة الرفيق حسن سريع احد أوجهها.

ان تلك التجارب الكفاحية المسلحة ،وامتدادها تجربة الحزب في كردستان ـ قاعدة بيرموس ـ مثلا في عام 1963 ،كانت بمثابة تمرينات لحركة الانصار الشيوعيين التي بدأت في عام 1979 في كردستان وبعض المناطق الاخرى في الفرات الاوسط واماكن اخرى .لقد قوّم حزبنا تجربة الكفاح المسلح الاخيرة ـ تجربة الانصارـ .كما كتب الرفاق الانصار انفسهم الكثير عنها ،وتحدثوا عن تجاربهم الشخصية فيها .ولا يزال معضمهم يمارسون مهامهم النضالية كأعضاء في حزبهم الشيوعي في داخل الوطن وخارجه وباشكال منوّعة كل من موقعه .
وما دمنا في موضوع الكفاح المسلح ، بودي الاشارة الى تلك الفكرة ـ الكفاح المسلح ـ التي اراد الحزب القيام بها في عام 1967 ، فشخص بعضا من كوادره العسكرية وارسلهم للتدريب ،سوية مع مناضلين من احزاب شيوعية شقيقة ومنظمات صديقة ،ارسلهم للتدريب في دولة مجارة ،، لكن الفكرة الغيت مع البدء بتنفيذها ....
لنعــــد الان الى موضوع ، نفق سجن الحلـة ،فقد تحدث عنه وكتب البعض ،كل من زاوية النظر التي كان فيها ،والحقيقة تقال :ان لكل حدث جوانب عديدة ولا يمكن لاي شخص الالمام بكل الجوانب .وان كل الذين كتبوا اوتحدثوا عن النفق نسوا ذكر احداث هامة اوتناسوها اهمالا او تحاشيا ً ،وانني اذ اكتب هنا بعض الايضاحات والتصويبات ،ليس من اجل الطعن او المناكدة بقدر ماهي كشف للحقائق حسب معرفتي الشخصية التي تكونت عبر معايشتي الميدانية او المعلومات التي سجلتها من آخرين مشاركين بالعملية ومنهم حسين سلطان نفسه وسعيد تقي ومجيد وكمال كمالة والثلاثة اللاخيرين لايزالون احياء يرزقون ...
وبدءا ً اقول وبكل ثقة ان ما من مناضل يرضى او يستسلم لقيوده .فبالنسبة لي فكرت بالهروب من معتقل باب المعظم / القلعة الخامسة ،بعد القاء القبض عليّ في مدينة الرطبة الحدودية ،بأسم وعنوان وجواز سفر مزورة ،وأرسلوني مخفورا الى المعتقل المذكور في 26/10/1962 ،وكانت عملية الهروب سهلة جدا ً ، وعندما طرحت الفكرة على مسؤلي التنظيم في المعتقل انذاك وهم كل من عاصم الخفاجي مسؤل نقابة عمال المياه الغازية ،وجاسم تاجي وهو مناضل قديم ،رفضا الفكرة رفضا قاطعا ً بحجة ان العملية ستؤدي الى التضييق على المعتقلين !! فامتثلت للامر علما انني كنت كادر محترف العمل الحزبي ومحكوم غيابيا ثلاث سنوات وتحت مراقبة الشرطة سنة واحدة .وذلك كان الحكم الاخر الذي صدر بحقي بعد ان خرجت من سجني الاول ...
فـــي 6/11/2006 تحدث الاستاذ جاسم المطير عن نفق سجن الحلة ،على اعتباره احــد الهاربين منه ، وكان الحديث عبر غرفة ينابيع العراق ـ غرفة انصار الحزب الشيوعي العراقي ـ وقد ادار الندوة الاستاذ هادي الخزاعي ، ابو اروى ، وقد ذكر المتحدث بعض الحقائق الهامة وليس كلها ،كما صور بعض الاحداث بالمقلوب كما ارى .فـقد صوّر التخطيط للنفق وحفره والخروج منه هو من عمل اشخاص في القيادة المركزية ،المنشقة عن الحزب (جماعة عزيز الحاج ) . فمجموعة القيادة المركزية في السجن شخصت مكان الحفر من غرفة الصيدلية في القلعة الجديدة ... ومظفر النواب كان ينقل التراب ، بعلب التايـد ،ويعطيها الى جاسم ، وجاسم يرميه في المراحيض ، الى ان سدت المجاري !؟ .وقال ايضا ً :كانت سطوح غرف السجن ينزل منها الماء فطلبوا من ادارة السجن رشق السطوح بالتراب والتبن ...وغيرها .والانكى من ذلك قوله : عندما بدأ الاستعداد للهروب ( جماعة القيادة ) احتج الاخرون اي ( مجموعة اللجنة المركزية ) وحاولوا كسر باب النفق وكشفه ، أو الخروج مناصفة 12= 12 ( ففتي ففتي )، ثم استطرد ؛ بعد الهروب جلس معنا شاب من اللجنة المركزية فاخذناه معنا ... وحسين سلطان هرب ايضا ً ... !! شكرا ً يجاسم ،شكرا يمجموعة القيادة على هذا الكرم الحاتمي إذ سمحتم( للمسكين حسين سلطان بالهروب واخذتم الشاب من الجنة المركزية معكم) ؟ . هنـا تحاشى الاخ جاسم ان يشير الى بيانهم الذي اصدروه عشية هروبهم وفحواه ( لقـد قمنا بحفر نفق في سجن الحلة واردنا الهروب ، لكن قطب اليمين حسيـن سلطـان اراد منعنا وكشف النفق للسلطة !!)... عذرا لا اريد مناكدة الاخ جاسم فهو استاذي الذي درّسني الاقتصاد السياسي في سجن نقرة السلمان ، وعندما انحاز الى جانب القيادة المركزية ونحن في سجن الحلة ، كان لي نقاش معه حول شرعية الانشقاقات في الاحزاب الشيوعيـة ؟ .
ليتســع صدر الاخ جاسم بالاطلاع على الحقائق التالية ،وباختصار كبير :
كان السجناء السياسيون في سجن الحلة يفكرون في تنظيم عملية هروب جماعي من السجن ، وشخصوا المكان المناسب للعملية وهو بالوعة التواليت الموجودة في الغرفة الصغيرة التي استعملت كصيدلية من قبل السجناء ،(تقع تلك الغرفة في جناح المستشفى في القلعة الجديدة .وذلك الجناح يتكون من اربع غرف متقابلة وفي الاخير غرفة صغيرة مقسومة الى قسمين،الاول للصيدلية والاخرى ، الداخلية ، من جهة الجنوب فصارت للتداوي ، علما انها كانت تستعمل كتواليت .وبذلك يكون جناح المستشفى يشكل حرف " U " وعندما الغي ذلك الجناح كمستشفى ،عند اكتضاض السجن تحوّل هذا القسم الى سكن عادي للسجناء .وتتوسط الغرفة الصغيرة غرفتين هما الغرفة رقم 7 من اليمين والغرفة رقم 13 من اليسار ،ولكل من الغرفتين باب يفتح على الغرفة الصغيرة ،اضافة الى باب رئيسي اخر لكل منهما يطل على ساحة السجن .)
الغيت فكرة الهروب تلك من ذلك المكان لعدم امكانية القدرة على صيانة سر الحفر ، ذلك المكان أشار له الرفيق سالم (وهو شاب من السماوة،كريم العين ) ، في الجلسات المسائية في آذار/1967 مع حسين سلطان مع اخرين .
كان حسين متحمسا ًجداً للهروب الجماعي ، كآخربن، وذلك لغرض سياسي يتمثل في اهانة السلطة ،وتخليص مناضلين من القيد ،للالتحاق بصفوف الحزب .ومن جانب اخر كان السجناء الّذين نقلوا من سجن نقرة السلمان الى سجن الحلة اضافة الى بعض السجناء في نفس السجن فكروا بالهروب من مكان المطبخ وأجروا الترتيبات التي كانوا يرونها مناسبة لذلك .لكن المكان لم يكن مناسبا فتعطلت الفكرة ... نقل حسين سلطان الى سجن الحلة ، ولم يحالفه الحظ في الهروب في الطريق ، فعينت له الهيئة الادارية في السجن مكانا في الغرفة رقم 6 في القلعة الجديدة . عندها عاين المكان فوجده حسب المواصفات التي اشار اليها ســالم .
فاتح حسين سلطان الحزب واقترح تنظيم عملية هروب جماعي ، وان يكون مكان الحفر من احد البيوت القريبة من السجن ، فالعملية تكون اسهل كثيرا ،لكن لم يستلم جواب ( لان قيادة الحزب انذاك مشغولة بمشاكلها الداخلية ) اي قبل الانشقاق ، فقرر ان يأخذ العملية على عاتقة ،فاختار 20 رفيقا بمواصفات خاصة، وعقدت جلسة في احدى قاعات القلعة القديمة ..لم ينجح الاجتماع ،لقـد سفّه العملية احد الكوادر الحزبية المعروفة وطلب الغائها ...
فـــي نيسـان اختار سبعة رفاق وقد فاتحهم على انفراد وهم كل مـن :
ملازم فاضل :محكوم عشرين سنة لمقاومته انقلاب شباط الاسود في معسكر سعد .
كمال كماله : رسام ونحات ،كادر طلابي معروف في مدينته دهوك ،محكوم 20 سنة .
حافظ رسن : محكوم 20 سنة ، كما كان يبدو ،
مجيد : من اهالي الكاظم ومن مقاومي شباط الاسود محكوم20 سنة .
عقيل حبش : طالب من الناصرية .
اخو عقيل : اظن انه كان عسكريا .
سعيـد تقي : كادر عمالي ، احد مسؤلي نقابة عمال الزيوت النباتية ،محكوم 20 سنة ،مكلف من قبل تنظيم السجن باستلام الارزاق .
وقبل البدء بالعملية ، حسبت كمية التراب واين توضع استنادا الى حجم النفق ، وكذلك المسافة من غرفة الغرفة الصغيرة حتى السياج الخارجي الجنوبي للسجن ،حيث مرآب السيارات ،تم ذلك بمساعدة المهندس عـلي حسين سالم ... نقلت محتويات الصيدلية الى احدى غرف القلعة القديمة . وفي احدى ليالي نيسـان ،بعد منتصف الليل تسرب الحفارون الى غرفة النفق وتناول حسين سلطان الـ ،، هيـم ،، ورفع غطاء البالوعة قائلا : ماركس انجلز لينين ، تيمنا بما قاله رفاقنا في سجن الكوت عندما ارادوا حفر بئر للماء ، بعد ان قطعت عليهم ادارة السجن المـاء ،اثناء اعتصامهم ... من هنا الطريق الى الحزب ..!!

معالجــة التراب :
صنع صندوق كبير من ، الفايبر ،بطول غرفة النفق وبعرض منتصفها ، واحتياطا خيطت بطانية سوداء على شكل اسطوانة . وضع الصندوق بملاصقة الغرفة رقم 7 وبذلك سُدَّ بابها المطل على غرفة النفق .أما الباب االاخر اي باب الغرفة رقم 13 فيمكن فتحه عليها ..... حسين سلطان يتمشى في الساحة يراقب الحرس او اية حركة مشبوهة ، طيلة بقاء الحفارين في اداء مهمتهم .
أمــا عيــن الحفارين ومجستهم في ادارة السجن فهو سعيد تقي ، فكان يخرج الى ادارة السجن مع بدء الدوام الرسمي وحتى انتهائه ...كان الحفارون شديدي الحرص على سرية مهمتهم ،تلك التي لايعرف بها غيرهم بما في ذلك لجنة تنظيم السجن والهيئة الادارية ، الا ما ندر .
فــــي 25 / ايلول / 1967 اذاع صوت الشعب العراقي نبأ الانشقاق ، بسطو رمزي ( عزيز الحاج ) واخرين واخذهم مطبعة الحزب واحتجازهم جندل ( زكي خيري ،عضو المكتب السياسي للحزب )...بادرت منظمة السجن بإرسال برقية تدين فيها الانشقاق ،وتؤكد وقوف الشيوعيين في السجن الى جانب اللجنة المركزية ، وقد قرأت البرقية في الاجتماع الذي عقد في القلعة الجديدة مساء اليوم الثاني وايدها الجميع.
وفــي1،2 /10/ كانت الزيارات الاعتيادية للسجناء من قبل عوائلهم ؛ فجاءت وثائق المنشقين (( اجتمع الكادر المتقدم في الحزب وقرر طرد العناصر اليمينية وتطهير قيادة الحزب منهم ...الخ )) .انحاز اغلب السجناء الى جانب الانشقاق وبضمنهم كوادر حزبية معروفة ، اما الاقلية ومعظمهم من الرفاق من ذوي الخبرة والذين يتمتعون بوعي عالي ،وقفوا الى جانب اللجنة المركزية(وانا منهم) ... إستفدنا من تجارب الانشقاقات الماضية، فمنعت المهاترات والطعون ، قدر المستطاع لسد الطريق امام ادارة السجن التي هللت للحدث . قسمنا قاعات السجن ،وصارت لجنتا تنظيم حزبي ولجنة ادارية واحدة من ثمانية اشخاص ، 5 من القيادة المركزية و3 من اللجنة المركزية (وكنت احدهم) كما عينت مجموعة القيادة المركزية الاخ بشر زرعو ممثلا للسجناء في ادارة السجن وينوب عنه الاخ سعيد تقي .
تــوقف الحفر في النفق تماما بعد الانشقاق وانحاز اغلب الحفارين الى القيادة ولم يبق منهم مع اللجنة المركزية سوى مجيد والمشرف على النفق سعيد تقي وحسين سلطان . ومن هنا عرف الاخرون من اللجنتين بسر النفق . وعبر مفاوضا ت تقرر مواصلة العمل ـ الحفر ـ على ان تكون نسبة الهروب 6 من مجموعة اللجنة المركزية و18 من مجموعة القيادة المركزية ، ومثّلَ مجموعة القيادة حافظ رسن ومثل مجموعة اللجنة المركزية حسين سلطان نفسه .وصارت اللقاءآت مستمرة بينهما في هذا المجال .
استمر العمل كالسابق ، وبعد فترة اختنقت غرفة النفق بالتراب ، وصار الخوف من انهدام النفق من ثقل التراب . وبعد دراسة ونقاشات ومقترحات مطولة وانتظار مُمـِل ، تم الاهتداء الى فكرة الطلب من ادارة السجن بالموافقة على شراء خشب (على حساب السجناء )لعمل كابينتين واحدة لعمل الشاي والاخرى لكي الملابس ،فحصل سعيد تقي على الموافقة وكذلك على ادخال كمية من التراب والتبن لوضعه فوق سطحيهما ( وليس على سطح السجن !) ...بُنيت الكابينتان بملاصقة غرفتي جناح المستشفى المذكور من جانب القاعة رقم 7 ، نقل التراب الزائد من غرفة النفق تحت جنح الليل الى التراب الممزوج بالتبن قرب الكابينتين ، ( وليس وضع تراب النفق في برميل القمامة وينقلها الزبال في العربة اليدوية بصحبة السجان ، ولا لرشق سطح القلعة الجديدة التي ينزل منها ماء المطر ... !!؟ ) كما ذكر الاخ جاسم
فــي مسـاء يوم 7 /11 /1967 رجع محمود ،، معلم من الناصرية ، من مجموعة القيادة المركزية ،،من المحاكمة في بغداد ولا ندري ماذا كان يحمل معه إلاّ اننا فوجئنا بحشد كبير في الغرفة رقم 13 المجاورة للنفق كما بيّنا ، وفي الساعة السابعة قطع التيار الكهربائي ...ذهب مجيد ،، احد الحفارين ،، اليهم فطردوه وأهانوه ، ثم ذهب اليهم حسين سلطان نفسه فسحب عليه احدهم ( وهو من اهالي الموصل ) خنجرا واراد ضربه ومنع ، وهنا ثارت ثائرة حسين وتناول الـ ( هيـم ) وكسر قفل غرفة النفق وقـال :
ـ لماذا خرقتم الاتفاق ،لماذا تريدون الخروج وحدكم ؟... ان الذين سرقوا الحزب بالسطو على مطبعته واحتجاز احد قادته ، ليس صعبا عليهم خرق اتفاق مع مجموعة صغيرة ... ! ساغلق النفق ولا ادعكم بالخروج للتخريب ..!!
ســاد القلعة الجديدة جو من التوتر الشديد ، وصارت اية مماحكة تؤدي الى كارثة . كـان الوقت يحسب بالثواني ، ذهب مظفر النواب وحسين ياسين وحافظ الى حسين سلطان تباعا ً فطردهم بكلمات غير لائقة ، ثم تدخّل صـاحب الحميري وتكفل تنفيذ الاتفاق .
مـن جانب مجموعة اللجنة المركزية عُيّـن َ سعيد تقي مشرفا ً على هروب المجموعة ،وكان الهروب واحدا من القيادة المركزية يليه واحدا من اللجنة المركزية وهكذا ... ولدى خروج العنصر السادس من مجموعة اللجنة المركزية ،انتهت مهمة سعيــد فانسحب .هرب من مجموعة اللجنة :حسين سلطان صبي عضو اللجنة المركزية وعبد الامير سعيـد وهو كادر عمالي وقد استشهد ببطولة ،تحت التعذيب ، لطيف الحمامي كادر حزبي من الناصرية، الشاب مجيـد التحق بالهيئات العمالية للحزب ، حازم الجماس من اهالي الموصل وشخص اخر لااتذكر اسمه ...
من جانبنا شكلنا لجنة تنظيم واخرى احتياط خاصة بنا .وأتلفنا الوثائق التي قـد تقع في ايدي العدو ،تحسبا ً لما سيحدث واصدرنا توجيهات لرفاقنا حول محتوى الافادة في حالة الاستدعاء للتحقيق . فهل يتذكر ذلك الاخوة اللذين كتبوا او تحدثوا عن النفق ؟؟
واخيـرا ً اقول وانا واثق من نفسي : ان نفق سجن الحلة ما كان من صنع القيادة المركزية ، بل ان عملبة النفق ُبدأت قبل الانشقاق ، في اواسط الشهر الرابع ؛ لست مدافعا عن اليمين واليمينيين ، فتاريخ حزبنا مليء بالانعطافات اليسارية واليمينية ، لكن التصحيح يتم في كل مرّة من داخل الحزب وليس من خارجه . وحتى حسين سلطان كان متطرفا يسارا مرّة ولدي وثائق تثبت ذلك ، ومتطرفا ً يمينا مرة اخرى ـ خط آب ـ المقيت ولكن ليس وحده، بل ، شاركه الرأي والتوقيع على ذلك البيان المشؤم قادة اخرون ذهبوا مع الانشقاق وصاروا ثوريين،، للكَشر،، ثم استسلموا للنظام الذي رفعوا السلاح لاسقاطه ، وفي مقدمتهم مسؤلهم وقائدهم عزيز الحاج الذي انهار وطلب الغفران قبل ان يلسعه سوط الجلاد ...

فــي ايار من هذا العام 2008 ، وما بعده نشر الاخ جاسم مذكراته حول نفق سجن الحلة بعنوان " معضلة الذاكرة ..وقصة نفق سجن الحلة "
وكانت في ( 24 ) حلقة ، وقد صاغها الكاتب بأسلوب مقتدر ، واحتوت المذكرات الكثير من التحليلات الجيدة والممتعة حقا ، ولكن مهما يكن لابد للذين عايشوا قضيةالنفق ، من المخططين والحفارين اساسا وغيرهم من سجناء الحلة يعرفون الكثير ايضا ، او على الاقل جوانب اخرى من العملية تكمل القصة الحقيقية .
انني احترم جهد الاخ جاسم في مذكراته ، وسأقتصر جدا ً على بعض الملاحظات التي اراها هامة لتنوير القاريء والمهتم والتاريخ ، بعيدا عن الانحياز ، ... فنفق سجن الحلة ، كما ذكر الاخ جاسم وانا معه كليا ً ، هـو من بطولات الشيوعيين العراقيين وحمل اسمهم ، مهما اختلفوا في الرأي ..
- بقول الاخ جاسم في الجزء الاول ص 2 من مذكراته " انني اتقدم بمساهمتي عن كشف بعض جوانب الحقيقة التي اعرفها مباشرة وليس نقلا عن اخرين ... " أقول نعم ونحن كذلك ، فلاتستكثر علينا اذا ما تحدثـنا نحن ايضا ! فلكلٍ منا ذكرياته ومعلوماته ومن زاوية النظر التي هو فيها ... كنت في القاووش رقم واحد في القلعة الجديدة من السجن المذكور مقابل الجناح اللذي يضم غرفة الصيدلية بجزئيها والغرف الاربع الاخرى ، التي بنيت كمستشفى للمرضى من السجناء . كما انني عملت ايضا في الصيدلية مع الاخوة جبار ومحفوظ حتى نقل الصيدلية الى القلعة القديمة من السجن . كما كنت اشارك المرحوم حسين سلطان في احيان كثيرة في تمشياته الليلية في ساحة السجن والتي تمتد الى ما بعد الساعة الثالثة بعد منتصف الليل . وانني لاحظت التجمهر في باب القاووش رقم 13 الذي يحتوي بابا يفتح على غرفة الصيدلية ( مكان النفق ) اضافة الى بابها الرئيسي المطل على ساحة السجن ، وبذلك شاهـدت وحضرت وكان معي الاخ سميع داود الناشئ ، المشادة الكبيرة التي حدثت بين الطرفين ،وفي الدقائق الاولى لقطع التيار الكهرائي في الساعة السابعة مساءً اثناء البدء بعملية الهروب .

وفي الجزء الثاني من المذكرات ص2
يقول الاخ جاسم (( فاللذين هربوا من سجن الحلة وظلامه هم شيوعيون يحملون ويحلمون بشفاء الاجزاء المريضة من الحزب ، بل بشفاء الجسد الشيوعي والنضالي كله ، وهي الاجزاء التي مرضت قبل الانشقاق وتضاعف داؤها بعده ، بهذا الفعل الداخلي الخطير ذاته وفي صفوفه، وكنت واحد من المندفعين سعيا لهذا الشفاء ... " ! ؟
لـقـد تغافل الاخ جاسم ، وهو الذي كان كادرا حزبيا متقدما ، والعارف بالنظام الداخلي والمطلع على الفلسفة الماركسية وقوانينهـا ، تغافل ان التصحيح يتم من الداخل اساسا ، كما صحح الحزب مواقف كثيرة ، ومنها خط اب المشؤم الذي تبناه البعض من اعضاء اللجنة المركزية واخرين من الكوادر المتقدمة في الحزب من اللذين اغراهم مـا اقدمت عليه حكومة عبد السلام عارف القومية : التقارب مع الجمهورية العربية المتحدة ـ مصر ـ والقضاء على الحرس القومي وايقاف القتال في كردستان ...وغيرها . لكن ذلك الخط المشؤم جيـّر على حساب حسين سلطان ونُسي َ الاخرون اللذين دخلوا من اليمين معه ثم خرجوا من اليسار في الانشقاق ، وبعد سقوط زعيمهم وتعاونه مع البعث سقطوا هم ايضا ! ... دعوني اقول ولو جملة واحدة :
هـل شفـيت الاجزاء المريضة في الحزب بألتحاق الاخ جاسم المطير بالقيادة المؤقتة ؟ أم شفيت الاجزاء المريضة بالمؤتمر الرابع والمؤتمر الخامس للحزب ، وما بعدها من كونفرنسات ومؤتمرات ... ؟
وليتذكر الاخ جاسم ... ( بيانهم 111 الصادر عن الهاربين من سجن الحلة ) ومن محتوياته ما معناه ... اردنا الهروب من السجن لكن قطب اليمين حسين سلطان وجماعته من اعضاء اللجنة المركزية اليمينية ارادوا منعنا وسدّ النفق وكشفه للسلطة ... وللقارء ان يقارن بين هذا البيان وبين بيان الانشقاق " اجتمع الكادر المتقدم في الحزب وقرر طرد ... الخ " فأين ادعاء الاخ جاسم اذا كان هدفه في الاصطفاف مع الانشقاق والخروج من السجن هو لمداواة الاجزاء المريضة في الحزب ..!؟

أمـا بخصوص هـمـام المراني وعاصم الخفاجي فان بيانهما لم يشر الى حل تنظيم القيادة والالتحاق بالحزب ، والصحيح اشار البيان ، وقد صدر بعد انقلاب 17/ تموز القومي البعثي، اشار الى انسحابهما من الحزب الشيوعي " واحتفاضهما بعضويتهما الشيوعية ...! " حسبما اتذكر.

وفيما يخص عملية النفق ، فانني اعطي الحق للاخ جاسم في ان ينظر للعملية ، ليس من الزاوية التي هو فيها فحسب ،بل لا يزال منساقا ولم يتحرر من فكر وممارسات القيادة المؤقتة التي انظم اليها . ولم يدنها ، رغم انه ذكر في المقدمة ( لا اسمح لقلمي ا ن يتدحرج بموجات عاطفية لجعل كلامي ينحرف عن عملية التوثيق الموضوعي ... الخ )
وبودي ان اذكره بالامور التالية :

* معالجة التراب ، ليس كما ذكر الاخ جاسم " لرشق سطح السجن – القلعة الجديدة – اللذي ينزل منه ماء المطر ؛ ولا يوضع تراب النفق في برميل القمامة ، وينقله الزبال ، يا للروعة !! فالزبال يا سيدي ينقل محتويات برميل الزبالة بعربة صغيرة يدوية وبصحبة سجان ، فكيف له ان ينقل كمية كبيرة جدا من التراب بهذه الوسيلة !؟ كما لم ينقل التراب الى سطح السجن – القلعة الجديدة- انني من نزلاء القلعة الجديدة ومتواجد فيها ليل نهار فلم الاحظ ذلك قط . ( خويه لا تخلي عطبتهه لحاف ، ارجوك ... ! ) . ألم يلاحظ الاخ جاسم ، عندما دخل النفق للهروب ، صندوق التراب على طول غرفة الصيدلية وبارتفاع يقارب المتر الموضوع بجانب باب الغرفة رقم 7 ، الم يلاحظ الاخ جاسم البطانيات السوداء المخاطة على شكل اسطوانة وقد ملئت بالتراب ؟؟ وهنا بودي ان ٍاوضح اللبس الذي وقع فيه الكاتب : عندما اختنقت غرفة النفق بالتراب وصار الخوف من انهيار النفق من ثقل التراب نوقش ذلك في غرفة حسين سلطان فاقترح جدو " مجيد " نقل التراب الى الممر الذي يحيط بغرف السجن ،ذلك الامر غير واقعي ثم قدم اقتراح اخر هو بقل التراب الى سطح السجن ، ولكن كيف ينفذ ذلك ؟ فالغيت الفكرة ايضا . وابدلت بما ذكرناه ...
* المرحوم حافظ رسن اتهم بالتجسس من قبل رفاقه واعدموه ، وليس لانه اراد انهاء الانشقاق . كشف لي ذلك الاخ علوان جبر ، واخوه عبد الرحمن جبر وكانا مع القيادة المركزية المؤقتة ، أوضح علوان ان الاعترافات تم تسجيلها على شريط وحظر المحاكمة رفيق من اللجنة المركزية ...
* في اجتماعهم في القاووش رقم 13 ، سأل احدهم وهو ابن اخت المناضل الفلاحي " ملا زغير " لا اتذكر اسمه ، انكم ستهربون من السجن ، فماذا نفعل نحن وما هو مصيرنا ؟ هل يتذكر الاخ جاسم جواب ( فلان ) : فليخرج (فلان) لا اريد ذكر اسمه فلا ضرورة لذلك الان ، وليحترق السجن بعده .. ! فأين هذه الاجابة من " التفكير بالسجناء ، كما ذكر الاخ جاسم ؟ وبالفعل عندما ساقونا الى سجن الرمادي في اليوم الثاني ،تبرأ من الحزب 25 شخصا كلهم من ( الاكثرية ). انه شئ مؤلم حقا ان نفقد هذا العدد من المناضلين جراء تصريح خاطيء وغير مسؤول !
* ان الاخ جاسم وجماعته كان لديهم الوقت الكافي لعمل الهويات وغيرها من مستلزمات الهروب ، فهل فكروا بتعيين لجنة تنظيم بديلة ، كما فعلنا نحن ( اليمينيين ) اللذين أُخذنا على حين غرة في عملية الهروب . لقد هرب ممثل السجن ( الاكثرية ) بشير زرعو وكل كوادرهم دون ان يرتبوا شيئاً لرفاقهم الباقين ...
* لمذا يغفل ذكر اسم الرفيق سعيد تقي ممثل السجناء لدى الادارة في استلام الارزاق ،وعين التنظيم السجني كمجسة رئيسية للسجناء في عملية النفق . وهو اللذي اشرف على عملية هروب رفاقه الستة وانسحب لدى هروب اخر واحد منهم . ؟
* ان الّذين هربوا من مجموعة اللجنة المركزية هم ( 6 ) رفاق وليس ( 4 ) وهم كل من : حسيت سلطان صبي ـ عبد الامير سعيد ـ لطيف الحمامي ـ مجيد ( جدو ) ـ حازم الجماس ـ اخر لا اتذكر اسمه . وكان هروبهم ليس بمنّة من الاخرين ، بل فرض تطبيق الاتفاق فرضا .
* الرفيق نصيف الحجاج نقل من السجن قبل عملية الهروب .
* صاحب الحميري هو الّذي توسط بين الطرفين لتنفيذ الاتفاق ، ونفذ .
* أهمل الاخ جاسم كلياً الاشارة الى موقف منظمة الحلة وتوجيهها العاجل لكل رفاقها وجماهيرها في المدينة والريف لاحتضان الهاربين لايوائهم وبالتالي مساعدتهم في الوجهة التي يرغبون ، وحشدها الجاهير لمناصرة السجناء ...
* وحتى تحليله لانحياز اكثرية السجناء للقيادة المؤقتة ، فانني اتفق معه وأضيف : انني ارى ان الكثير منهم انضموا بدافع ردة فعل لضعفهم في التحقيق وتحميل الحزب مسؤولية اعترافاتهم !! . انني شخصيا كنت متعاطفا مع بعض طروحات القيادة المركزية ، لكنني كنت ولا زلت اعي مسؤوليتي في فهمي والتزامي بالنظام الداخلي للحزب ، ورأيت ان طريق الانشقاق هو لا شرعي ، وبالاخص عبر عملية السطو على البيت الحزبي وسرقة المطبعة واحتجاز عضو مكتب سياسي ؛ اما كان الافضل ان يشكل عزيز الحاج وجماعته حزبا اخر وبتسمية اخرى ؟؟ اضن انهم لو فعلوا ذلك ( واللعنة ) على ( لو ) لكسبوا الكثير ، ولكان الحزب الجديد له موقعه في الساحة وفي العملية الثورية ...

* * * ومهما يكن ما كان من امر حدث يبقى نفق سجن الحلة علامة بارزة من بطولات الشيوعيين العراقيين مهما اختلفوا في الرأي ، انه ملك وتراث الشيوعيين والحركة الثورية العراقية ...


مدينة ارهوس ـ الدنمارك / ايلول 2008




 

free web counter

 

أرشيف المقالات