| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأحد 21/10/ 2007

 

بمناسبة الاعتداء على مؤسسة المدى الثقافية


مدى الثقافة العراقية والعبث بها

د. فاضل سوداني
fasoudani6@ hotmail .com

عندما تمارس بعض مؤسسات الدولة بأمر من أصحاب القرارات العليا ، فرض القوة والتباهي بها واستخدامها بحجج غير مقنعة ضد القانون وضد الثقافة ـ منتجيها ومتلقيها ـ كما حدث في غزو أهم مؤسسة ثقافية و تنويرية وهي المدى ، هو أمر يدعو إلى تذكير المثقف العراقي ، والقوى العلمانية بأن لا يندهشوا عندما يستخدم أصحاب القرار في الوقت الحالي، ذات ألأساليب التي كان النظام السابق يستخدمها في القمع وفرض التجاوز على القانون والدستور، ما دام العراق الآن نهبا للجهالة والاستثناء .
وإذا كان النظام السابق يدعي التنوير والعلمانية وفي ذات الوقت يفرض آديولوجيا الحزب السياسي الواحد بقيادة عقل عشائري ودكتاتوري فردي ، فإن المشكلة في الوقت الحاضر
( ضمن هذه الممارسات ) هو فرض اديولوجيا ظلامية متزمتة تحارب المثقفين الثقافة وتعتبرها من الكماليات ، وتقف ضد التنوير بشكل عام .
وإذا كان الصراع فيما بينهم و تقاسم أرزاق الشعب العراقي هو الذي أخرهم طوال هذا الوقت للعودة الى الممارسات القمعية ، فإنهم وعندما يخفت هذا او ينتهي ، سيتحزمون لغزو وتدمير المؤسسات الثقافية وكل ما هو تنويري ومحو أي ثقافة إنسانية بحجج دينية أو سياسة أو اديولوجية .
وما قاموا به من غزو لمؤسسة المدى واللعب بنشراتها هو تهديد للجميع ، وهو في ذات الوقت بداية الانتقام من المدى لأنها تنشر فكرا تنويرا يتعامل مع الحقيقة ومع متطلبات الثقافة المعاصرة .
إذن لماذا مؤسسة المدى المعروفة بإخلاصها الوطني والعراقي، ولماذا الهجوم عليها في هذا الوقت بالذات ؟
تتميز الأنظمة الدكتاتورية في مراحلها الأخيرة عادة بالعنف والتهرؤ الداخلي مما يؤدي بها إلى أن تتحول إلى أنظمة فاشية. ومن اجل تحقيق مصالحا وديمومتها تعمل على إفراغ الإنسان من حصانته الداخلية الواعية بشكل أساسي، وكذلك تهميشه من خلال انعدام وعيه و تشويه ثقافته الوطنية.
وتعتمد في تحقيق مهمتها هذه على المؤسسات القمعية و المثقف المتكيف مما يؤدى إلى خلق ثقافة متكيفة( تتحكم فيها الآديولوجيا أو الفكر الديني أو السياسي ) مع برامجها المتمثلة بتحويل العنف إلى سلوك طبيعي في المجتمع وجعل الحروب المجانية هدف النظام الجوهري الذي سيؤدي إلى الخراب الروحي والاقتصادي والحضاري .ولا بد لهذه السياسة أن تخلق منفذين متفانين للتجاوز على القانون حتى وإن تغير النظام .
ولإشاعة التكيف والثقافة القمعية ـ المتكيفة وتشويه روح الإنسان فان هذه الأنظمة اعتمدت على وسائل الإعلام ، و المؤسسات الثقافية الأخرى .
والآن وبعد سقوط النظام السابق فان مهمة المؤسسات الثقافية والتنويرية أن تلعب دورها المتميز في الوقوف بجانب الشعب من اجل خلق الأسس الجديدة للوعي وإعادة الحصانة الداخلية في روح الإنسان العراقي وجعل الثقافة الديمقراطية ممارسة يومية في حياة الناس وان تكون المعّبر عن أفكاره .

ما تفرضه الثقافة التنويرية
والمتتبع لمؤسسة المدى يرى بان مثل هذه الأهداف ومنذ بداية تأسيسها ـ حتى قبل سقوط النظام ـ كانت من أساسيات أهدافها الثقافية والتنويرية بهدف مساعدة العراقيين للنهوض من تحت الرماد بالرغم من الظروف الصعبة التي أدت بهم إلى استمرارية دورانهم في حلقة مفرغة وسط شبكة شيطانية حيكت خيوطها في عهد النظام السابق وتحاول بقاياه وقوى الإرهاب اليوم أن تغلقها لمنع العقل العراقي من الإبداع والمساهمة في الحياة الطبيعية
تحت مباركة دول أجنبية وإسلامية ودول الجوار بحجج الدفاع عن الدين أو القومية وغيرها.

وقد تميزت المهمة الواعية للمدى( كمؤسسة ثقافية ، تنويرية مستقلة ) بأسلوب ثقافي معاصر ومهني متميز في إمكانية المساهمة في إعادة بناء وعي الإنسان من جديد. ولهذا فإنها أتبعت سياسة خاصة في نشر و طباعة الكتاب الشعبي الذي يكون تحت متناول للجميع ، وبنصف الثمن ـ وبدون هدف آديولوجي معين ـ وهذه يعتبر تمايزا في سوق النشر العراقي .
وقد بادرت المدى أيضا في الاهتمام ومساندة المثقف العراقي ومنتج الثقافة عموما ، في نشر إنتاجه،وبالتالي مساعدته ماديا في حالة احتياجه أو مرضه،وحتى مساعدة عائلته بعد وفاته، وبالتأكيد فان هذا يحرج أي مؤسسة من مؤسسات الدولة وخاصة الثقافية منها.

إضافة إلى المبادرة الأكثر أهمية وهي أن الثقافة وقول الحقيقة ليست في الكتب فقط وإنما في الإعلان الصريح عن وطنية المثقف والثقافة ومؤسساتها وفي الكشف عن القتلة والمتاجرين بثروات ودماء الشعب،وهذا ما قامت به المدى خاصة عندما نشرت فضيحة كوبونات النفط ، مما أحرج قوى ومؤسسات عربية وعالمية كثيرة .
أن المدى كصحيفة تنويرية متطورة الأهداف ‘فقد وضعت أمامها مهمة أساسية وهي منح المعلومات الحقيقية للقارئ في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي وتحليل الحدث العالمي والعربي والمحلي بتمايز في الإخراج التقني مع ملاحظة الاهتمام بالقارئ المثقف( وهذا ليس جديدا على مؤسسة المدى الثقافية ).
وكما هو معروف فان صياغة المعلومة الصحفية بانحيازمقصود لتمرير الوعي المزيف تخلق عدمية الوعي وتوصل الحقائق الكاذبة إلى المواطن العراقي العادي الذي التبست علية الأمور من كثرة الوعود الكاذبة التي سمع بها مما أدى إلى خلق عدم الثقة بينه وبين المؤسسات الصحفية والثقافية الرسمية .وبالتأكيد فان مثل هذا الأمر كان واضحا وتحت إدراك المشرفين على المدى ، ولذلك فإنهم اعتمدوا برنامجا وأسلوبا صحفيا وثقافيا متميزا من اجل إعادة الثقة بين القراء و الصحافة. وهذا ما يلمسه القارئ بمجرد تصفح المدى كصحيفة جديدة في توجهها الذي يختلف عن صحافة النظام السابق .
وكنت من المتتبعين بإعجاب لتأسيس و تحقيق هذا المشروع وأنا في منفاي الدنمركي منذ أن كان في بداياته الأولى، مما يحتم علي القول الآن بان ارتباك أي مشروع صحفي في بدياته وخاصة بالنسبة للإعداد الأولى لأي صحيفة ، لا بد أن يعرقلها ، ولكن تراكم الخبرات التي تتمتع بها الإدارة و الكادر الصحفي المشرف على المدى قد ميزها كحقيقة صحفية جديدة لها برنامجها السياسي والثقافي والوطني مما أدى إلى عدم حدوث الارتباكات الكبرى التي تعيق تحقيق الأهداف سواء في الجانب الفكري أو التقني.
وكلما اشتدت الأزمة وضاقت الشبكة الخانقة على رقاب شعبنا فان الساحة الثقافية العراقية والمواطن وكذلك المثقف بحاجة إلى متنفس صحفي وثقافي والى منبر لتحليل ملابسات الإحداث مثل المدى.لأنها تطمح إلى منح القارئ شمولية في الثقافة والمعلومة والفكر في شتى جوانبها.
فالمدى الآن تعتبر أهم مؤسسة عراقية بل واحدة من أهم المؤسسات الثقافية العربية في كونها ليبرالية و تقدمية المنحى، ومؤسسة تدعوا للفكر الحر والثقافة الديمقراطية.
وهذا ما جعلها ـفي فترة قليلة ـ أن تخلق الثقة المتبادلة بينها وبين قرائها على اختلاف مستوياتهم الثقافية والذين عاشوا في ظروف الحروب المجانية والأزمات المفتعلة وعانوا من النتائج المدمرة لبرامج و مشاريع النظام في تحقيق عدمية الثقافة والوعي .
وهذه الأسباب جميعها هي التي أدت بأصحاب القرارات العليا بإرسال قوة عسكرية للقيام بفضيحة غزو مؤسسة المدى.ولهذا فان الاعتذار غير كاف الآن وإنما المهم الكشف عن أصحاب القرار الذين أمروا بهذا الاعتداء المخطط له ، بالرغم من أنهم لا يدركوا بان هذا الأسلوب هو في الأساس ضد المواطنين وحقوقهم الثقافية والفكرية أولا .
وبالرغم من كل هذا فان المهمات المستقبلية الصعبة التي ستواجه العراق الذي نبغي أن يكون ديمقراطيا ودستوريا وفدراليا، تفرض على مؤسسة المدى الاستمرار في سياستها ونهجها الثقافي و أن تستمر كمؤسسة تنجز مهماتها حتى النهاية ، وهذا ما سيدفع جمهورها وقرائها ، وجميع أصحاب الفكر التقدمي واللبرالي إلى حمايتها ككيان فعال وديناميكي في قول الحقيقة للناس ،مادامت الدولة غير قادرة على حماية المؤسسات الثقافية وتمهيد طريق التنوير أمامها، إذ يجب عليهم أن يدركوا بأن الحياة لا تقف على قرن ثور.




 


 

Counters

 

أرشيف المقالات