| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 21/3/ 2009

 

عن ""أبو صطيف" ... صديقنا الراقد مريضا في مشفى بلندن
 

مناضل من ذلك الزمان

حيدر فاضل "حنفي"

الخبر المنشور في موقع "ينابيع العراق" عن تعرض صديقنا الطيب ""أبو صطيف" " لجلطة دماغية أرقدته احدى مستشفيات لندن ، لم يثر فقط قلقي الشديد على العزيز ""أبو صطيف" " ... بل أثار حفيظة الذاكرة عن صديق العمر، المناضل والانسان "حامد عبود \ "أبو صطيف" " صديق الصبا وأيام التلمذة.
أتمنى ان يتعافى عزيزنا ويكون قادرا على قراءة هذه الذكريات، عن مكانته في قلوب محبيه.

عام 1971 دخلنا "إعدادية النضال" مر حلة الرابع سوية. وكالعادة مع بداية السنة الدراسية بدأ اتحاد الطلبة العام ببناء تنظيم مرحلة الرابع في الاعدادية، واستلام "الزملاء" الجدد من أعضاء الاتحاد وتنظيمهم في هيئات، في هذا السياق كلفت من اتحادنا في الاعدادية باستلام زميل "مرحّل" اسمه (حامد عبود) من سكنة مدينة الثورة.

كان الموعد الأول عند واجهة "الشركة الأفريقية العراقية التجارية" في ساحة الخلاني، القريبة الى اعداديتنا.
"حامد عبود " أو ""أبو صطيف" " كما عرف في الأنصار، كان ملفتا منذ اللقاء الأول، يدخل القلب مرحا بهيئته الكادحة والقميص الكالح فوق بنطلون مترب، ونعال اسفنجي "أبو الإصبع" يكاد يتقطع لكثرة استهلاكه... وقفة واثقة وابتسامة من ينتظر صديقه.
كان اللقاء الأول للتعارف وتنظيم الصلة، إلا إن حامد كان متلهفا لكل شيء، يطلب كتبا للقراءة ويسأل كثيرا عما يجب فعله وعما يجري آنذاك... مع استعداد للنضال والتقحم ...

((ماذا سنعمل؟)) ... يسأل ببساطة واهتمام وأريحية وبلا تردد... كأننا نخطط "لاقتحام السماء"!. وبذات الطريقة يقنعك بأنه موضع ثقة وصاحب حق وقضية... لم يكن خوافا ويبدي اندفاعا للعمل و التضحية من اللقاء الأول.
أذكر أني كنت مطالبا بتقرير أو محضر عن اللقاء به، أقدمه الى مسؤولي في الاتحاد، وكان مسؤولا عن تنظيم الاتحاد في الاعدادية... حين قرأ تقريري الذي قدمته، أعاده لي مع ملاحظة لاذعة ((هذا ليس محضر لقاء، هذه قصة قصيرة... أكتب غيره)). كنت لشدة تأثري باللقاء الأول مع حامد، أصف في تقريري مشاعري وانطباعاتي عنه وعن لهفته واندفاعه وهيئته الكادحة وحماسه للنضال في "اعدادية النضال"!

في الاتحاد كان ""أبو صطيف" " نشطا بامتياز، له حضور محبوب بين الطلبة والأساتذة، يستأنس بالمهام التي فيها مخاطرة، وكانت تلك الأيام، أيام عمل تنظيمي سري وجماهيري معلن، توزيع منشورات ومشاركة في المظاهرات والاحتفال بمناسبات تقمع سلطة البعث الاحتفال بها ، مثل ذكرى مؤتمر السباع ... ويوميا كانت النقاشات الساخنة مع خصومنا في منظمة السلطة "الاتحاد الوطني لطلبة العراق".

أحد أعضاء الاتحاد كان نشطا في نقاشاته عن الديمقراطية واحتكار العمل الطلابي وحق اتحاد الطلبة في العمل، ومناقشة ما كان يناقش في تلك الأيام، ولأن البعثيين كانوا مجرد أشقياء يستقوون بالسلطة وأجهزتها الأمنية، فغالبا ما كانت تلك النقاشات تتحول الى صدامات وحالات اعتداء على صاحب الرأي المخالف لهم... حين يحتدم النقاش وتبدأ شتائم وتهديدات مسؤولي الاتحاد الوطني، وترتفع قبضاتهم للاعتداء ... لا أدري من أين كان يخرج "حامد" ليقف في وجه بلطجية السلطة، بين قبضاتهم والمرشح للاعتداء عليه، وبعبارة موجزة كان يحسم الموقف ((اذا نقاش تناقشوا معه .. واذا عركة تعاركوا معي)) ولم يكن يأتي لوحده، كانوا يتجنبون شراسته وجدية تحديه... شجاعة حامد وقدرته على مباطشة بلطجية البعث كانت موضع تندرنا، كأصدقاء، في تلك الأيام.

لم يخف منهم ... وكان حاضرا بفعالية في كل المصادمات التي حدثت مع البعثيين في الاعدادية، وفي الاضراب الذي نظمه وقاده اتحاد الطلبة العام في عام 1972، كان حامد من نشطاء اللجنة الصدامية التي شكلها الاتحاد لحماية المضربين. ( كان لاتحاد الطلبة العام في الاعدادية لجنة تنظيم لكل مرحلة دراسية ولجنة ثقافية ولجنة صدامية، ولجان طارئة تشكل لمهام آنية مثل لجنة اضراب او لجنة احتفال... ويقود كل ذلك لجنة عليا لتنظيم الاعدادية، التي لها لجنة ظل أو احتياط في حالات الطواريء... هكذا كان تنظيم الاتحاد في اعدادية ببغداد في ذلك الزمان!).

في مرحلة الخامس الاعدادي كنا معا في شعبة واحدة وعلى مقعد أو"رحلة" واحدة، حامد وأنا. يدخل الصف صباحا بشوشا مرحا، وتدخل معه رائحة الطماطة والباذنجان والخضروات... قبل الدوام الدراسي اليومي كان حامد ينهض فجرا ليذهب الى "علاوي الخضروات" يعمل حمالا ليكسب بضعة دراهم، توفر له أجرة النقل الى المدرسة و قوت يومه.. يدخل ضاحكا وبقايا الخضروات التي حمل سلالها وصناديقها تلطخ ملابسه ... وحين يجلس واضعا ساقا على ساق، يخرج الإصبع الأكبر لقدمه من شق الحذاء، الذي يلبسه عادة بلا جوارب.

نشأ يتيم الوالدين و تكفلت برعايته زوجة أبيه، يسكن مع أخوته وزوجة أبيه في قطاع 13 / خلف خزان الماء من مدينة الثورة. لكي يواصل دراسته كان عليه ان يعمل في العطلة الصيفية عامل مفرق، وفي أيام الدراسة للتحميل في سوق الخضروات القريب على سكنه أو يستثمر أيام الجمعة والعطل للعمل.

وفي بيتهم، الصغير المزدحم، لم يكن له مكان للدراسة سوى "السطوح"... وللسطوح مفارقاتها، ومن بينها غرامه ببنت الجيران "خماسة" الخبازة. كان يتفنن، ضاحكا، في الحديث عنها وعن حنانها عليه، وكيف كانت تناوله الرغيف الساخن الذي تخبزه مخصوصا له، وتدعو له بالموفقية وتتعاطف مع جهاده لمواصلة دراسته.

في الأوقات التي كنا نقضيها في المقهى الدراسي "شط العرب" المطل على دجلة من شارع الرشيد، كان حامد لا يمل الحديث عن "خماسة" التي سرقت قلبه بحنانها عليه، وكان زميلنا وصديقنا الوسيم، ابن شارع الكفاح، خبير الغرام "خالد عرب"، يحثه على مفاتحتها والتقرب منها... (يا أخي صارحها.. لا تظل جامد). وحامد يتردد، فالفتاة بريئة، لا تعرف من الدنيا الا أهلها والتنور وجيرانها الذين تبيع لهم الخبز... زادت المودة بين حامد وخماسة التي كانت ترعاه بخبزها اليومي، وكثر الحاح صديقنا خالد على حامد بأن يصارحها بحبه لها، يرسم له الخطط ويشرح له الدروب الموصلة، الى ان اقتنع حامد ووعد بأن يستغل أول فرصة و يصارحها.

في ليلة كنا على "أبو نؤاس"، خالد وأنا وزملاء آخرين، أنهينا لقاءاتنا الاتحادية و الزيارة المسائية المعتادة للمركز الثقافي السوفيتي، عائدين الى بيوتنا في شارع الكفاح، حين وجدنا حامد جالسا على رصيف شارع أبو نؤاس يغني، بعد ان عب "ربع عرق زحلاوي"... ولعبت الخمرة في رأسه، فاجأنا بمنظره ذاك.
كان لا يكف عن الضحك والسخرية والنظر الى خالد نظرة مؤنب، جلسنا الى جانبه لنستمع الى حكايته التي لا تنسى... أرويها كما رواها لنا حامد في تلك الليلة ...

في ذلك اليوم عمل حامد بنصيحة ومشورة خالد، وظل على سطح دارهم، ينتظر انتهاء "خماسة" من وجبة الخبز التي في يدها و تفرغها له
- عندي شغلة وياج خماسة
- أي خوية كوول
طلب منها ان تغير دشداشة العمل الملطخة بالعجين والطحين ورماد التنور وتغسل وجهها وتأتي اليه... رجعت اليه خماسة ...
- كوول خوية ، خو ماكو شي؟
- خماسة بصراحة... أنا أحبج !
- يا خوية الله يوفقك ويخليلك أخوتك وأهلك
- خماسة ... أنا أحبج ... أحبج!
- أي يا خوية ... آنه هالأدعيلك تنجح بدراستك ويحفظلك اهلك
- لا خماسة .. انا أحبك حب .. تدرين شنو حب؟
- يا خوية كون الله يجازيك على نيتك وينطيك مرادك
وحين يئس حامد من افهامها معنى مصارحته لها بحبه، طلب منها الانصراف، دون ان تفهم المسكينة ما كان يريده منها حامد، الذي خرج من بيته الى الباب الشرقي ثم الى أقرب "مايخانة".

حين التقينا به على رصيف ابو نؤاس كان انتهى من ذلك الموضوع... بسكرة ثقيلة و قصيدة فنظازية مرحة لخص بها الحدث كله... قصيدة جعلتنا نعود لبيوتنا تلك الليلة وبطوننا موجوعة من شدة الضحك.
لخص لنا حامد واقعته الغرامية بقصيدة طويلة عنوانها "خماسة" ... أذكر منها..
(( حبيبتي خماسة!
... أحبك بحماسة
ماذا أنت؟!
أجدرية بلا قبغ ... أم خبازة بلا تنور؟
أحديقة بلا أزهار ... أم شرطية بلا صافور؟
قلت لك: حبيبتي قلبي احترق
قلت لي: ..... وضاع الغلك!! ))
هكذا انتهت مغامرته الغرامية الأولى... وثقها بقصيدة.
ولم تفتر همته... فبعد فترة قصيرة جاءنا مفتونا بصبية أخرى وغرام جديد... وكانت هذه المرة "كاشية" بائعة الباقلاء في سوق الخضروات التي يتناول فطوره عندها صباحا... ومثل المغامرة الأولى، انتهت بقصيدة فنطازية أخرى، لا أتذكر شيئا منها للأسف.

هكذا عرفناه ... ضحوكا ممراحا، ساخرا من ظلم الدنيا وجورها عليه، مليئا بالحياة التي تتدفق عنده مثل سيل لا ينقطع، يواجه المصاعب برجولة مبكرة وبعناد لا ينكسر.

مع طيبته المفرطة وسماحة روحه، لم يكن حامد ساذجا ومطواعا أو سهل الانقياد... كان متصالحا مع نفسه، صاحب رأي، و رأي عنيد... لا تدخل الفكرة عقله الا بعد اقتناع صادق.
كان معارضا شديدا لسياسة التحالف مع حزب السلطة، البعث ونظامه الدموي... وآنذاك كنا في اتحاد الطلبة لا نمل من تكرار لازمة ((عاش اتحاد الطلبة ، عاشت بطولاته... يسقط النظام الدموي هو ورجالاته))، الهتاف الذي رددناه في المظاهرات المناوئة للبعث إثر قمع احتفال أكتوبر بساحة السباع عام 1968، واستشهاد ثلاثة من مناضلي الاتحاد على يد صدام وبلطجية البعث.
لم يقتنع حامد بسياسة الجبهة والسعي للتحالف مع البعث، منذ البداية وحتى النهاية، ولا أذكر لحظة دخلت فيها فكرة التحالف رأس حامد الذي كان يكرر (( يا أخي شغلة ما تنعقل )).

نشاطه في اتحاد الطلبة كان متميزا، كذا نشاطه الحزبي لاحقا، فبعد سنتين من العمل الكدود في اتحاد الطلبة، انتظم حامد في حلقة لأصدقاء الحزب، لإعداده للترشيح لعضوية الحزب، التي كانت صعبة المنال وتتطلب تحضيرا ومرانا نضاليا جادا، في ذلك الزمان. وكنت مكلفا باعداده للترشيح لعضوية الحزب. وفي تلك الأيام كنا نهتم بجهد ما بعده جهد، تربويا وثقافيا وشخصيا واجتماعيا و سياسيا، في اعداد طالب عضوية الحزب.

ورغم عدم قناعته بسياسة التحالف مع البعث، عمل حامد بهمة ونشاط وقدرة على كسب الناس للحزب بطريقة مميزة، وبأمل أن الحزب سيغير من سياسته وينتبه لحاله وحال البلاد ولرأي مناضليه في الشارع.
حين عملنا سوية في الحزب، كان يثير اهتمامنا في قدرته على كسب العمال في منطقة سكنه وتنظيمهم في حلقات، فخلال عطلة صيفية واحدة أصبح لحامد، صديق الحزب المعد للترشيح، ثلاث حلقات لأصدقاء الحزب، فيها ما يزيد عن 25 عاملا، أغلبهم عمال في معامل الطابوق أو عمال مفرق. كنت أذهب معه لأساعده في ادارة اجتماعات هذه الحلقات العمالية، وأرى الاقتناع الشديد بحامد الذي كسبهم ونظمهم.

كانت صعوبة حقيقية أن تقنع حامد وأصدقاؤه العمال بما كانت تراه قيادة الحزب صوابا، السعي للتحالف مع السلطة... لا تنفع التخريجات النظرية والتبريرات الفكرية المظللة... لكنهم في النهاية كانوا يجدون حامد مقنعا كمناضل ويتطلعون الى ان تكون قيادة الحزب قادرة على تحقيق مصالحهم وأهدافهم عبر التحالف مع البعث. وكانت الثقة بالحزب الشيوعي وسمعته وتضحيات مناضليه وشهدائه وقادته التاريخيين... أمور لا يرقى اليها الشك.
في تلك الحلقات لم يكن حامد عاجزا عن التثقيف بالماركسية ومبادئ الشيوعية، لكنه كان يطلب المساعدة في التثقيف بسياسة الحزب وشرحها، فهذا الرجل لا يستطيع ان يقنع من ائتمنه ووثق به بسياسة لا يقتنع بها هو نفسه، وكلهم كانوا أصدقاءه شخصيا، من سكنة قطاع 13 وحي الأكراد في مدينة الثورة.

في الاحتفال بتوقيع الجبهة نزل الشيوعيون الى الشوارع، لافتات و مظاهرات ثم المسيرة الكبرى في ملعب الشعب، وحامد كان يبتهج لأي عمل جماهيري واسع، لذلك نشط هو وأصدقاؤه في التعبئة الشعبية للمساهمة في المسيرة والمظاهرات. ولم تكن عيون البعثيين غافلة عن حامد ومن معه، كانت التهديدات والملاحقات من رجال السلطة لا تهدأ، وحين وجدوا ان تهديدهم و وعيدهم لا يردع، عمدوا الى اغتيال أحد أبرز الناشطين مع حامد، صديقه ((صبري)) العامل من سكنة قطاع 13، كان نشيطا ومتحديا، قتلوه بحربات الكلاشنكوف ليلا وهو عائد الى داره. والقائد لمجموعة الاغتيال كان مسؤول حزب البعث في القطاع، نفذه بيده مع جماعته.

حدث هذا عقب الانتهاء من احتفالات قيام الجبهة في تموز 1973 مباشرة، وكان نذير شؤم ذو دلالة.
"صبري" و حامد كانا أصدقاء، وحامد هو الذي نظم صبري في الحزب... حين التقيت بحامد بعد الجريمة كانت الدماء تغلي في عروقه...
- هذه هي نواياهم ... هذه هي جبهتكم "الكشرة" يا رفيق.
ذهبنا الى مقر جريدة "الفكر الجديد" ومجلة "الثقافة الجديدة" لنبلغ قادة الحزب بالجريمة ونرى ما سيفعلون، أعطينا المعلومات كاملة ومعها صورة الشهيد، راجين نشرها في "الفكر الجديد"... لم ينشروا شيئا، ولا حتى خبر نعي صغير.
كان قرار الحزب أن لا نرد بشيء، ونلزم الهدوء، ونتجنب الاستفزاز (كي نفوت على أعداء التحالف فرص تحقيق أهدافهم !!)... حامد كان يرى في هذا جبنا وتخاذل ونكران لتضحيات مناضلي الحزب، كان يخجل من أهل الشهيد وأهل القطاع وقد خذلهم الحزب الذي ناصروه.

حين ذهبنا الى مجلس العزاء، كان الوضع ملتهبا من الطرفين، البعثيون في حالة انذار، منتشرون هم وأسلحتهم تحسبا لردود الفعل... وأيضا أهل الشهيد و أصدقاؤه والمعزون الذين كلم قلوبهم موقف الحزب الضعيف.
حامد كان هائجا، مطعوناعيناه تقدحان غضبا، ليس فقط لاستشهاد صديقه "صبري"، بل لموقف الحزب.... كنا مهددين بالطرد من الحزب ان خالفنا التعليمات، وكان بمقدورنا، لو أردنا الرد، ان نؤدب كل مجموعة البعث في المنطقة، تأديبا يردعهم عن التعرض لأي منا، فقد كان نفوذ الحزب في المنطقة واستعداد أنصاره كافيا ويزيد... و"صبري" كان محبوبا وصديق الجميع ومحترما من أهالي المنطقة وجريمة قتله كانت مفضوحة وموضع استنكار وغضب سكنة المنطقة، الكل كانوا يعرفون ان البعثيين قتلوا "صبري" لكونه شيوعيا، الجريمة كانت سياسية.
انتهت أيام العزاء، ولم ينصر الحزب شهيده، ولم يعاقب القتلة، الذين نفشوا ريشهم بعد ان كسروا الشيوعيين في القطاع.

في ليلة تالية، لم يمسك حامد أعصابه، رمى بكل توجيهات الحزب عرض الحائط وقرر ان يواجه، لوحده، مسؤول البعث في القطاع... وتصرف على انها مسألة شخصية تخصه كصديق للمغدور.
وأمام المقهى، حيث يتجمع ساكنو المنطقة، دارت معركة حامية بالأيادي بين حامد والمسؤول البعثي، كان حامد فيها مثل بركان هائج، مرغ وجه المسؤول البعثي في التراب وأوسعه ضربا واهانة ورفسا... كان لوحده يواجه رمز حزب السلطة في المنطقة. لم يقع بيد حامد سوى هذه الطريقة في الرد، التي كادت ان تنتهي بمقتل أحدهما لولا تدخل أهالي القطاع وتهريب حامد.
كان استشهاد "صبري" وما لحقه فاصلا في قناعات حامد بسياسة الحزب وقرارات قيادته... وبما تنذر به تلك السياسة.
كان شيوعيا على طريقته، منح عضوية الحزب، يقرأ ويتابع ويساهم في كل النشاطات، بينها نشاطه الحثيث في اتحاد الطلبة، الا ان موقفه من سياسة الحزب كان صريحا ومعلنا.

ثم جاء قرار تجميد الاتحاد عام 1975 ، الذي كان قرار بحل الاتحاد فداءا للتحالف مع البعث ... اسودت الدنيا في وجه حامد وشعر باحباط كبير، وكان أنهى امتحانات البكلوريا في تلك السنة، لم يعد يطيق البقاء في العراق وترقب ما ستنتجه سياسة الحزب وتوجهاته. كان معدله لا يساعده في الدخول لكلية جيدة، وليس باستطاعته الحصول على زمالة دراسية من الحزب، و كانت تتحكم في توزيعها المحسوبية والمنسوبية والعلاقات الشخصية، لا أحد من قادة الحزب يعرف حامد كي يرشحه لزمالة دراسية.

كان قراره بالسفر الى خارج العراق للدراسة عجيبا، فهو لا يملك أي مال يعينه على الدراسة خارج العراق، واذكر حين ودعناه في المحطة العالمية للسكك بالكرخ، كي يأخذ القطار المتجه شمالا، لم يكن في جيبه سوى سبعين او خمسين دينارا... لكنه كان مليئا بالطموح والاستعداد لمصارعة صعوبات الحياة.
كان ذلك في مقتبل شتاء 1975، خرج حامد من العراق ضاحكا كما ألفناه، ولا ندري كيف وصل يوغسلافيا ليستقر فيها للدراسة، تراسلنا فترة ثم انقطعت السبل بيننا.... ودار الزمان دورته.

في عام 1984 ، كنت في "زيوة" مقر قاطع بهدينان قادما من بغداد، التي كنا نناضل فيها سرا، بهدف اللقاء بقيادة الحزب لتنظيم الصلة من جديد، بعد انقطاعها اثر أحداث "بشتاشان" الدامية، حين وصل ""أبو صطيف" " مع مفرزة قادمة من مقر "لولان"... كان لقاؤنا مفاجأة لم تخطر على البال، فأخبارنا منقطعة عن بعض منذ سنين... ودعنا بعض في مساء بلله المطر ببغداد، وآخر صورة له في الذاكرة صعوده القطار والحقيبة معلقة في كتفه، يلوح لنا بيده ويضحك ملء قلبه وفمه، والتقينا بعد أكثر من تسع سنوات في صباح مشرق بزيوة على الزاب الكبير، وما زال يضحك، نفس الضحكة! ... سوى انه هذه المرة بملابس البيشمركة الخاكية اللون متمنطقا حزام عسكري تتوزع عليه مخازن رصاص بندقية "الكلاشنكوف" التي تتدلى من كتفه.... أي هموم ثقيلة حملها كتفك يا "حامد عبود"؟
سهرنا ليال متواصلة حتى الصباح نتبادل ما جرى لكل منا طيلة سنوات الفراق. وحامد هو ذاته، يتدفق حيوية ومرحا ومحبة، يناضل بهمة وحماس ولديه رأيه الخاص بكل ما يجري، لم يكن مقتنعا بقيادة الحزب وقدرتها على قيادة ذلك النضال.

كان "أبو صطيف" ، خلال فترة افتراقنا، قد أكمل دراسة الماجستير في هندسة صناعة الأخشاب بجامعة في يوغسلافيا، على حسابه الخاص، يعمل ويدرس، واضطر للعمل في اليونان وبلدان قريبة ليوفر لوازم دراسته ومعيشته. وحين نادى الحزب مناضليه للالتحاق بالأنصار، ترك كل شيء خلفه وقدم لكردستان فدائيا في بداية الثمانينات، مع من قدم من المناضلين.

ولا اعرف كيف استطاع تدبير دراسته في يوغسلافيا، وهو لم يملك سوى عشرات الدنانير حين خرج من بغداد والعراق... لكن حين اتذكر كيف كان يأتي للدراسة في صباحات "اعدادية النضال" بروائح سوق الخضروات وبقاياها على ملابسه، وفي جيبه بضعة دراهم أجرة عمل ذلك الصباح ومصرفه لذلك اليوم، أعرف حينها ان حامد قادر على لوي صعوبات الحياة.

في الأعوام التي قضاها في حركة الأنصار، يعرفه الأعزاء الأنصار أحسن مني ، يعرفون جهوده، مزاياه وخصاله، جرأته وشجاعته، طيبته وصفاء سريرته، شعبيته ومحبة الجميع له.
وتكررت لقاءاتنا في جبال كردستان ، كان آخرها ربما في 1987، ثم انقطعت بيننا السبل من جديد، ففي ذلك العام رجعت لبغداد وظل حامد يواصل نضاله في حركة الأنصار حتى نهايتها.... وافترقنا الى اليوم دون لقاء مباشر.
في الأعوام الأخيرة قبل سقوط النظام كنت في هولندا حين اتصل حامد بي هاتفيا من لندن، أكثر من مرة...
- كيف تدبر حياتك في لندن يا حامد؟
- أعمل سائق باص أحمر!
يجيبني بسخريته المعروفة ... وكان أستقر به المقام في العاصمة لندن، زوجا وأبا وكادحا. بعد أن نفذ مفعول شهادته الدراسية اثر السنين الطويلة التي قضاها في حركة الأنصار بعيدا عن دراسته وتخصصه.

ميزة ""أبو صطيف" " هي هذه المحبة التي سكن بها قلوب أصدقائه ورفاقه، نحن لا نلتقي كل يوم بروح صافية وقلب طيب وشخصية ممراحة ومناضل جسور مثله.


 

free web counter

 

أرشيف المقالات