| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 22/10/ 2007



مشروع الإدارة الذاتية للكلدان والآشوريين والسريان ...
دعوة للعمل المشترك

د. محمد البندر

استقطبت فكرة حصول الكلدان والآشوريين والسريان على حكم ذاتي اهتماماً كبيراً من لدن الأحزاب والهيئات والمنظمات في الساحة المسيحية في العراق ، وانقسمت الآراء بشأنها بين معارض ومؤيد ، ومنهم من أختلف في شكل هذه الإدارة إن كانت ذات حكم ذاتي او فيدرالية. ومهما يكن من أمر فإن تصاعد سقف المطالبة المسيحية الى هذا العلو يمثل تطوراً مهماً في التفكير السياسي وفي ذهنية بناء الذات عند الطوائف المسيحية العراقية. وكي تحصل هذه الفكرة على مكانها اللائق كمطلب شرعي لا يتعارض مع الوحدة الوطنية العراقية ينبغي تحويلها الى شعار سياسي واضح المعالم يحظى بدعم من الجمهور البسيط الى النخب السياسية والوطنية والمرجعيات الدينية كردة فعل دفاعية بالدرجة الأولى للحفاظ على وجود هذه الأمة في منطقة إدارية تتمتع بحقوقها الثقافية والدينية والإدارية الخاصة.
وانطلاقاً من ذلك دعت اللجنة الشعبية في مدينة أورهوس في الدنمارك وممثلتها الزميلة تيريزا إيشو الجمهور لحضورلقاء مكرس لمناقشة هذه الفكرة وآفاقها وأليات تطبيقها يوم الأحد 14 اكتوبر تشرين الثاني 2007، ووجهت الدعوة قبل هذا التاريخ بوقت جيد ، وتم دعوتي أيضاً الى هذا اللقاء الإعلامي المهم . وبالرغم مما لهذه الفكرة من حيوية واهمية بالغة إلا أن مشاركة الجمهور فيها كانت ضعيفة الى حد ما ، واسر لي أحد الحاضرين من الأصدقاء عند سؤالي عن السبب في هذه النزعة السلبية بأن الناس قد تعبت من كثرة الشعارات الحزبية وصراع الأحزاب على تمثيل هذا الشعب مما ترك أثره السلبي على مساهمة الجمهور ، وانعكس هذا على المشروع الحيوي وقد انسحب ذلك ظلماً على فكرة الإدارة الذاتية رغم أنها صدرت من لجنة شعبية مستقلة وحيادية.

و هذه العلاقة السلبية والشك الذي يطبع علاقة الجمهور المسيحي بالأحزاب تمد جذورها عميقاً في طبيعة وسلوك وشعارات هذه الأحزاب التي أصيبت بعدوى الأمراض المتوطنة التي تعج بها الساحة السياسية العراقية ومنها مرض انفصام الشخصية ، والوهم الكبير لدى هذه القيادات التي تعتقد بشكل جازم ان كلاً منها تمثل شعبها وطائفتها وفق فرمان رباني نزل عليها من السماء يمنحها الحق في قيادة " خراف الرب الضالة " .

قد يكون لهذا الحزب أو ذاك الحق في رؤية الأفضلية لمشروعه السياسي على ماعداه ، لكن لايصح خطف وإدعاء تمثيل هذه الحزب وهذه الحركة للشعب بأكمله ، لإن هذا خلل خطير في التفكير وفي الذهنية ، فلا يمكن لحزب مهما أوتي من قوة وتأثير أن يمثل شعباً بأكمله من مثقفين وعمال وطلبة ورجال دين ولا حتى طموحاتهم ، وحتى الأحزاب الأوربية العريقة التي تفوز بالإنتخابات وتشكل الأغلبية في البرلمان والحكومة لا تحصل في الغالب إلا على الثلث من الأصوات. وكعراقي متألم لهذا الوضع الحزين ، وكمتابع لشأن الساحة المسيحية نصيحتي للأحزاب والحركات السياسية هو أن تتخلى عن هذه النزعة الطوباوية الضارة في التفكير ، وتتحلى بالعقلانية والتواضع والإقتصاد في الشعارات والمشاريع السياسية ، فلا تعلن أنها وحدها تمثل مصالح الأمة عن عداها ، لأن ذلك سيؤدي الى تدمير الذات وضياع الجهد في منافسة غير مبررة ، وصراع غير مجدي حول من يقود هذا الشعب الأعزل المسكين الذي لا يريد أحد أن يسأله عن رأيه في الموضوع!
وبدلا من حالة الصراع وإدعاء حق التمثيل لابد من إعتماد بديل الحوار الوطني والتفكير جدياً بقيام مرجعية وطنية عامة لهذه الأمة المظلومة التي تعاني من الفراغ التمثيلي لها ، فلقد امتلكت جميع الطوائف والقوميات العراقية الكبيرة منها والصغيرة مرجعيتها السياسية ، عدا الساحة السياسية المسيحية التي خلت من أية مرجعية تمثيلية ، بل نرى عكس ذلك ، فالخلافات تتعمق والهوة تتسع ، والإحتراب يزداد. أن الشعب يريد من القوى أن تتجاوز الحساسية الطائفية والسياسية ، وأن تتوصل الى اتفاق تكتيكي مشترك على مجموعة أهداف عامة مشتركة تستطيع من خلالها توحيد خطابها القومي والوطني وطرح قضيتها الوطنية على الصعيد الوطني العراقي وعلى الصعيد العالمي، ولعل التشتت الطائفي القديم والإنقسام السياسي الحديث وعدم الثقة بين الأطراف السياسية أحد هذه الأسباب. وبدون زعامة تمثيلية موحدة سوف يبقى النزيف المسيحي مستمراً ، وسيظل خروج المسيحيين من العراق قائماً رغم نواقيس الخطر التي قرعت منذ زمن طويل وهي تؤذن باقتراب ذلك اليوم الأسود العبوس الذي يغادر فيه آخر مسيحي للعراق ، ونبقى بعد ذلك نبكي ونلطم الصدور ونشق الجيوب كما يفعل الشيعة ايام عاشوراء. لقد حان الوقت لتلافي هذا النقض الإستراتيجي الخطير في التحرك السياسي المسيحي العراقي ، والعمل على إيجاد هيئة مؤقتة تقود حركة الفعاليات السياسية المسيحية في هذا الليل العراقي البهيم الذي لا دليل فيه سوى من يملك لغة القوة.
إن مايدعو المسيحيين الى التعاون فيما بينهم وتشكيل مرجعيتهم هو الأخطار الكبيرة التي تحيط بهم من كل جانب وصوب ، ومن بينهما خطران ماثلان فوق رؤوس غير المسلمين في العراق ، ألاول هو خطر إسلام الدولة الرسمية ، والثاني خطر إسلام دولة القاعدة الإفتراضية والتي تسعى بواسطة السيف والإرهاب الى إقامت بديلها الوهابي المتزمت بدون إبطاء. فالخطر الأول الذي يمثله إسلام الدولة الرسمية سيأخذ مداه على المدى البعيد ، وقد لا يرتبط بالضرورة بحكم السيف بل يرتبط بالوتيرة التي تترسخ بها أسس حكم الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية في مركز الدولة العراقية في بغداد وفي مجالس بقية المحافظات العراقية الأخرى وفرض بديلها الإسلامي على الحياة الإجتماعية في مناطق حكمها بعد أن وفرت لها صناديق الإنتخابات الغطاء الشرعي لهذا البديل وما تفرضه من قائمة طويلة من الممنوعات والتحريمات التي لا تميز بين المسلمين وغيرهم كفرض الحجاب الإجباري على النساء ، واحكام أخرى تطال الجانب الذوقي في الحياة كتحريم الموسيقى والغناء والمسرح الكتابة ماعدا الكتابة الدينية وسائر الفنون الأخرى والرياضة ، ومنع حرية النقد والكتابة باعتبارها بدعاً إلجادية ، وتشكيل دوريات ميدانية تسمى هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمتلك صلاحيات مطلقة في إنزال العقاب بدون العودة الى المحاكم أو في تطبيق الإجراءات القانونية ، أي بعبارة أخرى فرض ثقافة إسلامية غريبة عن البيئة العراقية وذات أنماط متشددة من السلوك والتفكير الذي يلغي مبدأ التعددية المتعارف عليه في العراق ، وسيكون غير المسلمين أول ضحاياه فلا يستطيع غير المسلمين مزوالة نشاطاتهم الدينية والسلوكية بحرية ، وإن مارسوها فسيعتبر ذلك خرقاً لأعراف المجتمع وتحدياً لقوانينه الإسلامية، وسوف يصبح من المستحيل في ظل هذه الظروف أن يعيش غير المسلمين ظروفاً من الرقابة الدينية المشددة ، وسيضطرون للهجرة الى خارج العراق في نهاية المطاف . ومن المضحك المبكي ما يتبجح به قادة الأحزاب الإسلامية الحاكمة كذباً باحترامهم للأديان الأخرى في المجتمع ، في حين تبين الحقائق تناقض مايقولونه جهراً ونفاقاً في وسائل الإعلام ، ولنا في مأساة المندائيين العراقيين أكبر مثل على ذلك ، فلم تنفع قرون من الجيرة والتاريخ المشترك بينهم وبين المسلمين أن تكون كافية لهذه الطائفة المستضعفة كي تعيش بسلام في مناطقها التاريخية في جنوب العراق جنباً الى جنب مع الشيعة الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مظلومين الى وقت قريب، فتعرضوا للإستخفاف بمعتقداتهم والترهيب والإبتزاز والضغط عليهم في مناطق عملهم وسكناهم في جميع مناطق العراق ، وكان نتيجة ذلك أن هاجر معظمهم العراق ، بلدهم التاريخي الذي عاشوا فيه قبل مجئ الإسلام اليه. أما الخطر الثاني فيتمثل في خطر نموذج الدولة الإسلامية الوهابية الأصولية ، وهو خطر آني ماحق على الشيعة المسلمين وعلى غيرالمسلمين معاً . فالتفسير الأصولي الوهابي لأحكام السنة يضع المسلمين الشيعة في منزلة أوطأ بكثير من منزلة " الكفرة" المسيحيين والصابئة وغيرهم ، ولا يرى غير السيف بديلاً للتعامل معهم بدون إنتظار، بل ويعتبر ذلك من الإعمال التي تقرب المؤمنين الى الله ، وهذا ماقامت به القاعدة بعد أن سيطرت على الأنبار حين استعملت السيف ضد الشيعة والصابئة في هذه المنطقة ، وفي جميع المناطق التي وصلت إليها.

وبناء على ذلك فإن الدرس الذي يمكن إستخلاصه من علاقة الإسلام السياسي المتشدد بمختلف أفرعه الحاكم والأصولي المعارض بغير المسلمين هو أن قواعد العلاقات التقليدية السائدة بين المسلمين وغيرهم حتى اليوم قد تغيرت واصبحت لا تستند بعد اليوم الى وثائق ملزمة مكتوبة كالدستور مثلاً ، بل تنطلق من قوانين عرفية آنية ، غير مكتوبة لاتعير اية أهمية لإعتبارات الدستور والتاريخ المشترك وحقوق المواطنة والجيرة الجغرافية ، فلا التاريخ المشترك ولا الجيرة التاريخية ولا حق المواطنة بكافية بعد الآن لأن تكفل لغير المسلمين حقوقاً تضمن لهم ظروف العيش الكريم في بلدهم الذي يقدم بديلين أحلاهما مُر ألا وهما الهجرة أو السيف. وبناء على ذلك فإن قيام مرجعية موحدة للمسيحيين العراقيين هو مطلب لا يقبل التأجيل مطلقاً ، مرجعية تتوجه الى الرأي العام العالمي ومطالبته بوقف تعدي المتأسلمين في العراق ، والعمل بكل طاقة من أجل استصدار قرار دولي بحماية المسيحيين كما فعلت في دارفور. لقد حان الآوان لأن يرفع المسيحيون شعار " حماية دولية للمسيحيين في العراق " ، وحقهم في اقليم خاص يتمتع بإدارة محلية.
أن العقدة في مشروع الحكم الذاتي للمسيحيين هو ظهوره في منطقة تتوزعها تجاذبات سياسية محلية واقليمية قوية بحيث لايمكنهم وحدهم أن يواجهوا كمية التحديات بدون أن يفرضوا على الآخرين القبول بمبدأ المشاركة المسيحية. وما يتوجب على الآشوريين والكلدان والسريان القيام به عمله كيلا يتم إلتهمامهم من قبل الضباع السياسية في العراق هو:
1. الدعوة لتشكيل هيئة عامة لإدارة العمل الآشوري الكلداني المشترك تعمل وفق برنامج وطني شامل ذو ضوابط عامة وقواسم مشتركة لجميع الطوائف والأحزاب والحركات السياسية في العراق ، وتضم أيضاً المثقفين والسياسيين ورجال الدين والمستقلين وغيرهم ينبثق عنها مكتب سكرتارية منتخب يمثل الذراع التنفيذي للهيئة ، وهو خاضع لها وليس العكس وليس بالضرورة أن يكون للمكتب رئيس تجنباً للإشكاليات ويستعاض عنه بناطق رسمي أو ممثل.
2. تتحرك هذه الهيئة على الأصعدة الخارجية والإتصال بالرأي العام العالمي ، وطرح قضية الشعب المسيحي ، وعرض تاريخ المظالم التي تعرض لها عبر التاريخ وتطالب بقرار رسمي من الأمم المتحدة بالحماية الدولية للمسيحيين العراقيين وحقهم في الوجود .
3. يكون الحافز الوطني والإستعداد للتضحية من أجل قضية الشعب الكلداني والآشوري والسرياني هو المعيار الوحيد الذي يتساوى فيه الجميع سياسيين كانوا أو مثقفين أو مستقلين ، وليس من حق أي طرف أن يعلن أو يفرض نفسه قائداً أو ممثلاً لمجموعة ، وينبغي بالهيئة أن يكون عملها علنياً وشفافاً ويبتعد عن كافة أشكال التحزب والتكتل ، ولكل عضو صوت واحد بغض النظر عن قيمته التمثيلية.
4. من أجل ضمان جماعية إتخاذ القرارات تتخذ جميع القرارات بالإجماع ويكون لجميع أعضاء الهيئة الحق في نقض القرارات.
5. من أولى مهمات هذه الهيئة العامة هو صياغة برنامج وطني آشوري كلداني سرياني شفاف وواضح وذو قواسم مشتركة تمثل طموحات الشعبين الآنية والبعيدة ، ويطرح هذا البرنامج للجمهور لمناقشته وإبداء الرأي فيه من خلال كافة الوسائل الإعلامية المتاحة.


 


 

Counters

 

أرشيف المقالات