| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 22/3/ 2008

 


تفرقنا الطائفية ... فيوحدُّنا المسيحيون !!

فالح حسون الدراجي - كاليفورنيا
falehaldaragi@yahoo.com

في كل مرَّة، وعلى طول وعرض التأريخ العراقي، يتصدى المسيحيون العراقيون لعوامل التفرقة، والتناحر الوطني بقوة، فيوثقون أواصرالوحدة، ويشدون روابطها المتراخية، سواء بوعيهم وإرادتهم، أو بالصدفة، أو ربما يحصل بسبب ظرف خارجي طاريء، لم يكن قد تمنوَّه !!
فيأتي تدخل المسيحيين العراقيين في الوقت المناسب، وفي الظرف المناسب أيضاً، فيقومون بدورهم التأريخي على أحسن وجه، وكما ينبغي، ويراد له أن يكون.
ولو تجاوزنا ذكركل مواقف المسيحيين العراقيين المتسلسلة عبرمراحل التأريخ المتعددة، وحصرنا الأمر في موقفين وطنيين مضيئين للأخوة المسيحيين، كانا قد حصلا خلال هذه الفترة، لما لهما من دلالات، وإشارات كبيرة، رغم مرارة أحدهما، لعرفنا أهمية الفعل الوطني الوحدوي الذي تحقق على يدهم، ففي أقل من ثلاثة أشهر، تألق المسيحيون العراقيون بجمال نفوسهم المشعة، فأرتقوا بوطنيتهم على كل ضغائن وأحقاد طائفيتنا المقيتة، ليشيدوا جداراً وطنياً شامخاً مسلحاً بالمحبة والوحدة والأنتماء العراقي الأصيل، ولينقذوا الموزائيكية العراقية النموذجية التي نفخر بها من آفة التآكل، والتشويه.
ففي المرة الأولى، وفي لجَّة التجاذب الطائفي، والتناحر التحاصصي البغيض، وتحديداً قبل ثلاثة أشهر، أوأقل بقليل ، أصطف العراقيون (من كل حدب وصوب) بسعادة وفرح غامرين خلف غبطة (بطرياكهم)عمانوئيل دلي ليرتقوا معه الى مقام الكاردينالية السامي، معتبرين هذا التكريم تكريماً لهم، ولعراقيتهم جميعاً، سواء كانوا مسلمين شيعة، أو سنة، أوكانوا مسيحيين كلدانيين، آشوريين، سرياناً، أوكانوا من الأحبة الصابئة والمندائيين، أو كانوا من أهلنا الأيزيديين، إذ أعتبر العراقيون تكريم غبطة البطريارك بمثابة التكريم والتقديرلكل عراقي، وعراقية، وليس لرجل دين مسيحي، كلداني واحد فحسب، لقد فرح العراقيون بصدق، وتباهوا أمام العالم بفخرحقيقي حتى كنا نرى الفرحة على وجوههم ،بخاصة وقد رأى هذا العالم تشكيل الوفد الرسمي والشعبي العراقي المنوَّع، الذي رافق غبطة الكاردينال الى الفاتيكان ليشارك العالم في واحدة من أروع الكارنفيلات الباهرة في التأريخ الكنسي، والبابوي، فقد ضم الوفد العراقي نماذج مختلفة، ومنوعة من جميع الألوان، والأديان، والطوائف، حتى لاحظ المراقبون أن الشارع العراقي المتوتر قد أستقر تماماً، وظهر إن معدل العمليات المسلحة، والعنيفة أنخفض جداً خلال فترة الترسيم ( اللهُمَّ الاَّ عمليات تنظيم القاعدة)!! والسبب في ذلك، هوأن تنظيم القاعدة تنظيم خارجي أجنبي طاريء على الحياة، والثقافة العراقية.
ولا أبالغ لوقلتُ، بأن المسلحين العراقيين قد نسوا أسلحتهم، أو لنقل، بأنهم قد ركنوا هذه الأسلحة جانباً، ولولفترة مؤقتة كما توقف المحاصصون عن محاصصتهم المستعرة أيضاً، وأغفل النواب المختلفون إختلافاتهم مؤقتاً، حتى يقال بأن بعض الشوارع، والمناطق، والمدن الساخنة قد وضعت كل أسباب، ودوافع السخونة في ( ثلاجة ) هذا الترسيم المفرح لغبطة الكاردينال العراقي الجليل، فألتقط العراقيون أنفاسهم المتقطعة، وبمعونة رجال القوات المسلحة البواسل وجهود خطة فرض القانون بقي هذا الحال الجيد لفترة غيرقصيرة!
حتى تعدى بكثيرالفترة المخصصة لأفراح الترسيم البابوي. وهكذا وقف المسيحيون العراقيون - وبواسطة الكاردينال - عمانؤيل دلي، وفرحة ترسيمه الى جانب الوحدة العراقية، فحققوا ماعجزعن تحقيقه الكثيرمن قادة الدول، والحكومات والمؤسسات، والمنظمات العربية، والعالمية ، حيث تمكنوا من أطفاء نارالطائفية، وتأجيل الكثيرمن المعارك المحتملة.
بعد تلك ( الصحوة ) الحقيقية، والأنفراجة الباهرة، والتوحد الجميل خلف غبطة الكاردينال، وبعد مرور بعض الوقت على ذلك الهدوء المفرح، عاد المسلحون العراقيون لحمل أسلحتهم ثانية، وعاد المتحاصصون لطرح محاصصاتهم الكريهة مرة اخرى، كما رجع البعض ( منهم ) الى وحل الطائفية القذرالآسن، فعاد التوترلبعض الشوارع والمناطق وعاد اليأس لبعض النفوس القلقة، على الرغم من نجاحات خطة فرض القانون، التي لايمكن لأي مراقب محايد، أو حتى منحاز أن ينكرها، أو يتغافل عن رؤيتها، وفي وسط هذا التوتر، وهذه التهديد الطائفي، إنبرى أهلنا المسيحيون
مرة أخرى لممارسة دورهم الوحدوي والحضاري الذي أطلعِّوا به تأريخياً، ولكنه جاء مختلفاً هذه المرة عن كل المرات السابقة، فقد أدوا اليوم - وعبردمهم المقدَّس- فعلاً وطنياً وحدوياً عظيماً، بعد أن جاءت الفرصة التأريخية (رغم قتامة لونها ) للعراقيين، لكي يتوحدوا، ويتجمعوا خلف دماء المطران الشهيد بولص فرج رحو، وليتخندقوا متوحدين كلهم بالفجيعة خلف هذا الدم الطاهر، ولكي يلقوا أسلحتهم جانباً - نتمنى أن لايكون الأمرمؤقتاً أيضاً – فعاد الهدوء، والأمن طيلة أيام الأسى التي أعقبت إستشهاد إبن العراق، وأبي العراقيين الشرفاء المطران بولص رحو، وهذا دليل قاطع على أن العراقيين - وإن إختلفوا وتقاتلوا- يظلون أخوة وأحبة، ماداموا قد رضعوا من ثديي الفراتين، وأكلوا رغيفاً شريفاً واحداً، وتنفسوا هواء بغداد ( العذيبي ) الذي لاهواء في الدنيا يشبه هواءه..!!
لقد فجع كل العراقيين بإستشهاد إبن العراق المطران رحو، وبكى أغلب العراقيين على رحيل هذا الرجل العظيم، كيف لايبكوه، وقد خطب في أربعينية (الشهيد الأب رغيد) فقال:
لانترك العراق حتى لوكلفنا حياتنا، فالعراق عراقنا جميعاً، وهذه الأرض المقدسة أرضنا جميعاً، ولن تستطيع كل قوى الأرهاب، على أخراجنا من هذه البلد المبارك، والجميل...
وبعربية فصيحة، سليمة، صافية، يحسده عليها اللغويون، ، وبشجاعة نادرة تحدى المطران كل أعداء العراق من إن ينالوا من هذا البلد العظيم، مثلما تحدث بحب وجمالية أخاذة عن وحدة المصيرالعراقي، وأخوَّة العراقيين جميعاً، ولكي يبقى الرجل خالداً الى الأبد، فقد أوصى أهله وصحبه، وكل المؤسسات التي يعلم، بأنها ستدفع الغالي، والنفيس من اجل إنقاذ حياته الغالية، أوصاهم جميعاً بعدم الرضوخ والتنازل للأرهابيين - وهو بين أيديهم- وبعدم دفع الفدية مهما كانت هذه الفدية - فيا لهذه الشجاعة، وهذه لبطولة الفذة - ؟!
أعود لعنوان المقال فأقول : لقد دفع المسيحيون العراقيون، - وبدم مطرانهم الجليل- ثمن وحدة شعب العراق، وفدية رأس العراق، مكمليِّن بذلك الدورالذي بدأوا به منذ مطلع التأريخ، حين صنعوا لنا حضارة (رافدينية) عظيمة، وحين جمَّلوا لنا الثقافة والتأريخ، والحياة العراقية بجمال نفوسهم، وروعة خلقهم، وملاحة وجوههم المقمرة أبداً.
ولتأكيد هذا التوحد، وهذا الحس الجمعي الوطني، فقد فرح العراقيون اليوم صغاراً وكباراً، وهم يسمعون بنبأ القاء القبض على أحد المجرمين الضالعين بإختطاف المطران الشهيد بولص فرج رحو، مطالبين، ومتمنين بأن لايتدخل، أو يضغط (البعض) من المسؤولين على الحكومة، فيطلق سراح هذا المجرم كما اطلق سراح الآلآف من المجرمين، والقتلة قبل أيام،لأن هذا الأمرمختلف تماماً، فقضية الشهيد المطران، هي قضية وطنية جمعية، تقع خارج المحاصصة وخارج حسابات المصالحة، والمصالخة أيضاً..!!
فجميع العراقيين يطالبون اليوم بالقصاص العادل من قتلة هذا الرجل الكبير، ولا أظن بأن الشعب العراقي سيتساهل في هذه القضية، فيعذرمن يخطأ ، أو يتهاون بهذا الأمر، وهنا نقترح على الحكومة العراقية الموقرة نقل هذا المجرم المتورط بإختطاف المطران الشهيد الى بغداد حالاً، ودون تأخير، لكي لايباع المجرم في سجن بادوش في الموصل، او في أحد مراكز الشرطة في نينوى، وما اكثر عمليات البيع والشراء التي حصلت في بادوش، او مراكز شرطة الموصل، مع تقديرنا العالي، والكبير لقوات الفرقة الثانية البطلة، ولقوات الأمن في محافظة الموصل على نجاحهم بألقاء القبض على هذا المجرم السافل، وبوقت مناسب... !!
وإذا كان العراقيون قد إصطفوا بفرح، وفخر، وتباه أمس، خلف ترسيم غبطة الكاردينال عمانوئيل دلي، ثم إصطفوا بحزن وألم كبيرين خلف دم شهيدهم الكبيرالمطران بولص فرج رحو، فإنهم إصطفوا اليوم بفرح وسروركبيرين خلف بشرى نبأ إعتقال أحد المتورطين بدم الشهيد المطران، كما سيصطفون غداً، وبعد غد خلف رمز آخرمن رموزعراقنا الكبير، فألف شكرلكل مسيحي عراقي ومسيحية عراقية، ليس لأنهم أعطوا للعراق أروع ما يمكن أن يعطى، وليس لأنهم ثبتوا كالجبال الباسقة في أرض آبائهم، وأجدادهم فحسب، بل ولأنهم لم يغيروا شيئاً من ديدنهم، وإستثنائيتهم التأريخية، وهم يؤسسون لحضارة من أعظم الحضارات في التأريخ، أو، وهم يجدِّدون بحب لهذه الإستثنائية كل يوم، رغم أصعب الظروف وأشدها، فيظلون كما كانوا مميزين، وباهرين، رغماً عن أنوف الظلاميين، والطائفيين والأرهابيين، وسكنة الكهوف المظلمة، ورغما عن الأعداء الوهابيين، ( وغصباً على خشم اليرضه والمايرضه )؟!

 

Counters

 

أرشيف المقالات