نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 22/5/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

(بغداديات )
 

( دفتر عبد كور )
 

بتوقيع : بهلول الكظماوي

e-mail:bhlool2@hotmail.com

 

قصّة عبد كور الواردة في سلسلتنا ( بغداديات ) لهذا الاسبوع موثـّقة من قبل أخي و عزيزي ألاستاذ ( أبو ليث المغازجي ) كما يرويها المرحوم والده الذي شهد أحداثها و وقف على تفاصيلها المدوّنة ادناه :

عبد كور هذا صاحب ( كهوه ) مقهى في منطقة الفضوة في الكاظمية سنيّ الأربعينات أيام الحرب العالمية الثانية .

أما لقب عبد الكهوجي ( كور ) , فكلمة = كور = تعني باللغة الكردية الأعمى أو كفيف البصر , وكذلك الحال في اللغات الايرانية و التركية و الاوردية .

إذن كلمة عبد كور تعني : عبد الأعمى , ولربما كانت لقباً لوالده أو جده .

و المعروف عن أصحاب المقاهي و خصوصاً ( كهوة الطرف ) انهم عندما يلبّون طلبات زبائنهم من الشاي او القهوة و بالاخص لأصحاب المحلات التجارية و الكسبة في مناطقهم يسجّلون ما يرسلونه لهم من طلبات في دفتر يؤشّرون فيه حساباتهم , وبعد انتهاء النهار أو انقضاء الاسبوع يتحاسبون مع زبائنهم على مجموع ما أرسلوه لهم من طلبات .

و عليه كان دفتر عبد كور معدّا لغرض تسجيل طلبات ( المعاميل ) الزبائن قبل أن يتحوّل الى سجل احصائي لجرد خسائر ألالمان في الحرب العالمية الثانية ,إذ كانت إذاعة الحلفاء تبث البيانات تلو البيانات بأعداد الألوف المؤلّـفة من الجنود الألمان الذين يسقطون تباعاً قتلى بسبب قصف الطائرات الحربية المتحالفة يومياً .

كان راديو عبد كور من نوع ( سيرا ) من الحجم الكبير موضوعاً على رف كبير في مكان بارز من المقهى , وكلما أصدرت إذاعة الحلفاء بياناً عن تعداد لقتلى الألمان كان عبد كور يفتح دفتره و يسجل فيه ( شخطاً ) خطّـاً واحداً لكل الف قتيل منهم , وحينما تتجمّع أربعة خطوط متوازية كان يقفلها بخط مائل ( مثل ما يفعله لاعبوا ألد ومنه بلعبة الآزنيف ) : أي يتكوّن عنده كل مربع من أربعة خطوط مقفولة بخط مائل , يتكون ذلك المربع من خمسة آلاف قتيل ألماني بيد الحلفاء وعلى رأسهم الإنكليز , حيث كانت بريطانيا التي تسمى عظمى آنذاك تتصدر هؤلاء الحلفاء ضد دول المحور التي كانت ألمانيا على رأسهم .

و هكذا استمرّ عبد كور على تدوينه لقتلى الألمان في دفتره الخاص بزبائن مقهاه ولما نفذت صفحات الدفتر و لم يعد بها مجالاً للتدوين اضطرّ ان يشتري دفتراً آخراً ليستمر في تدوين قتلاه , و لم تمض ايام الا و نفذ الدفتر الثاني ثم الثالث ..... و أخيرا بعد أن ملّ صاحبنا من التدوين أخذ يسأل الناس العارفين بالسياسة و الجغرافيا عن عدد نفوس ألمانيا , فتبيّن له أخيراً أن أعداد القتلى الذين دوّنهم في دفتره يفوق عدد سكان ألمانيا آنذاك .

عندها هرع صاحبنا عبد كور إلى بيته فخلع ملابس عمله و ارتدى ملابسه الفاخرة التي تليق بمقامه و وجاهته واعتمر ( جراويته ) لفّـة رأسه و رجع الى مقهاه ليأخذ دفاتره التي احصى فيها قتلى الالمان ,ثم استأجر سيارة توصله الى الشوّاكه حيث مقر السفارة البريطانية في جانب الكرخ من بغداد , وطلب مقابلة ( الصاحب ) السفير الإنكليزي لأمر هام و غاية في الخطورة .

و ما هي الاّ لحظات و يسمح له بمقابلة ( الصاحب ) السفير الذي استقبله هو بدوره بكل لهفة و حفاوة منتظراً منه ( أن يبيضها للدرّة ) يبوح بالسرّ الخطير الذي جاء من أجله .

و عندها أخرج عبد كور دفتره من طيّات ثيابه ليعلن للسفير الإنكليزي بعدم جدوى الاستمرار في الحرب و هدر كلّ كميات الوقود هذه التي تستهلكها طائرات الحلفاء و تبذير كل هذا العتاد الحربي على الارض الالمانية التي هلك كل شعبها و لم يعد أي بشر يعيش على تلك الأرض .

وعندها ارتاح السفير البريطاني لما ضنّه بالامر الخطير الذي يهدد بريطانيا العظمى , ثمّ التفت بعدها و قال لعبد كور : احسنت و بارك الله لك , لقد اتيتنا بالخبر اليقين و الرأي السديد و سنعمل بنصيحتك و سنوقف الحرب , ثم اخرج من خزانته ( نوط ابو العشرة ) ورقة نقدية ذات العشرة دنانير ( وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت ) و قدمه هدية إلى عبد كور وأخذ منه دفتره و قال له : أرجوك لا تتحدث مع أحد بهذا الموضوع الخطير الذي يتوقف عليه سلامة التاج البريطاني .

وألان عزيزي القارئ الكريم :

يا ترى لو قدّر لعبد كور ان يأتينا اليوم بدفتره ليسجّل عليه ملاحظاته لما يدور في العراق اليوم من أحداث , فيا ترى ماذا سنجد قد سجّل في هذا الدفتر؟ :

حتماً سنجد الحلفاء اليوم و مخابراتهم قد ألقت القبض على عشرات الآلاف من أتباع ابن لا دين و أبو مصعب الامريكاوي ( عفواً الزرقاوي ) أودعتهم في مضايف ابناء العم لتطلق صراحهم لعدم ثبوت الادلة ضدهم بعد قضاء فترة من الراحة و الاستجمام .

سنجد انهم القوا القبض على اكثر من ألف أمير من امراء الجهاد الذبّاحين على الطريقة الإسلامية .

انهم القوا القبض على اكثر من عشرة سواق و اكثر من سبعة حلاقين إضافة لعشرات المساعدين و البوابين لابي مصعب الامريكاوي و ...و.... الخ .

حقّاً انّه لجيش عرمرم لا يقوى على إحصاء عدته و عديده غير دفتر الكهوجي عبد كور .

عزيزي القارئ الكريم :

كل هذا الجيش العرمرم من الاعضاء و الامراء و السواق و الحلاقين و المساعدين الذين ورد ذكرهم اعلاه ليسوا بموضع اهتمامي بقدر ما انا احرص على ان يكون دفتر عبد كور يحتوي على أسماء ممثليهم و مندوبيهم الذين تسللوا الى مجلس النواب العراقي الجديد , و عسى ان لا يكون قد فرضهم السفير زلماي المحارب للإرهاب جداً جداً على الوزارة الجديدة ؟

و دمتم لأخيكم بهلول الكظماوي .

ملحق مميّز :

( فجران دم )

بالوقت الذي تغمرني فيه الغبطة و الفرح و السعادة والسرور وانا اتابع الفضائيات و هي تبث صوراً حيّة لمراسم تشكيل أوّل حكومة حرّة منتخبة يشهدها العراق , بنفس هذا الوقت نشاهد العشرات من مجاهدينا عفيفي النفوس الأبطال ( الكادّين على عيالهم ) في مدينة الصبر و البطولة , مدينة الصدر المجاهدة , حيث كمن لهم القتلة بعد صلاة الفجر وهم ينتظرون دورهم ( في مسطر العمّالة ) عسى من يأخذهم للعمل عمالاً في أعمال البناء و بذلك يتمكّنوا من توفير قوت يوم واحد لعيالهم , وإذا بأولاد الحرام يداهموا أبنائنا العمال أولاد الحلال و يفجّروا أجسادهم الطاهرة بمتفجّرات حقدهم الدفين على الابرياء العزّل من العراقيين .
ومن عادة العراقيين إن من يكمل بناء بيته الجديد أو يشتري سيارة أو يتزوج يذبح لبيته أو سيارته أو زوجته ما يسميه اهلنا في العراق ( فجران دم ) قرباناً لوجه الله تعالى , وبذلك جاء استشهاد أبناء مدينة الصدر المجاهدة ثم منطقة الكرادة والشعلة والشعب ومن بعدها بغداد الجديدة وحي الامين , جاء استشهادهم ( فجران دم ) قرابين للدولة الجديدة .
و نحن إمام هذه الفاجعة لا يسعنا الاّ ان نقول : ألهمّ تقبّل من شعبنا هذا القربان , واجعله خاتمة السوء و الاحزان , مردّدين مقولة سيدنا و مولانا الصحابي الجليل سعيد بن الجبير ( رض ) وهو يشهد آخر لحضات حياته قبل أن يقضى مقتولاً شهيدا على يد الطاغية الحجّاج : الهمّ لا تسلّطه على أحد من بعدي .
و نكرّرها : الهم بحق عزتك و جلالك لا تسلّط هؤلاء أولاد الحرام القتلة على أحد من ابناء شعبنا من بعد شهداء مدينة الصدر و الكرادة و الشعلة و الشعب و حي الامين و بغداد الجديدة !
الهمّ بحق عزتك و جلالك انصر حكومتنا الجديدة و سدّد خطاها و اهدها إلى سواء السبيل حتّى تستطيع أن تفي بوعودها لعزّة ورفاهية شعبنا العراقي المظلوم و مكنها من دحر ارهاب اعداء شعبنا و لتأخذ بثأر شهداء هذا الشعب .
الهمّ وفّقها لمحاربة الفساد و لتحقّق لشعبنا الاستقلال التام و القضاء على آخر آثار الاحتلال الغاشم .... آمين يا رب العالمين .


امستردام في 22-5-2006