| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأثنين 22/12/ 2008

 

عودة العاشق الكندي (ماليبو) الى حبيبته في أهوار العراق

سعد عباس حمادي
Abo_suozan@yahoo.com

عندما طلب مني الزميل الصحفي والإعلامي جواد كاظم إسماعيل أن أشارك في رفد ملف الاهوار هذا التراث البيئي العريق وقفت متحيراً وأنا لا اجيد كتابة المقالات أو القصص بأنواعها خوفا من الانزلاق في عدم تبويب المقالة من حيث المقدمة والمتن والخاتمة والتي اعتبرها قيوداً لحرية الكاتب ولذائقة الأدب والإبداع المتحررة من الساحة الثقافية ونزولا عند رغبة الزميل أخذت أفكرُ من أين أبدأ لأكتب عن هذا التراث البيئي المعطاء المتجدد ذو الطبيعة الخلابة حيث الطيور والأسماك والمياه والإنسان والثائر العنيد ورائحة البارود الممتزجة برائحة الخبز والقصب الشامخ المتحدي وأغاني الحب وجراحات الزمن القاهر.
أنها بونوراما السماء ، لا اعلم هل أني اكتب قصة ً قصيرة ً أم مقال أم أني خرجت عن المعتاد اسمح لنفسي واعتذر من الآخرين .
في كل خريف من كل عام كان العاشقان يلتقيان في اهوار العراق ويتهامسان حديثاً عشقياً تحت القصب و البردي وأوراقهما الخضراء ونغم المياه الهادئ التي تناغي جراحات ( المشحوف ) * ورائحة الشاي المنبعثة من أباريق الثوار وصوت زفير حاد لمجاهدٍ يشكو ألم الجراح وبقايا رائحة البارود وأناشيد للثورة وأصوات الديكة ورائحة الخبز المنبعثة من التنور. عالم مليء بالحب والغضب الثوري.

كان الماليبو ( البط الكندي ) يقطع آلاف الأميال باحثاً عن الدفء والحب والغذاء الغرامي والتي كانت طيور الماء السيبيريا التي سبقته الرحلة المتعبة تنتظر فارس أحلامها بشغفٍ ولهفةٍ .
الماليبو طائر كندي يهجر موطنة الأصلي من أصقاع القطب المنجمد طالب الدفء والحنان والغذاء في ارض المحبة والجمال ارض العراق ارض الاهوار ويجدد العهد لذلك الحبيب السيبيري (طيور الماء ) .
يقطع هذا الطائر آلاف الكيلومترات متحدياً هذا البعد من شمال الكرة الارضية الى غربها نحو المسطحات المائية الدافئة ويتحمل الاضطهاد البشري وهو في طريقه نحو العراق من اجل ذلك الحب الأسطوري اذ يتعرض إلى عمليات ابادة جماعية عندما يهبط في بعض المزارع التي في طريقه للاستراحة والتزود بالماء وشيء من الغذاء والتجمل والتزين لعشيقته بسبب الجوع وعناء الرحلة الذي رافقه أثناء رحلته الطويلة الشاقة الجميلة.

وهكذا ومنذ آلاف السنين يتجدد ذلك اللقاء الرومانسي وتتجدد معه الأحلام والأمنيات ويعود كل إلى وطنه ويحمل معه حكايات للصغار عن الدفء والغرام وأشعة الشمس ورائحة السمك المشوي وقصائد مظفر النواب وبكاء الأطفال وصمود الثوار.

وفي خريف عام (1986) عاد الحبيب الكندي إلى ارض العراق ارض الاهوار بعد أن أضناه التعب والذي سيزول بمجرد ملاقاة الحبيبة لكن تفاجأ لا مياه ولا حبيبة ولا ثوار ولا اغاني ثورية ولا احد يناغيه بل بقايا لهياكل عظمية لحيوانات مائية وإطلال لتنانير هجرت قبل الهجرة النبوية وأصوات كزئير الأسد تصدر من القصب الجاف الذي انحنى في غفلة من الزمن بسبب الدمار والكارثة التي تعرضت لها مياه تلك الاهوار حيث جففت واغلقت السدود وهجرت الأرواح وارتحلت الطيور والحيوانات نتيجة السياسات الهمجية من قبل النظام البائد لقد دمر هذا التراث الإنساني الحضاري الذي قل نظيره في الشرق الأوسط وغرب آسيا . أنها مأساة لم تشهدها البشرية .

لقد بقي طائر الماليبو حزيناً هل رأيت طائراً يبكي ، لقد بكى ماليبو وأَنَ أنين الفاقدين اذ تصور انه لن ير حبيبتهُ الى الأبد . ربما يستغرب البعض أن مثل هذه الطيور تشعر بأن ارض العراق ملاذٌ آمن لها وأحضان دفء ، إنها ملاذ العاشقين ، هذه هي ارض العراق وهذا هو شعب العراق المضياف حتى للطيور المهاجره.
وبقى الطائر الكندي يئن سنيناً طوال ويعيش أحلام الماضي ويصرخ في كل خريف صوب العراق صوب الحب صوب الحنان.

وفي خريف 2004 أحس قلب طائر الماليبو أحساسا غريباً لم ينتابه من قبل ، أن حبيبته قد غادرت إلى ارض العراق ارض الاهوار فقد بدأ غمر المياه لهذه الأراضي الجافة واستعاد ملاذ العاشقين عافيته وتدفقت المياه في العروق وعاد الحبيبان يتحدثان تحت ظلال أعواد البردي ، انبعثت للتو من جديد يتحدثان عن الأيام والسنين العجاف وعن ذلك الشبح المتمثل برجل ارعن افسد سعادتهما وحرمهما دفء وحنان الهور وتعاهدا أن لا يتفارقا أبدا وهما يستمعان لصياح الديكة ذات النغم السومري.
ونحن نقول لكل طيور العالم التي تبحث عن الدفء والأمان والعشق والغذاء هلموا إلى ارض العراق واهوار العراق لقد هرب الظلام وعادت المياه .
ولكن متى يعود الإنسان ويستعيد عافيته ويتمتع بنعيم هذا التراث الذي صنع القسم الأكبر منه بيد ذلك الجيل الذي عانى من هول الظلم والسياسات التعسفية طوال أربعين عام ، عُطشَ وشرد واُعدم.

لنرفع الظلم والجور عن ذلك الصامد النبيل لمياه الهور .
ولتعود البسمة لام الشهيد وزوجة الشهيد وابن الشهيد ولتضمد جراحات أبناء الهور .
لنبني للأطفال رياضهم و للتلاميذ والطلبة مدارسهم وللشباب نواديهم وللشيوخ رفاهيتهم وللمرأة المظلومة سعادتها وللثائرين مجدهم وللشهداء نصيبهم وللأرض حقها وللبيئة معالمها وللطيور والحيوانات أمنها .

أنها مطاليب دعى إليها أناس من قارات بعيدة عن العراق لكنهم قريبون من الإنسانية .
وكلنا أمل بأن الأيادي النظيفة والمخلصة والصادقة لهذا الوطن سوف تمد إلى ارض الاهوار وتشيد جنات عدن تضاهي جنان العالم لتتباهى بها الأجيال القادمة . ويقام فيها نصب يجسد ملحمة ثوار الاهوار.

*
المشحوف : زورق طويل للتنقل بين القصب والبردي
 

العراق /ناصرية
 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات