| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 23/7/ 2008



من وثائق وزارة الخارجية البريطانية عشية ثورة 14 تموز 1958


السفير البريطاني في بغداد يكشف
عمق أزمة النظام الملكي ومخاوف من نشوء "وضع ثوري"

سلم علي

مقدمة:
اخترت ترجمة هذه الوثيقة، من بين وثائق الخارجية البريطانية عام 1958، وهي تقرير بعث به السفير البريطاني في العراق السير مايكل رايت، لأهميتها البالغة في تسليط الضوء على سياسة بريطانيا تجاه العراق الملكي في أيامه الاخيرة، عشية ثورة 14 تموز، ولانها يمكن ان تفيد الباحث الجاد في دراسة العوامل الخارجية، الدولية والاقليمية، التي أحاطت بالثورة منذ ايامها الأولى ورافقت مسيرتها، وصولاً الى دورها في وأدها في انقلاب 8 شباط 1963 الفاشي. ومعروف ان النفوذ البريطاني في العراق كان عاملاً حاسماًً في بقاء النظام الملكي وتصديه للضغوط والتحديات الداخلية والضغوط الخارجية على امتداد ما يقرب من اربعة عقود. ورغم الضربة الموجعة التي تلقاها هذا النفوذ في 14 تموز 1958، فان المسار اللاحق للأحداث في العراق يظهر انه لم يأفل بالرغم من تزايد الدور الامريكي في ظروف الحرب الباردة واحتدام المواجهة مع الاتحاد السوفيتي.
وتكمن اهمية هذه الوثيقة البريطانية في توقيتها )22 نيسان 1958)، أي قبل أقل من 3 أشهر على ثورة 14 تموز، وايضاً في طابعها التحليلي للوضع في العراق، وتوصيفها للأزمة السياسية المتعمقة للنظام الملكي وعدم شعبيته عشية الثورة، واخيراً كونها صادرة عن السفير البريطاني في العراق آنذاك، السير مايكل رايت.
وفي تحليلها لعوامل أزمة الحكم الملكي وتفاقمها، تشكل الوثيقة بحد ذاتها رداً على محاولات البعض، اللاتأريخية، لاعادة كتابة تاريخ العراق الحديث، وثورة 14 تموز تحديداً، عبر انتزاعها ووضعها خارج السياق التاريخي وإسقاط أحكام الحاضر بصورة تعسفية عليها.
ويهيمن على الوثيقة، بالرغم من تشخيصها الصائب لمصادر التهديد للنظام القائم واستقراره، على الصعيدين السياسي (غياب منافذ للتعبير الحر والنشاط السياسي والحرمان من الحريات السياسية..) والاجتماعي (الفقر الشديد ومشاعر الاحباط والتذمر وسط الفئات الوسطى..)، الاعتقاد بأن الخطر الأساسي لن يأتي من المعارضة (التقليدية) ورموزها، خصوصاً بعد توجيه "ضربات قاصمة" الى الحزب الشيوعي السري، او من الجيش ("لا يظهر أي علامات على القيام بذلك"!) طالما استمر تأمين مصالح منتسبيه. بل يرى السفير في تقريره ان التهديد الرئيسي مصدره العامل الخارجي، وتحديداً تدخلات الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر وتداعياتها المحتملة.
وهنا يبدو واضحاً ان "عقدة السويس" (في اعقاب الضربة الموجعة التي تلقتها بريطانيا إثر فشل العدوان الثلاثي على مصرعام 1956 في تحقيق اهدافه) كانت آنذاك (عشية ثورة 14 تموز) لا تزال متحكمة بتعامل وزارة الخارجية البريطانية مع اوضاع منطقة الشرق الاوسط. وربما لعب ذلك دوراً مهماً في حرف انتباه دبلوماسييها ومحلليها عن نشاط حركة الضباط الاحرار واستعدادتها الحثيثة لتفجير الثورة. ولا يعكس ما نشر حتى الآن من وثائق وزارة الخارجية للفترة التي سبقت الثورة وأعقبتها مباشرة ان أجهزة الاستخبارات البريطانية كانت تملك تقديراً مغايراً او استنتاجاً آخر. ويعزز ذلك ما عبّر عنه التقرير من ثقة بتحسن امكانات جهاز الامن التابع للنظام الملكي في العراق بفضل ما تلقاه من مساعدةبريطانيةبالتدريب والتجهيز بالمعدات.
ومع ذلك، من المثير للاهتمام ان السفير يناقش في تقريره احتمال نشوء "وضع ثوري" نتيجة تدخلات خارجية (قطع انبوب النفط العراقي عبر سوريا، وتأجيج المشاعر من قبل عبد الناصر)، ما يمكن ان يؤدي الى زيادة "استياء العراقيين من النظام بحيث يؤدي الى اسقاطه".
وهنا، في استنتاج يقترب من التنبؤ بدور محتمل للجيش وضباطه في حال نشوء مثل هذا "الوضع الثوري"، يستبعد السفير ان يلعب اقطاب المعارضة (التقليدية) المعروفين آنذاك "أي دور مهم". بل ان "الاحتمال الاكبر بكثير هو ان يخرج قائد من بين المثقفين او ضباط الجيش الاصغر سناً، من الفئات الدنيا للطبقة الوسطى على الارجح. ومثل هؤلاء القادة، بطبيعة الاشياء، يميلون الى ان يظهروا فقط في وضع ثوري، غير انه من المستحيل القول ما اذا كان يوجد بالفعل قائد ثوري محتمل"! ورغم الاطمئنان الى عدم وجود مثل هذا الوضع الثوري "في الوقت الحاضر"، فانه يقر بأن "الهدوء خادع بعض الشىء"!
ويعرض السفير المأزق الخانق الذي كان يعيشه النظام الملكي آنذاك، ويعبّر عن ذلك بالقول ان "تخفيفاً كلياً للقيود الحالية على حرية التعبير بالترابط مع انتخابات حرة كلياً سيؤدي في فترة زمنية قصيرة جداً الى حدوث فوضى وربما ثورة". وفي مكان آخر من تقريره، يعترف بأن "الآفاق بالنسبة الى النظام السياسي في العراق كنظام هي بالفعل قاتمة بعض الشىء".


ملاحظة:
جرت إضافة العناوين الفرعية لمساعدة القارىء على التقاط بعض اجزاء الوثيقة والتعرف بسرعة على مضمونها، وهي غير موجودة في النص الاصلي للوثيقة.

*******

السفارة البريطانية - بغداد
سري
الرقم 74
22 نيسان 1958

قرأت باهتمام كبير رسالة السير روجر ستيفنز، الرقم 20 والمؤرخة 17 شباط حول الوضع الداخلي في ايران وطبيعة المعارضة لحكومة الشاه. هناك اوجه شبه صارخة بين الوضع في العراق وايران، مثل العامل الذي ينطوي على مخاطر تفجر،المتمثل بمشاعر الاحباط السياسي في ظل نظام استبدادي، خصوصاً وسط الطبقة الوسطى المتنامية، بالاضافة الى الاعتقاد بوجود دور مهيمن، وشرير بالنسبة الى البعض، لبريطانيا. لكن توجد هناك ايضاً فروقات ملحوظة ترجع بشكل اساسي الى انتماء العراق الى العالم العربي. اعتقد انه ربما سيكون من المفيد اجراء تحليل مماثل للوضع في العراق.

المشهد السياسي
2-
اولاً وقبل كل شىء، ينبغي ان اعرض المشهد السياسي الذي يجب ان يجري على خلفيته النظر في وجود معارضة. ومن غير المرجح ان يطرأ تغيير كبير على ذلك بسبب تشكيل الاتحاد العربي مع الاردن، لان تركيبة الحكومة في ظل الدستور الجديد لن تكون مختلفة جداً عما كانت عليه في الاجزاء المكونة للاتحاد. ان الوضع الدستوري في العراق يشبه كثيراً ما كان عليه في المملكة المتحدة عند تسنم جورج الثالث العرش. فالسلطة السياسية تكمن في البلاط (استخدم هذه الكلمة كي أشمل الملك وولي العهد، اللذين لا يوجد بينهما أي مؤشر على تباعد)، ويتعين على البلاط ان يمارس دوره عبر السياسيينالمحترفين غير المنظمين في احزاب سياسية بل يدورون بالأحرى حول عدد أقل من القادة او القادة المحتملين، ويعتبر نوري السعيد أبرزهم. ان الولاءات التي تربط الجماعات معاً هي تلك القائمة على الصداقة الشخصية والصلة العائلية بدلاً من التمسك المشترك بعقيدة سياسية، باستثناء عقيدة من نوع عام للغاية، ويتوقف كل شىء على نيل رضا البلاط للحصول على المنصب. ويتولى الملك تعيين وإقالة رؤساء الوزراء، ولا يحتاج الى ايلاء اهتمام يذكر لمجلسي البرلمان، لان اعضاء مجلس الاعيان يعيّنون من قبله، فيما يجري اختيار النواب، بالرغم من انهم ينتخبون من قبل جمهور ناخبين اوسع مما كان عليه الحال في مجلس العموم قبل إصلاحه في بريطانيا، كمرشحين عبر عملية يلعب فيها تأثير النظام دوراً كبيراً لدرجة انه في الريف لا يجري التنافس الاً في انتخابات قليلة، وفي المدن يملك معارضو النظام فرصة ضئيلة جداً للفوز. لذا فان اختيار البلاط لرئيس وزراء ولزملائه الوزراء لا يقرره بشكل مباشر ما يجري في مجلس النواب (على سبيل المثال، لم تسقط أية حكومة اطلاقاً كنتيجة لتصويت معاد في المجلس)، او اعتبارات تتعلق بقوة الاحزاب. انه يتقرر بالأحرى استجابةً لأوسع الاعتبارات السياسية، بما في ذلك سلامة النظام نفسه، الذي لا تلعب فيه وجهات نظر الجزء الاكثر قدرة على التعبير من السكان سوى جزء ضئيل بالضرورة. وفي الممارسة الفعلية، فان ما حدث في السنوات الاخيرة كان تعاقباً لحكومات مستمدة من السياسيين المحترفين، الذين ينتمون بشكل أساسي الى الطبقة العليا من مالكي الاراضي ولكنهم يضمون عدداً معيناً من الرجال العصاميين، خصوصاً من الجزء الشمالي الاكثر حيوية من البلاد، حيث يهيمن الاكراد. وفي الفترات الهادئة، كان الزعماء شخصيات تحظى باحترام الى هذا القدر او ذاك لكنها غير فعالة، مثل جميل المدفعي وعلي جودت او، كما هو الحال مؤخراً، عبد الوهاب مرجان، ممن يتبنون في الأساس وجهات نظر محافظة ويمكن الوثوق بأنهم سيواصلون السياسات القائمة. واحياناً، وكتنازل لمشاعر اكثر ليبرالية، كان يجري التوجه الى شخصية مثل الدكتور (فاضل) الجمالي، المعادي بشدة للشيوعية ويعتبر اصلاحياً حسن النية ولكنه غير واقعي بعض الشىء في الشؤون الداخلية. وفي فترات التوتر او عندما يقتضي الأمر اتخاذ قرارت سياسية بعيدة المدى، او تنفيذها في مواجهة معارضة، يتم استدعاء نوري (السعيد) لتوفير قيادة حازمة او، اذا تطلب الأمر، إعادة النظام.

سياسات البلاط ونوري السعيد
3-
ان السياسات التي جرى بلورتها او اطلاقها خلال حكومات نوري السعيد هي التي حددت المسار الذي اتبعه العراق في السنوات الاخيرة. لقد هيّأت الارضية لبرنامج الاعمار، ولعضوية العراق في حلف بغداد، ولسياسة داخلية أبوية حازمة تستند على الاعتقاد بأنه فقط عندما يكون استثمار نفط العراق قد أدى الى تحول في الاوضاع المعيشية وتوفير الفرص الاقتصادية للشعب سيكون بالامكان منح حريات سياسية اكبر وتطوير بنية سياسية اكثر حداثة لاستبدال نظام الحكم الاقطاعي الحالي المستند الى حد كبير على العشائر والجيش ونظام ملكي قوي. هذا المفهوم الأساسي هو ما يتبناه البلاط، ونوري السعيد، وغالبية من السياسسين النشطاء وكبار المسؤولين، وربما نسبة كبيرة من المتعلمين من الجيل الأكبر سناً. مع ذلك، فان فترات حكم نوري السعيد ليست طويلة في العادة (كانت الحكومة التي استمرت ثلاث سنوات تقريباً وانتهت في حزيران 1957 تمثل استثناءً)، لان ولي العهد (الوصي) لم يكن يؤمن بالاحتفاظ بأي رجل في المنصب لفترة اطول مما يتطلبه وضع معين. ان الهدف السياسي للبلاط هو في الواقع الحفاظ على موقع ونفوذ العائلة المالكة الهاشمية وضمان ان تعتمد الحكومات على نيل حظوتها بدلاً من اعتمادها على البرلمان او على الاحزاب السياسية. وبالتالي يتم اجراء التغييرات على نحو منتظم من اجل ضمان الاّ تملك أية مجموعة احتكاراً للسلطة ويمكن ان تبني لها موقعاً تتحدى فيه امتيازات البلاط نفسه. ويثير هذا الوضع بهذا القدر او ذاك استياء معظم السياسيين المحترفين. واولئك الذين يقبلون بهذا الوضع ويتعاونون مع البلاط، أي الغالبية، يشكلون المجموعات التي تشكل منها الحكومات. اما الذين لا يقبلون به، فانهم يشكلون المعارضة.

المعارضة.. ومطالبها
4-
ان المعارضة هي اشبة بكتلة الجليد الطافية، وذلك الجزء الذي يظهر منها فوق سطح الحياة السياسية ليس كبيراً. انها تضم بضعة شخصيات قيادية، وليس قادة فاعلين. وابرزهم محمد صديق شنشل (
راجع لائحة "شخصيات قيادية"، رقم 98)، وفائق السامرائي (اللائحة ذاتها، رقم 54)، ومحمد مهدي كبه (اللائحة ذاتها، رقم 95)، بالاضافة الى كامل الجادرجي (اللائحة، رقم 81) الذي لا يزال في السجن. هؤلاء الرجال وشركاؤهم لا يشكلون "زمرة مهترئة"، فهم ينعمون برخاء مادي ملحوظ. انهم ينتمون الى الطبقة الوسطى المدينية وهم في الغالب محامون ورجال اعمال واساتذة جامعات ومدرسون. وكانوا في السابق اعضاء في حزبي الاستقلال والوطني الديمقراطي، المنحلين في الوقت الحاضر. لكن بالرغم من عدم امتلاكهم الآن آلية حزبية كي يطرحوا وجهات نظرهم وكونهم في العادة، كما هو الحال في الوقت الحاضر، يقاطعون الانتخابات الى مجلس النواب، فانهم ليسوا صامتين او متوارين عن الانظار. فقد لا يعقدون اجتماعات عامة او يعبرون عن المعارضة للنظام ذاته في الصحافة، لكنهم يتحدثون بحرية في تجمعات خاصة وتمكنوا في العادة حتى الآن، تجاه أي مسألة معينة، من العثور على نواب يحملون وجهات نظر قريبة الى حد كبير من وجهات نظرهم للتحدث في البرلمان حيث لا توجد تضييقات كثيرة على حرية الكلام باستثناء العصيان. ( لا يرجح ان يكون هذا هو الحال في البرلمان الذي سيجري انتخابه في 5 آيار لان الحكومة، اذ يلوح انشاء الاتحاد العربي قريباً، قررت انه يجب عدم المخاطرة بسماع أية اصوات معارضة، وهم بالتالي حتى اكثر انتقائية من المعتاد في منح الدعم لمرشحين). وحقيقة ان المعارضة، على صعيد الكثير جداً من القضايا، تصرّح بآراء يؤيدها أناس كثيرون، خصوصاً من جيل الشباب، والتي تكتسب جاذبية عاطفية بالنسبة معظم الناس، تمنح المعارضين ثقة وقوة معينة بالرغم من انهم لا يتمكنون من جعل أنفسهم فاعلين سياسياً. فبامكانهم ان يستثمروا الاتجاهات المختلفة التي تشكل النزعة القومية المتطرفة، والتوق الى الوحدة، والمعارضة القوية لاسرائيل، والحماسة الثورية... ضد الانظمة المحافظة، وكره الاجانب. وأرفق طياً ترجمة لمذكرة احتجاج ارسلوها مؤخراً الى رئيس الوزراء وهي تعطي صورة جيدة الى حد كبير عن وجهات نظرهم. ولم يتم الرد على مذكرة الاحتجاج هذه او نشرها في العراق، بالرغم من ان وجودها معروف على نطاق واسع لانه جرى بثّها من راديو القاهرة. ولم يتخذ أي اجراء ضد الموقعين عليها.

5-
ان النقاط الرئيسية التي تطرحها المعارضة هي الليبرالية والاصلاح في الداخل والحياد في الخارج. بشأن المسألة الاولى، يطالبون بحرية كاملة للكلام والتنظيم والانتخابات، ويجادلون بأنه ينبغي للعراق ان يملك الصيغة نفسها للديمقراطية التي توجد لدينا في المملكة المتحدة. وهم يقولون انه اذا جرى السماح بحرية سياسية اكبر فانه ستكون هناك انفعالات في البداية لكنها ستهدأ بسرعة. وهم يدعون (على الارجح ليس بصدق في كل الحالات) بأنهم لا يعارضون الملكية بل فقط احتفاظها بسلطة مفرطة. ويقولون انهم يرغبون بالابقاء على ملكية دستورية، لكن في الوقت نفسه يعبرون عن شكوك فيما اذا كان البلاط سيوافق اطلاقاً على خفض كهذا في نفوذه. والاكثر عقلانية بينهم مستعدون للاعتراف بأن الغاءً مفاجئاً لكل القيود سيكون شيئاً غير حكيم وان مقاربة النمط البريطاني للديمقراطية يجب ان يكون تدريجياًً. ومن بين الخطوات الفورية التي يدعون اليها انه ينبغي السماح بتشكيل الاحزاب والسماح لمعارضة بأن تعمل في مجلس النواب. وبخلاف ذلك فانهم يطالبون بتحديث أسرع للنظام الاقطاعي القائم على ملكية الارض في المناطق العشائرية ولبنية الضرائب، وباصلاح الادارة. وهم بشأن مثل هذه القضايا لا يختلفون في الجوانب الاساسية عن بعض سياسيي الحكومة الاكثر تقدمية مثل وزير المالية الحالي عبد الكريم الأزري، لكنهم يعبرون عن وجهات نظرهم بعنف أكثر. انهم يدعون بأن هدفهم الرئيسي هو توزيع الارباح من استخراج النفط بصورة اوسع وسط الشعب، لكنهم يميلون الى تجاهل الصعوبات المتأصلة في انجاز ذلك بسرعة. وبشكل عام، يبالغ هؤلاء بعيوب الحكومة وينسبون أشياء كثيرة الى نزعة شريرة هي في الواقع نتيجة عدم الخبرة او عدم الكفاءة او عدم وجود عدد كافي من الرجال المهرة لتسريع البرنامج القائم. ويبدو ان لا أحد منهم مهتم بتطبيق الاساليب الشيوعية في الشؤون الداخلية..

6-
في الشؤون الخارجية، وهذه هي نقطة الاختلاف الرئيسية بالمقارنة مع ايران، يتطلع هؤلاء الى مصر وجمال عبد الناصر كزعيم لهم. وهم يرغبون ان ينضم العراق الى الجمهورية العربية المتحدة، لكن لا يبدو ان لديهم وضوحاً في أذهانهم بشأن المدى الذي يرغبون ان يطمس العراق فيه هويته من اجل قضية الوحدة العربية او ان يتخلى عن عائداته النفطية لمصلحة المحرومين. ويبدو ان طموحهم هو عالم عربي كبير يحتل موقعاً في العالم مماثلاً الى حد ما لموقع الهند. وهم يدعون انه يمكن الاستفادة من الاتحاد السوفيتي وصداقته من دون تعريض العالم العربي الى الهيمنة الشيوعية في النهاية، ويشيرون الى قمع الشيوعية في مصر وسوريا كمؤشر الى ذلك. وهم يدعون بأنهم ليسوا معادين للغرب، بل يؤكدون بصدق ظاهري انهم يرغبون في اقامة علاقات ودية مع الغرب، الذي سيواصلون التعامل التجاري معه والذي سيبيعون اليه نفطهم. انهم يفسرون تقارب مصر مع الاتحاد السوفيتي بأنه نتيجة للأخطاء التي يعتقدون ان الغرب ارتكبها بشأن اسرائيل والسويس والجزائر. انهم يعتقدون بأنهم سيكونون قادرين، اذا اصبحوا في السلطة، على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع كل القوى العظمى، ويطالبون بأن العراق ينبغي الاّ يربط بمعاهدات بأي من هذه القوى. ويمثل حلف بغداد، بالطبع، أحد اهدافهم الرئيسية. انهم يعتبرون انه فُرض على البلاد من قبل البلاط ونوري من اجل تقسيم العالم العربي وللتقليل من اهمية ناصر. وان موقفهم من المملكة المتحدة هو في الجوهر ليس غير ودي بل يدعون انهم يرون يد بريطانيا في معظم القرارات التي يرفضونها، وخصوصاًً في استمرار سلطة ونفوذ ولي العهد ونوري السعيد. لذا يميل موقفهم السياسي الى ان يكون عدائياً تجاه بريطانيا. وهم بشكل أساسي، بالطبع، يتبعون خط الرئيس (جمال)عبد الناصر القومي العربي، المعادي للغرب، والمناهض بقوة لاسرائيل.

الفئات الوسطى.. الجيش.. الاقتصاد
7-
اذا أمكن ترك العراق من دون ان يخضع لتأثير يذكر من العالم الخارجي، لن تكون لدي خشية بأن النظام لن يحافظ على استقراره في مواجهة ضغوط المعارضة التي تعززها ضغوط الطبقة الوسطى المحبطة، واتوقع ان يواصل البلد نهجه الحالي الى أمد غير محدد بهذا القدر او ذاك, صحيح انه لم يكن لديه بعد وقت خلال حياته القصيرة لينتج مجتمعاً موحداً. فهناك دائماً الشعور الكامن بين الشيعة والسنة، وعلى رغم ان الاكراد يستقرون بشكل جيد فان مخاوفهم من هيمنة العرب ليست بعيدة عن السطح. بالاضافة الى ذلك، تستغل الدعاية المصرية الفجوة الكبيرة بين الحكومة والشعب الناجمة عن قرون من الاحتلال العثماني والتي يجري جسرها ببطء فحسب، بحيث ان الاجراءات غالباً ما تلقى المعارضة من قبل افراد الطبقة الوسطى الأصغر سناً والاكثر راديكالية بالاضافة الى الناس العاديين، لمجرد انها تتخذ من قبل الحكومة. ومع ذلك، هناك عوامل قوية تدعم الاستقرار في البلاد. فالنظام العشائري على رغم انه يحتضر لم يمت بعد وزعماء العشائر يدعمون بقوة الحكم الملكي الهاشمي. والاكراد، على رغم انهم يشعرون بالقلق بشأن وضعهم فانهم محصّنون كلياً تجاه الدعاية القومية العروبية، وبما انهم يمدون "المؤسسة الحاكمة" بحصة كبيرة على نحو غير متناسب فانهم يلعبون دور عامل اعتدال ثمين. والجيش، على رغم انه اقتحم الحياة السياسية في الماضي، فانه في الوقت الحاضر لا يظهر أي علامات على القيام بذلك، واذا استمر في الحصول على قيادة جيدة واذا استمر الاهتمام بمصالح الضباط المحترفين ونواب الضباط فان من المحتمل ان يواصل الجيش دعم النظام. وان فئة التجار هي عموماً محافظة، وهو ما يتجلى بشكل خاص في مدينة البصرة التي نادراً ما تسمح لنفسها بالتأثر كثيراً بنزعة القومية العربية. لم يتح للملكية الوقت كي تضرب جذورها عميقاً لكن معظم العقلاء يدركون انه من دونها سيتداعى العراق وهم بالتالي يدعمونها باعتبارها شكل الحكم الممكن الوحيد. فالنزعة الجمهورية في العراق هي الآن أحد أوجه الناصرية بدلاً كونها حركة محلية. اخيراً، وهي على الارجح المسألة الأهم على المدى البعيد، هناك التأثير الداعم للاستقرار بشكل عام لـ"برنامج الاعمار" الناجم عن إنفاق 70 في المئة من العائدات المستحصلة من ارباح النفط، وحقيقة انه لا يوجد أي نقص في التشغيل لأولئك الذين حصلوا على تعليم ثانوي او عالي. وفاعلية هذا البرنامج على أي مستوى لم يمض عليها سوى حوالي خمس سنوات ولم تمس بعد الاّ بالكاد المناطق الريفية، لكن كانت له بالفعل نتائج قيّمة مؤكدة. والحقيقة هي ان العراق يتمتع بتشغيل كامل في معظم المناطق وان عدداً متزايداً من الناس لديهم حصة ما في البلد وفي استمرار التنمية دون انقطاع. وتشير التقديرات الى انه بين عامي 1950 و1956، ارتفع إجمالي الدخل الوطني من 168 مليون دينار عراقي الى 303 ملايين دينار عراقي، فيما ارتفع دخل الفرد من 32 دينار الى 51 دينار في الفترة ذاتها. ولو ان هذا التحسن لم يتحقق لما أمكن تصور ان أزمة السويس كان يمكن التغلب عليها من دون اضطرابات اكثر خطورة بكثير. ومع التحسن التدريجي للاتصالات في العراق، يصبح البلد اكثر تكاملاً على نحو متزايد على المستوى الاقتصادي وايضاً يسهل على نحو متزايد حكمه والسيطرة عليه من المركز. ويبقى ان ننتظر لنرى ما اذا كانت إقامة الاتحاد مع الاردن الذي ستنشأ عنه صعوبات كثيرة، بسبب افتقار الشعبين الى المعرفة والاتصالات الضعيفة نسبياً بين البلدين وتزايد الضغوط على الموارد المالية للعراق، ستؤدي الى تغيير هذه الصورة بشكل كبير.

وضع ثوري محتمل؟
8-
لكن العراق، على أية حال، لن يترك لوحده من قبل الرئيس ناصر وسيتعيّن عليه ان يأخذ بالحسبان الحقيقتين اللتين لا مفر منهما: انه، على الأقل لسنوات عدة مقبلة، سيعتمد اقتصاد العراق على استمرار تدفق النفط الى البحر الابيض المتوسط عبر سوريا. وان الرئيس ناصر، بعدما شكّل الجمهورية العربية المتحدة وجاهر بمعارضته للاتحاد العربي (بين العراق والاردن)، هو في موقع قوي يمكّنه من عرقلة انبوب النفط (عبر سوريا) وتأجيج شعور قوي وسط الجزء الاعظم من العراقيين ضد النظام ولصالح زعامته. وهذا ليس المكان لتفحص الاجراءات التي يمكن بواسطتها تخفيف تأثيرات انقطاع في انبوب النفط. لكن اذا جرى تعطيل تدفق النفط لفترة طويلة فان المهمة السياسية بالحفاظ على تماسك البلد ستكون مهمة جسيمة حتى اذا تمكنت القوى الغربية وشركة النفط العراقية سوية من تخفيف مصاعبه المالية. وقد يكون العراقيون اكثر صلابة بعض الشىء من غيرهم من العرب في مواجهة المحن، لكن هناك على الارجح حدود صارمة الى حد كبير على المدة التي يمكنهم تحملها وهم في وضع بالغ الصعوبة ومن دون حل في الافق. في هذه الظروف، سيتمثل الخطر الذي يبرز في أن تأثير ناصر على المشاعر العربية في العراق سيكون قوياً الى حد يزيد استياء العراقيين من النظام بحيث يؤدي الى اسقاطه. وفي هذا السياق بالأساس او في وضع حرج آخر على مستوى مماثل ستكون المعارضة مهمة. لكن كما هو الحال في معظم الارتال الخامسة المحتملة، يكون قادة المعارضة اكثر اهمية كناطقين اكثر من كونهم قادة بذاتهم. وبالفعل، اذا نشأ وضع ثوري في العراق سيكون من المستبعد للغاية ان يلعب أي من الراديكاليين الاثرياء الموجودين على ذروة كتلة الجليد الطافية أي دور مهم. الاحتمال الاكبر بكثير هو أن يخرج قائد من بين المثقفين او ضباط الجيش الاصغر سناً، من الفئات الدنيا للطبقة الوسطى على الارجح. ولان مثل هؤلاء القادة، بطبيعة الاشياء، يميلون الى ان يظهروا فقط في وضع ثوري، بل من المستحيل القول ما اذا كان يوجد بالفعل قائد ثوري محتمل.

الحزب الشيوعي
9-
فمن المؤكد تماماً انه، في الوقت الحاضر، لا يوجد وضع ثوري. وعلى رغم ان ناصر، بعد سنة امضاها ليسترد عافيته من أزمة السويس، بدأ مرة اخرى في التقدم، في تشرين الاول الماضي، بنقل جنود الى سوريا وجعل الآن تهديده أقرب عبر قدرته على الظهور بشكل مثير في أعالي الفرات، وبالتالي اعطاء دعايته قوة أكبر بكثير في العراق، فان الوضع الأمني الداخلي هو في الوقت الحاضر تحت السيطرة الى حد كبير. وباستثناء التشويش المتقطع على ردايو القاهرة ودمشق في المدن الرئيسية الثلاث، لم تكن هناك حاجة الى اتخاذ أي اجراء أمني جديد ذي شأن. والتحركات التي حدثت في بضعة كليات ومدارس بعد اعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة لم تتطور أبداً الى مشكلة جدية، ولم تبرز حتى الآن أي من المشاعر العميقة التي كانت ظاهرة للعيان خلال ازمة السويس والتي ستظهر فوراً مرة اخرى اذا اقدمت اسرائيل على تحرك ضد أي من البلدان العربية. بالاضافة الى ذلك، تزايدت كفاءة جهاز الامن العراقي مادياً في السنة الماضية، ويعود الفضل في ذلك بشكل أساسي الى المساعدة البريطانية بالتدريب والمعدات، بينما ضعف الى حد كبير الأساس التنظيمي لمعارضة فعالة للنظام نتيجة الضربات القاصمة التي وجّهت الى الحزب الشيوعي السري واليقظة المتزايدة تجاه التنظيم البعثي السري والبعثة الديبلوماسية للجمهورية العربية المتحدة في بغداد. ومع ذلك فان الهدوء خادع بعض الشىء. فقد تمكن ناصر بتشكيل الجمهورية العربية المتحدة من جعل النزعة القومية العربية تتحرك وتحفيز شهية كل العراقيين تقريباً الى المزيد. ولبى الرد السريع باقامة الاتحاد العربي الحاجة الآنية للوضع، لكن جاذبية ناصر وحيويته لا تزال موجودة، بينما لا يتضمن دستور الاتحاد العراقي مثل كل الوثائق المماثلة سوى اشياء شائعة، ومعظم العراقيين لا يرون سوى الاعباء من الاتحاد ولا شىء من مزاياه. واذا تبيّن استحالة توسيع الاتحاد عبر ارتباط من نوع ما مع السعودية او الكويت بحلول، لنقل، الخريف، فمن الممكن ان يصبح الوضع الداخلي صعباً الى حد ما. من جهة اخرى، سيؤدي تحقيق نجاح بتأمين انضمام واحدة او الاخرى من هاتين الدولتين الى تحويل الوضع سياسياً وايضاً، من الممكن، مالياً.

درء المخاطر.. ومأزق النظام
10-
بما ان الخطر الحقيقي على النظام، الذي تمثله بشكل رمزي المعارضة الحالية، يأتي من خارج البلاد، فان هناك حدوداً لما يمكن لأي حكومة عراقية ان تفعله عبر اجراءات ايجابية داخل البلاد من اجل خفضه. انهم يدركون بأن التطور الاقتصادي ساهم بالفعل في الاستقرار وان عليهم ان يمضوا قدماً بهذا التطور ويمدوا نطاقه على نحو اوسع وسط السكان ككل. ويرى كثيرون منهم ان هناك ايضاً أفقاً كبيراً لاجراءات اجتماعية واقتصادية تدريجية وهم مستعدون للشروع بها. وبمرور الوقت سيكون بالامكان التطلع الى خفض متواصل في حجم الفقر الشديد في الريف، خصوصاً في الجنوب، وايضاً في احياء الصرائف المحيطة بالمدن الكبيرة. ومع ذلك، لا توجد مؤشرات كثيرة على ان هذا سيحدث بالسرعة التي يتطلبها الوضع. فالسياسة الاجتماعية للبلاط ولنوري السعيد هي بالأساس سياسة على المدى البعيد. وهي تقوم على حقيقة ان زعماء العشائر وغيرهم من مالكي الاراضي، مع ما يمكن ان يمارسوه من نفوذ على رجال عشائرهم ومستأجري اراضيهم، هم القوة الداعمة للاستقرار المهمة في البلاد، والقوة التي سيكون من الخطورة استعداؤها الى ان يصبح الاقتصاد والمجتمع في العراق اكثر تنوعاً واكثر حداثة مما هما عليه الآن. مع ذلك، بما ان الضغوط على الموزانة الوطنية للعراق كبيرة جداً وستصبح اكبر عندما يتعيّن دعم موزانة الاتحاد العربي ايضاً، لن يمكن تنفيذ معظم الاجراءات التدريجية الاّ بالتدخل في حقوق مالكي الاراضي او رفع الضرائب عنهم. ان فشل الحكومات المتعاقبة في القيام بخطوة غير محببة كهذه بجرأة وشجاعة يغذي القناعة العامة بأنهم [الحكام] ليست لديهم أي نية في اتخاذ اجراء حاسم للتخفيف من الفقر بل انهم لا يرغبون الاّ في منح الاثرياء الفرصة لأن يصبحوا أكثر غنى، وتولّد هذه القناعة من دون شك موقفاً وسط الناس الاكثر فقراً يمكن لناصر والمعارضة ان يستغلوه. بالرغم من ذلك، لا اعتقد ان الفقر او غياب فرص اقتصادية سيؤدي بحد ذاته، طالما يتدفق النفط، الى نشوء وضع متفجر. ان الخطر الاكبر يكمن في الميدان السياسي وفي تلاعب عبد الناصر بمشاعر الاحباط الناجمة عن غياب منافذ للتعبير الحر وللنشاط السياسي. فالاستياء من الحرمان من الحريات السياسية يفسّر من دون شك الكثير من اسباب عدم شعبية النظام وشعبية عبد الناصر. لذا فان احدى المسائل المهمة هي ما اذا كان بعض الضغوط على النظام يمكن التخفيف منه باعطاء مزيد من الحرية السياسية، أي بالاستجابة الى المطلب الأساسي للمعارضة.

11-
ان تخفيفاً كلياً للقيود الحالية على حرية التعبير بالترابط مع انتخابات حرة كلياً سيؤدي في فترة زمنية قصيرة جداً الى حدوث فوضى وربما ثورة. ولكن كل خطوة صغيرة في هذا الاتجاه لن تؤدي الاّ الى زيادة الضغوط نحوها، ويمكن تفهم التردد الذي أبداه البلاط والحكومات المتعاقبة. ان الخطوة التي يحتمل على الاكثر ان تشيع فوراً الشعور بالرضا والتي يمكن ان تؤدي، اذا كانت ناجحة، الى تهدئة تدريجية، هي تشكيل احزاب سياسية. وللسبب المشار اليه في الفقرة (2) اعلاه، فان هذا ليس بتطور سيلقى الترحيب من قبل البلاط. ويجب الإقرار بأنه ستكون لدى البلاط اسباب جيدة للاعتقاد بأن نتائجها العملية لن تكون مفيدة، لان من المشكوك فيه بأن احتمال ان تؤدي الى تحقيق استقرار سياسي اكبر سيفوق ما جرى عندما سمح للاحزاب في السابق. فالعراقيون، مثل معظم العرب، ليسوا اكثر اهتماما بالسلطة من السياسات فحسب ويجدون من الصعوبة خلق التماسك الذي يمكن للافكار وليس الاشخاص ان يمنحوه، بل ان الوضع الحالي في العراق ايضاً لا بد ان ينتج ما لن يكون في الواقع سوى حزبين، اولئك الذين يؤيدون النظام والسياسات الحالية واولئك الذين يؤيدون الرئيس عبد الناصر. وبما ان المجموعة الاخيرة ستميل الى الانحدار الى التمرد او على الاقل التحريض على التمرد، فقد تبرز الحاجة خلال وقت قصير جداً الى قمع حزبهم ولن يجري كسب أي شىء اطلاقاً باستثناء زيادة في المرارة ضد الحكومة. لكن، مرة اخرى، يجادل الكثير من العراقيين المعتدلين بأن بعض التنفيس للمشاعر هو أمر ممكن ومرغوب على السواء وانه سيكون بالامكان ابقاء المعارضة ضمن حدودها. وأميل الى وجهة النظر بأن هذا شيء ربما يستحق ان نجرّبه. وعلى رغم ان المخاطر واضحة، اعتقد انها أقل من تلك التي تنجم عن مواصلة لقمع سياسي كامل. وصحيح انه اذا امكن لواحد او اكثر من الاحزاب اليمينية ان تطور قادة يملكون جاذبية تجاه الجزء الواعي سياسياً من السكان، فانهم قد يمتصون بعض السموم الموجودة في النظام ويوفرون على البلاط الكراهية التي تجلبها له إبقاء اجراءات قمعية. وقد جرّب نوري السعيد هذا النهج في الماضي لكنه فشل في ظل ما كان على الارجح ظروفاً سياسية أقل صعوبة، اذ ان الرئيس عبد الناصر لم يكن حينها يقف في أعالي الفرات. وليس مستبعداً ان يتمكن رجل اصغر سناً يملك قوة الشخصية وسعة الافق ذاتها ولكن مع جاذبية مباشرة اكثر تجاه الجمهور، من تحقيق النجاح في المستقبل. كل ما يمكن ان يقوله المرء هو ان مثل هذا الشخص لم يبرز بعد. وهناك بضعة رجال في الحياة السياسية ربما توجد لديهم بعض السمات المرغوب بها، مثل خليل كنة، الرئيس السابق لمجلس النواب، وسعيد قزاز، وزير الداخلية. لكن الاول، على رغم كونه يتصف بالعزيمة وقوياً فانه يعتبر موالياً للسنة لدرجة تجعله غير جذاب للشيعة ويستعدي اخرين بسبب طموحه المكشوف لأن يخلف نوري السعيد. اما الثاني فبالرغم من كونه يحظى بشعبية نسبياً وبعيد النظر، فانه كردي لا يمكن ان يستجيب لعواطف النزعة العروبية ويعبّر عنها في العراق. اما بالنسبة الى د. فاضل الجمالي فانه، بالرغم من كل خصاله التي تدعو للاعجاب من شجاعة ونزاهة، ليس كبيراً بما يكفي وليس رجلاً يملك مقدرة تكفي لقيادة هذا البلد المضطرب من دون خبرة نوري السعيد وراءه.

عدم وجود بديل.. وآفاق قاتمة
12-
ان الحقيقة هي عدم وجود خليفة لنوري السعيد وعدم وجود فرصة تذكر لتولي موقعه من قبل حزب سياسي. والآفاق بالنسبة الى النظام السياسي في العراق كنظام هي بالفعل قاتمة بعض الشىء لانه يصعب تصور كيف يمكن تحويله الى شىء اكثر مرونة وقدرة على البقاء. وبالفعل، عندما يأتي الوقت ليغادر نوري المشهد السياسي، ربما لن يكون هناك بديل لنظام اكثر استبدادية يستند على الجيش مع عسكري بوصفه الرجل القوي الذي يقف خلف شخصية مدنية ذات طابع رمزي. وهذا ليس بديلاًً جذاباً اخذاً بالاعتبار خطر عدم الاستقرار بسبب ظهور عبد الناصر عراقي او بسبب التنافس بين ضباط الجيش على السلطة. وسيوفر هذا، بالطبع، هدفاً سهلاً للهجمات من المعارضة ومن عبد الناصر، وسيكون شيئاً مقيتاً بالنسبة الى اولئك الذين يتذكرون فترة 1936-1941 التي خضعت لهيمنة الجيش. لكنه ربما يكون افضل ما يمكن ان نأمل فيه. وبشرط ان يكون مستنداً على الحكم الملكي الهاشمي، سيحتفظ على الارجح بصلته مع الغرب وقد يحافظ على الموقع لفترة من الزمن.

ماذا يمكن ان نفعل؟
13-
هل يوجد أي شىء يمكن ان نفعله، نحن والامريكيون، لمساعدة العراقيين على التحرك بسلاسة الى الوضع الجديد الذي سينشأ عندما لن يكون نوري السعيد موجوداً ولابقاء الضغوط من المعارضة على مستوى يمكن تحمله؟ ان نطاق تحركنا في السياسة الداخلية محدود. صحيح ان بامكاننا عبر تقديم المشورة والتشجيع ان نساعدهم على بناء مؤسسات حديثة متينة. ومن الامثلة على ذلك مجلس الاعمار، وجلس الخدمة العامة، الذي جرى تشكيله العام الماضي بتحفيز بريطاني، وجامعة بغداد التي يجري السعي للحصول على اعضاء عدة من الغرب لمجلسها التأسيسي، من ضمنهم واحد من بريطانيا. وهناك امكانية اخرى تتمثل بالمشروع الذي تجري دراسته حالياً لانشاء بنك تنمية للاتحاد العربي من اجل تشجيع مشاريع مناسبة لتمويل قروض في العراق والاردن. وعبر ادامة تقديم المساعدة الفنية وإعارة خدمات خبراء، وعبر تقديم مساعدة مباشرة بين حين وآخر حيثما تظهر صعوبات خاصة، يمكننا مساعدة الحكومة في سياستها الرامية الى توفير قاعدة اقتصادية وتقنية اوسع للمستقبل. ويجب بالطبع ان نقف الى جانب العراق في حال حدوث أي شىء يؤدي الى انقطاع تدفق النفط الى البحر الابيض المتوسط. لكن يوجد حد للنفوذ الذي يمكن ان نمارسه بفاعلية لضمان تبني ميول اكثر ليبرالية في الحياة السياسية، وهذا، كما لمحت أعلاه، هو المجال الذي يكون فيه التذمر اكثر شيوعاً. من جهة اخرى، يمكن ان نساعدهم على ان يحققوا النجاح في الاتحاد العربي الذي سيلبي، في حال نجاحه، لفترة من الوقت في كل الاحوال المطلب العاطفي بالوحدة. ويمكن ان نتجنب استعداء البلاد بشأن اسرائيل باتباع السياسة التي جرى وصفها في رسالتكم الرقم 9 الى السير برنارد باروز في 14 كانون الثاني 1958 ، التي تلخصونها بالقول ان "السياسة الوحيدة المتاحة لنا هي ان نتمسك بخطاب رئيس الوزراء (الذي ألقاه في مأدبة العشاء التقليدية التي يقيمها سنوياً عمدة لندن)، بأن يجري ضبط اسرائيل، وتجنب اتخاذ مواقف بشأن مشكلة فلسطين لا بد ان تكون استفزازبة لهذا الطرف او ذاك.... واتفق انه في النزاعات المنفردة سيكون في مصلحتنا عموماً ان نظهر أنفسنا كمؤيدين الى اقصى ما يمكن لوجهة النظر العربية". ويمكن ان نواصل العمل الجيد لأسلافنا في إدامة وتوسيع علاقات الثقة الموجودة بين الكثير من العراقيين والبريطانيين في كل مناحي الحياة، خصوصاً عبر صلاتنا مع الجيل الاصغر سناً التي يلعب فيها المجلس البريطاني والكثير من المؤسسات التعليمية البريطانية دوراً قيّماً. ومع المعارضة بالذات لا يمكن ان نفعل شيئاً كثيراً بشكل مباشر. ان صلاتنا الاجتماعية ودية لكنها لن تعني شيئاً اثناء أزمة. وفي هذا المجال، ستكون علاقات حكومة صاحبة الجلالة مع الرئيس عبد الناصر ومع التجليات الاكثر راديكالية للقومية العربية خارج البلاد هي التي تكتسب اهمية. واذا كان الرئيس عبد الناصر هو الرجل الذي يتعاون بصدق تام مع الغرب ومع العراق، ويتخلى عن كل طموح لأن يضع يديه على النفط العراقي ويزعج النظام في العراق، ويكون مسايراً او محايداً، فان هذه ستكون مسألة اخرى. وفي غياب هذه الامكانية، يجب على العراق ان يمارس عملية إدامة للوضع لمدة طويلة ويجب على بريطانيا والولايات المتحدة ان تكونا على استعداد للوقوف الى جانب العراق ومساعدته في هذه العملية.

سأبعث بنسخ من هذه الرسالة الى ممثلي صاحبة الجلالة في عمان، البحرين، بيروت، طهران، انقرة، تل ابيب، واشنطن، والى المسؤولين السياسيين المرتبطين بـ"قوات الشرق الاوسط" والقوات البريطانية في شبه الجزيرة العربية.

مع أسمى الاحترام

مايكل رايت



 

free web counter

 

أرشيف المقالات