| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 23/1/ 2009

 

 العقل بين د. علي الوردي وصراع غزّة

مازن فيصل البلداوي

قد تكون المواضيع التي أكتبها بعيدة عن تناول أحداث الساعة وقد أكون محقا بذلك لأن أحداث الساعة هي نفسها أحداث ساعة تكررت مشاهدها امامنا منذ سنوات طوال ولعدة مرات بنفس المشهد،يعني ..... اننا شاهدنا هذا الأمر من قبل وشاهدنا ردود الأفعال وشاهدنا النتائج وشاهدنا حتى أنفسنا ومانعيشه في الوقت الحاضر بناءا على الرؤية التي استخلصها اهلنا ومثقفي ذلك الزمان، فلم أجد انه من المفيد الخوض في غمار ما نشهده او ما يشهده العالم من احداث متشابهة بطبيعتها لأحداث تخص منطقتنا العربية بالذات.
وفضلّت التركيز على أن ألأنسان وعقله يبقيان العنصران المهمان في محاور حياتنا وعلى القدر المسموح به لكل منا قبل ان يودع هذه الدنيا بأختياره او باختيار شخص اخر يكون سببا لجعله يودّع الدنيا (غصبا على اللي خلّفوه) بطريقة او اخرى ليأتي متطابقا مع بيت من بيوت الشعر(بكسر الشين المشددة) :

                من لم يمت بالسيف مات بغيره               تعددت الأسباب والموت واحد

وبما ان ألأنسان وعقله هما محور أحداث الحياة اليومية اينما كان الأنسان،لذا كان من الضرورة بمكان التركيز على هذا العقل وانتاجه وطريقة عمله وماهي استنتاجاته التي ستؤدي به الى تطبيق تلك الأستنتاجات على الواقع العملي للحياة معتمدا على مدى تقبّل المحيطين بذلك الفرد لتلك الأستنتاجات،ومن هذا تأتي الموروثات او لنسمّيها القواعد اوا لقوانين التي ستحكم طبيعة المجتمع الذي يعيش به ذلك الفرد او اولائك الأفراد وسيعيدوا صياغة طبيعة حياتهم وتعاملهم مع بعضهم البعض طبقا لتلك القناعات او الأستنتاجات الموافق عليها من قبل الأغلبية من أفراد ذلك المجتمع.وعلى الرغم من ان الدكتور علي الوردي له رؤية مختلفة لهذا العقل فهو يقول في محضر تعليقه حول العقل بان ( العقل هو ما منحه الله للأنسان كما منح الخرطوم للفيل وكما منح الأنياب للأسد، و.....، ليستعين به في صراع البقاء فواجب العقل هو ان يفكر في كيفية تحقيق الغلبة للفرد او للمجموعة حتى تفوز على المجاميع الأخرى المنافسة لها على عناصر البقاء) ...انتهى.، ان هذا القول للدكتور علي الوردي وباعتباره من ألمع علماء الأجتماع يأتي ليدفع عن العقل شبهة ان من واجبات العقل البحث عن الحق والحقيقة التي كان يؤمن بها العقلانيون من الفلاسفة امثال أرسطو وأفلاطون في العهود السابقة ويقول ان العقل ضعيف وعاجز من هذه الناحية، وكما اعتقد فأن الوردي قد صاغ هذا الأستنتاج بناءا على أن التطور العلمي والذي شهد هو بنفسه ثورته العارمة خلال القرن الماضي كان ينصب على ان العقل قد عمل مكتشفا ومخترعا لأمور ساعدت على التطور الحضري للأنسان والمجتمعات وقد أوجز رؤيته بذلك في مقالته الموسومة (من على ظهور الحمير الى الجمبو) والتي نشرت في احدى الصحف في حينها،أذ يقارن الدكتور الوردي بمعيارية التطور الحضري والأختراعات وتأثيرها على حياة الأنسان المباشرة وغير المباشرة وبين المعتقدات الروحية ليقول ( مع ألأسف فأن ألأضمحلال الذي أصاب الملذات الروحية اتى مع أزدياد المكتسبات الحديثة من مخترعات كالسيارة والمروحة والطيارة وغيرها خلال سبعين عاما)......!

الحقيقة اني لم أجد لماذا ينفي الدكتور علي الوردي امكانية العقل بالوصول الى الحقيقة! بينما يشهد له بأمكانية التطور والأختراع انطلاقا من مبدأ صراع البقاء! ولأن هذه الأكتشافات وألأختراعات لم تأتي دفعة واحدة بل أتت نتيجة لتطور مراحل بناء المعلومة وتطويرها عبر أجيال متعددة وساهم فيها الكثير من الباحثين والدارسين ومجموع الحقائق التي توصلوا اليها كانت تشكّل أختراعا جديدا يسجّل لصالح التطور الحضاري أو المديني، أذ ان هذه الأكتشافات او الأختراعات كانت جزءا من مراحل البحث عن الحق والحقيقة، لأن أساليب البحث عن الحق والحقيقة اتخذت طابعا جديدا يحتوي على الجانب المعنوي او الروحي مقترنا بالجانب المادي! وبرغم من المقولة الأخرى التي يطرحها الدكتور علي الوردي بقوله ( ان العقل هو من يميّز بين الخطأ والصواب في النظريات الأجتماعية) بناءا على تجربة قام بها عندما طرح نظرية اجتماعية جديدة على بعض من مجالسيه ورفاقه من المثقفين ليتوالوا في نقد النظرية انطلاقا من تفسيراتهم المختلفة كل حسب مدلولاته العقلية لمعطيات تلك النظرية ومقارنة بالظروف الأجتماعية المحيطة في ذلك الوقت).

من هنا نستطيع استنتاج لماذا نجد هذا الأختلاف الكبير حاليا بين كثير من الكتّاب والقرّاء حول مواضيع عدّة نعيشها حاليا،أن كان في العراق او في أرجاء أخرى من المنطقة العربية لاتختلف حقيقة كثيرا عن بعضها البعض نظرا لتشابه الظروف العامة بعموميتها وتشابهة التاريخ وأحداثه ومجرياته للمجتمعات العربية المختلفة في مواقعها والمتشابهة بأنها عاشت لفترة طويلة (حوالي 400 عام) تحت الحكم العثماني والذي أدّت فترة ضعفه في سنواته الأخيرة الى ظهور كثير من الأمور تشبه الى حد كبير امورا نعيشها اليوم في القرن الحادي والعشرين أهمها ظاهرة الفساد الأداري والتي تقدّم بالكتابة عنها الكثير من ألخوة وعلى صفحات صحف كثيرة كان الحوار المتمدن أبرزها.

ويذكر د.علي الوردي بعض الأحداث التي صاحبت ضعف مركزية الحكومة آنذاك مما أدى الى أستشراء ظاهرة الفساد الأداري، أذ كان الفرد لايستطيع ان ينهي اي أمر في دوائر الدولة ومؤسساتها مالم يقدّم الرشوة! او أنّه اذا كان يريد ان يأخذ حقا قد أغتصب فأنه لايلجأ الى الدولة ومؤسساتها نظرا لضعفها الشديد مما استدعى الى استعادة ظهور القبلية والعشائرية كظاهرة مدينية، أذ أصبحت (محلات السكن) بصفة أو أخرى أشبه ماتكون بمجتمعات منفصلة صغيرة كل منها له خصائصه التي قد لا تتشابه مع (محلاّت) أخرى وعلى صعيد مدينة عراقية واحدة مثل بغداد، لذا فأنّ د.علي الوردي يقول بأن المجتمعات القبلية في الصحراء كانت لها حكوماتها الخاصة المتمثلة بكيان القبيلة وهيكلها الحكومي لعدم وجود الحكومة المركزية هناك، لذا فحين كانت الحكومة المركزية ضعيفة بدأت مظاهر حكومة العشيرة والقبيلة بالظهور مرة أخرى في المدن كبديل اساسي لحماية الفرد وتحصيل حقوقه المغصوبة ومناصرته في قضاياه.

نستنتج من هذا بأن مظاهر الفساد المستشرية حاليا في المؤسسات الحكومية هي نتيجة واقعية لضعف مركزية الدولة،لا بل ان المدن تكاد تكون منفصلة عن بعضها البعض بحيث انها تخض لقوانين مختلف وبمعياريات مختلفة بين مدينة وأخرى، لذا فأن مايقوله الوردي لاحقا في مجمل حديثه عن تلك الظاهرة بأنها لم تبدأ بالأختفاء الا مع بدايات ظهور الدستور والذي سمي بالــ(المشروطية) آنذاك.ويضرب الدكتور مثالا على حال المدن البعيدة عن سيطرة المركز من واقعة حقيقية حدثت في النجف سنة 1905 ونقلا عن الشيخ جعفر محبوبة اذ يقول في كتاب الأخير(ماضي النجف وحاضرها) كيف ان قتالا ضاريا حدث بين فئتين من أهل النجف هما ( الزقرت ) و (الشقرت) وكيف كان من الشقرت رجلا شجاعا قتل العديدين من الزقرت أسمه( عزيز باقر شام) الى ان قتله الزقرت مع ولداه وبهذا حط القتال أوزاره بانتصار الزقرت وبعد ذلك الشيخ بانه شهد بعينيه كيف أن المنتصرين كانوا يحملون أثاثا وفرشا ثمينة انتهبت من دور الزقرت المغلوبين، وفي هذه الحادثة يضرب مثلا كيف ان أحداث البادية القبلية وصراعها انتقل الى المدينة ومحلاتها وبنفس المفهوم الأجتماعي.

وهنا نرى مدى أرتباط التطور الأجتماعي والحضاري للأنسان وعلاقته بالعقل ومفاهيم الأدراك لموجبات التطور من الفئوية الى الشمولية للمجتمع الأنساني تكون أهمية هذا الأدراك متغيرة وبتأثير طردي بالضرورة تناسبا مع أزدياد أعداد الأفراد المنضوين تحت مشروع وطن واحد يضم هؤلاء الأفراد، لذا نستطيع ان نقرن مايحدث في غزّة حاليا هو نتيجة قرارات واستنتاجات اعتمدت على مفاهيم وثوابت لمجموعة من الناس اتخذوا على اساسها خطواتهم ونستطيع ان نرى النتائج على شاشات التلفزيون ولأن الموضوع حساس جدا ولكونه قد تعرض الى مداخلات وتدخلات الكثير من الأطراف وعلى مدى 50 عاما فأنّي أعتقد انّ الفلسطينيين وحدهم من يجب ان يقرر ماهو الحل وحسب مايدلي به عقلهم واستنتاجاتهم لمجمل الأوضاع التي عاشها أهل فلسطين سابقا ولاحقا بضمنها تجارب الحروب التي جرت على عدة اماكن من الأرض الفلسطينية والتي لم تؤد الى اي نتيجة تذكر يجدر بنا ان نذكرها هنا، لأن بقاء تدخل الأطراف المتعددة وأجنداتها المعلنة او غير المعلنة ومن شأنه ان يزيد الأمر سوءا، لأن الدلائل العقلية تشير الى استحالة ان يشارك المدّعين بأهتمامهم بقضية فلسطين مشاركة فعلية من الممكن ان تؤدي الى تغيير فعلي على أرض الواقع، لذا تراهم لايملكون غير الصراخ تباكيا على دماء الأطفال الذين أباحوه بذلك الصراخ، أو ان يقوموا بأجراء فعلي وذلك باستخدام ألأسلحة التي يمتلكون والتي شاهدها العالم أجمع في عدد من مشاهد استعراض العضلات الكاذب والذي لم نر منه شيئا لحد الآن وأعتقد بأننا لن نر منه شيئا، فهم يدركون ضآلة حجمهم امام حجوم اخرى في ذات الميدان ولكنهم يرون عكس ذلك امام المرآة.




 

free web counter

 

أرشيف المقالات