| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الثلاثاء 24/10/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

العــراق... مــن أيــن وإلــى أيــن ؟

شــواهد التـطـهيـــر العـرقــي والطـائفـــي فـي العهــد الطغمـــوي البعثي

( 1 )


محمد ضياء عيسى العقابي

تصيب المتتبع للأوضاع الإنسانية في العراق الحيرة بشأن كيفية تفسير ظاهرة التطهير العرقي والطائفي اللذين تعرض لهما العراقيون على يد سلطة حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين بالذات. ربط الظواهر والأحداث والقرائن مع بعضها يفضي إلى نتيجة أن رأس هذا النظام كان مولعا بالسلطة، أولا. ويبدو وكأنه باق بالحكم إلى أبد الآبدين، ثانيا. هنا تصيبك الحيرة لأنك تشك في هذا التفسير فهو رئيس جمهورية ورئيس حزب قابل للتبدل مهما طال به المقام. لذا بقي الغموض والتشوش الفكري، فراوحت بين نظرية الحب المفعم للسلطة وبين غريزة القتل المتخلف المصاب بها صدام فهو متخلف ثقافيا واجتماعيا، بلا شك، وغريزة القتل عنده يرويها معارفه منذ الصغر، فكان يهوى قتل القطط وربما تعذيبها قبل ذلك. وتدرجا من ذلك قام صدام حسين بأول اغتيال سياسي بدم بارد أو بالتعبير القانوني مع سبق الإصرار والترصد بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام ،1958 إذ اغتال الحاج سعدون مسئول الحزب الشيوعي العراقي في تكريت بتحريض من خاله خير الله طلفاح.

السؤال الذي يحير كل عاقل هو كيف سولت نفس صدام له أن يتجاسر ويقدم على انتهاج سياسة واعية للتطهير العرقي ضد الشعب الكردي ومن ثم التطهير الطائفي ضد الشيعة. ألم يكن لديه، شخصيا، رادعا وطنيا أو نفسيا أو دينيا أو عقائديا؟ ألم يكن لمن حوله ومنفذي سياسته التطهيرية رادعا بأي شكل من الأشكال؟
أعتقد أن سرا كبيرا انجلى عندما تكلم السيد صلاح عمر العلي عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي وعضو مجلس قيادة الثورة بعد الانقلاب العسكري البعثي الثاني في 17 تموز عام 1968. لقد ذكر السيد صلاح من على فضائية ال (ايل بي سي) اللبنانية في مستهل الشهر الخامس من عام 2003 وكذلك على فضائية الجزيرة في نهاية الشهر الخامس من عام 2003 برنامج "شاهد على العصر" أن نظرية الحكم في العراق بنيت على أساس حكم العائلة بطلب من السيد خير الله طلفاح زعيم القبيلة وقبول أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية والمنتمي لقبيلة ألبو ناصر التي ينحدر منها خير الله طلفاح وابن أخته صدام. لقد شرحت ذلك بالتفصيل في مكان آخر من الكتاب. لذا حيكت المؤامرات حتى داخل قيادة الحزب والدولة من أجل تقديم صدام على غيره من المستحقين بمعايير البعثيين وكان البكر وصدام مدبري تلك المؤامرات يؤيدهما أكثر أعضاء مجلس قيادة الثورة تخلفا وأقلهم تحصيلا من الناحية العلمية وهما عزت إبراهيم الدوري وطه ياسين رمضان الجزراوي. ويبدو أن هذا الصانع أصبح أستاذا ونصف. فسرعان ما بسط نفوذه داخل الحزب والدولة وقضى على كل من يقف بطريقه فعليا أو احتمالا حتى أنه حاصر الرئيس نفسه وأزاحه من السلطة وحل محله، ومن ثم قتله حسب أوثق المصادر التي ذكرتها في فصول أخرى. وتشير كل الدلائل إلى أنه كان ينوي جعل العراق ملكية وراثية وإعلان نفسه ملكا وعائلته كعائلة مالكة. لقد كان هذا السيناريو مجرد تخمين من قبل قليلين من متتبعي الأوضاع داخل العراق. غير أن السيد صلاح عمر العلي قطع الشك باليقين وأفاد باطلاعه على جهد واع لجعل العراق يحكم على أساس عائلي مغلف بحزب البعث العربي الاشتراكي. وهنا تظافرت عدة عوامل سوغت لصدام انتهاج سياسة التطهير العرقي والطائفي لشريحتين من الشعب تشكلان ما يزيد عن 80% من الشعب العراقي وهذا لا يعني أن الطوائف العرقية والدينية والمذهبية الأخرى لم يصبها الأذى بصورة أو أخرى.
لدى إعمال التحليل لمسيرة النظام البعثي بقيادة صدام يظهر أن ثلاثة عوامل أساسية تظافرت في نفسه مثلت المشروع والمسند والوسيلة فأنتجت سياسته التطهيرية وهي:

1. مشروع حكم العائلة الطموح الذي ابتدعه خال صدام خير الله طلفاح وارتضاه البكر ولا يخامرني شك بكونه أساسا من بنات أفكار صدام زرعه في ذهن خاله ومن ثم قام بتطويره إلى مشروع إعلان العراق دولة ملكية وهو أو أحد أولاده يكون الملك وعائلته تصبح العائلة المالكة.
تعزز إيمان صدام بإمكانية إعلان الملكية في العراق بنجاحه المطلق في جعل حزب البعث العربي الأشتراكي وأجهزة الدولة العراقية طوع بنانه مستفيدا من تشبع ذلك الحزب حتى التخمة بأفكار الحرب الباردة ضد من لا يتفق معهم في الرأي من تقدميين وشيوعيين وديمقراطيين ووطنيين، وبتراث النظم الطغموية في العراق منذ تأسيسه المتسم بالطائفية والعنصرية وروح الإقصاء عموما؛ ومستخدما أسلوب الاغتيالات والتصفيات داخل الحزب وخارجه. لذا أعتقد أن صدام قوم الأمور وخططها في قرارة نفسه على أساس عقد صفقة غير معلنة مع حزبه الطغموي أي صفقة الأمر الواقع الذي يفرضه هو دون إمكانية أي فرد من حزبه على مناقشته، وهو ديدنه في الحكم والإدارة، يقدم من جانبه لجماهيره تنفيذ مشروع تطهير العراق من الشيعة والأكراد مقابل تأييدهم له في إعلان العراق ملكيا تحت ظل عائلته. لقد شجعته على ذلك مطالبات عديدة سرية وقليلة صريحة وعلنية بإجراء التطهير من قبل طغمويين سواء كانوا مدفوعين من قبله أو صادرة من أعماق قلوبهم فالاحتمالان واردان والنتيجة واحدة هي التجرؤ على رفع شعار بالتطهير دون وجود من يجرؤ على معارضته وجها لوجه في حينه كما تقتضي الوطنية الصحيحة مع شأن بهذه الخطورة. كان ذلك في جامعة الموصل في ثمانينات القرن الماضي عندما اجتمع صدام بالطلبة حسبما أعلمني، قبل خمسة سنوات تقريبا، أستاذ بعثي في الجامعة الدكتور (ع.ب.) كان نفسه حاضرا في الاجتماع وسمع الشكوى من كثرة " العجم" في العراق وغير ذلك من الأسماء الرمزية المعروفة التي يقصد بها الشيعة والتي أشرت إليها في مكان آخر. لاشك عندي أن بعض أصحاب الشكوى كانوا يلمحون إلى إجراءات أقصاها التهجير كما حصل لنصف مليون كردي فيلي شيعي في مستهل الثمانينات أساسا وقبلها وبعدها. وما كان من صدام إلا أن وعدهم بتغيير النسبة العددية خلال أربعة سنوات؛ "ولكن بطريقتي الخاصة" حسبما أخاله حدث نفسه.
بعد سقوط النظام في 9/4/2003، وسماعي التصريحات التي أطلقها رموز ومفكرو ومثقفو النظام الطغموي التي عكست حقيقة ما يعتمل في قرارة أنفسهم وهم في ساعة سقوط الكوابح الذاتية، أدركت خطأ إفتراضي من أن تلك الكوادر المتقدمة ما كانت تريد بلوغ حدود التطهير العرقي والطائفي والإبادة الجماعية. أدركت أنهم كانوا يريدونها وهيئوا لها المسوغات الفلسفية والأخلاقية والسياسية. لقد أصر كثيرون أمثال الدكتور محمد الدوري والسيد صلاح عمر العلي والدكتور خير الدين حسيب وغيرهم على أن العراق يجب أن يبقى بقومية واحدة ودين واحد ومذهب واحد. وحتى إذا لم يذكروا المذهب بالإسم فإنهم يشيرون إليه ضمنا حيث أن الإسلام الذي يعنونه هو الإسلام السني، وما عداه فهو طائفي، وهو المفهوم السائد بين كثيرين من اليساريين وأنصاف الديمقراطيين اليوم، للأسف. إن هذا المفهوم هو المدخل إلى سياسة التطهير العرقي والطائفي. هناك سذج بالطبع طرحوها مجردة من اية براقع وتنميقات وهم في حالة صدمة قوية من سقوط النظام أخرجت ما في دواخلهم ولم يترددوا في البوح بها بكل وقاحة. أضرب ثلاثة أمثلة واقعية: 1- خلال الأيام الأولى لسقوط النظام ، قالت الدكتورة (ه) أمام بعض زملائها المدرسين وعوائلهم بأنها تتمنى لو تستطيع ضرب أهل مدينة الثورة (الصدر حاليا) بالكيمياوي وتقصد بالسلاح الكيميائي. 2- وبعد أشهر من سقوط النظام، إتصلت السيدة أم فيصل، العراقية القاطنة في أبي ظبي والبالغة من العمر ستين سنة، بفضائية المستقلة وكان النقاش محتدما وقالت "رحمة الله على أبو صدام كصكص الشيعة وصلة وصلة". 3- وبعد أشهر أفاد السيد عبد الحليم الرهيمي، حاليا القيادي في حزب الأمة العراقية الجديد، بأن زميلا له وهو صحفي ومن مؤيدي النظام الطغموي البعثي، قال له، وهما في معرض الكلام عن الأكراد والقضية الكردية، "شكو خابصينا بالأكراد؟ أضربهم بكيمياوي وخلصنا منهم".

2. نجاحه النسبي في بداية الانقلاب بتوجيه الحزب لحشد نسبة لابأس بها من الجمهور حوله بعضها قسرا وبعضها تعطشا إلى من يمنحها أملا في الخلاص من دوامة الأزمات التي عصفت بالعراق منذ انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الذي خططت له وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ونفذه تحالف بعثي-قومي-رجعي.

3. توفر الاستعداد النفسي لدى صدام للإجرام والاستعداد الفكري لتصفية الخصوم السياسيين والاستعداد التنفيذي الطوعي لدى غالبية أعوانه.

أدناه بعض معطيات خلفيته الأساسية :
1. نشأته في بيئة متدنية جدا في سلم القيم الحضارية. ذكر السيد صلاح عمر العلي وهو تكريتي الأصل بأن العشيرة التي ينتمي إليها صدام معروفة بأعمال السلب والنهب والقتل والاعتداء وأهل تكريت لا يعتبرونها من نسيجهم؛ وكتب الأديب والإعلامي إبراهيم الزبيدي بأنها عشيرة جاءت من خارج تكريت واستقرت في العوجة وكان أهلها شبه منبوذين في محيطهم التكريتي.

2. تخلفه الصارخ في فهم النفس البشرية والتصرف الجمعي للناس. فمجمل أفعاله دل على اعتقاده المطلق بإمكانية استعباد البشر داخل وخارج العراق باستخدام أسلوب الجزرة والعصا لا غير. فظن أنه قادر على جعل كل فرد في العراق بل حتى خارجه غير قادر على التفوه بكلمة واحدة ضده أو ضد عائلته وحكمه. ويبدو أن أركان حكمه انصاعوا لذلك الفهم أيضا وكانوا يتصرفون وفقا له. يذكر أن وزير المالية حكمت العزاوي قال للمرحوم عامر عبد الله القيادي الشيوعي العراقي في عام 1978، وكان السيد عزيز محمد سكرتير عام ذلك الحزب قد غادر العراق آنذاك إلى أوربا وأدلى بتصريحات انتقد فيها السلطة البعثية الطغموية في العراق، قال " نحن نعرف أن عزيز محمد يتكلم ضدنا في الخارج لكن أيدينا تمتد حتى داخل الكرملين." وقد علمت أن مثل هذه التهديدات كررت من قبل مسئولين بعثيين عديدين في مناسبات عديدة وضد جهات عديدة وأشخاص عديدين. بالطبع حصل خلط في ذهن النظام بين صحة نظريته في إمكانية كبت أنفاس الناس وبين نجاحه في القضاء على خصوم له داخل وخارج العراق دون حدوث ضجة كبيرة ضده. إنه لم يفقه بأن بعض الدول كانت تغض النظر عن أفعال أجهزته الإجرامية لا لشيء إلا لأنها كانت تريده بل سعت إلى أن يسير في طريق تدمير الحركة الوطنية العراقية والعربية فساعدته على إزالة مصادر الخطر على الحكم فسكتت على اغتيال حردان التكريتي في الكويت وعبد الرزاق النايف في لندن؛ وتعاملت ببرود مع اغتيال عراقيين وطنيين وديمقراطيين واسلاميين متنورين أمثال الشيخ عبد العزيز البدري خطيب مسجد الكندي في بغداد وعبد الستار خضير وعبد الأمير سعيد والدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرة من القادة الشيوعيين، وقياديين في منظمة التحرير الفلسطينية الذين ربما كانوا حجر عثرة في طريقه إلى اختراق المنظمة وتخريبها أمثال : عز الدين قلق وعلى ياسين وسعيد حمامي وكانوا ممثلي المنظمة في لندن وباريس والكويت.

3. تأصل الروح الإجرامية فيه. فكان ذا نشأة بائسة جلبت له التخلف الثقافي والاجتماعي بلا شك. وغريزة القتل عنده يرويها معارفه منذ الصغر إذ كان يهوى قتل القطط وربما تعذيبها قبل ذلك. وتدرجا من ذلك قام صدام حسين بأول اغتيال سياسي بدم بارد أو بالتعبير القانوني مع سبق الإصرار والترصد بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 إذ اغتال الحاج سعدون مسئول الحزب الشيوعي العراقي في تكريت، وهو رجل محترم في المدينة حسب شهادة السيد صلاح عمر العلي، بتحريض من خاله خير الله طلفاح الملتصق بالافكار الفاشية في حقبة الأربعينات وفصل من الجيش لإرتباطه بحركة رشيد عالي الكيلاني الذي مال نحو دول المحور. وقبل ست سنوات تقريبا ذكرت مجلة " الوطن العربي " اللبنانية أن صدام عقد اجتماعا لرؤساء عشيرته بدعوى أخذ الحيطة في حالة تكرر انتفاضة ربيع عام 1991؛ فطلب منهم أن يذبحوا جميع نسائهم صغارا وكبارا في حالة نجاح أية ثورة قادمة لأن استباحة أعراض النساء سيكون الهدف الأول للثوار. لا يخفى على الإنسان النبيه أن تلك لم تكن دعوة للحيطة والحذر بل كانت تأليبا على قاعدة ( تغدوا بهم قبل أن يتعشوا بكم) ضد جماهير الشعب العراقي للإمعان في اضطهاده وقتله درء لمجيء ذلك اليوم الأسود الذي تستباح به أعراضهم كما أبلغهم صدام. إنه كان يعلم جيدا أن ما سيحصل هو الذي حصل فعلا بعد الإطاحة بالنظام إذ لم تسجل حالة اعتداء واحدة ضد النساء بل أن الزعيم الديمقراطي المعارض البارز ورئيس المؤتمر الوطني العراقي الدكتور أحمد الجلبي استهجن علنا وبشدة بعض الدعوات لأخذ أفراد من عائلة صدام كرهائن؛ هذا رغم أن صدام طلب من السلطات الأردنية وهي التي تستلم منه (800) مليون دولار سنويا (في الوقت الذي لم يجد فيه أطفال العراق الغذاء والدواء) – طلب تشويه سمعة الدكتور أحمد الجلبي لأنه لم يوافق على استخدام مصرفه (مصرف بترا ) في الأردن لتهريب أموال من النظام العراقي إلى عصابات قتل وتخريب وتهريب أسلحة للنظام. وقد أطاع النظام الأردني صاغرا للأسف ذلك الطلب ولفقت أجهزة مخابراته تهمة باطلة للدكتور الجلبي بل أصدرت عليه حكما غيابيا بالسجن ؛ وسأتناول هذا الموضوع منفردا في مكان آخر لأهميته السياسية.

4. تأثره الحتمي بأفكار قائده وملهمه ميشيل عفلق الذي عول في كتاباته على الانقلابات العسكرية أولا وتصفية الخصوم السياسيين جسديا ثانيا من اجل الوصول إلى سدة الحكم ومسك السلطة. لقد وجد كل منهما في الآخر ضالته المنشودة فصدام يبجل "الأستاذ" والأستاذ يقول عن صدام " إنه هبة السماء" نقلا عن الإعلامي السيد أحمد منصور صاحب برنامج " شاهد على العصر" في قناة الجزيرة الفضائية، علما أن السيد صلاح عمر العلي يذكر أن عفلق كان شبه محتجز في العراق وأن أعضاء في القيادة القومية قد اضطهدوا بل قتل بعضهم كمنيف الرزاز على يد صدام.

5. -إن النظام الذي يحمل تلك الشحنة من الإجرام لا يبقى له مجال للتفكير السوي والتقييم الموضوعي فيغرق بذاته ومشاريعه الخاصة وفي ذلك تهيئة للتربة الصالحة لازدهار بذور هلاكه الداخلية. أول ما يصاب به هو الغباء السياسي ورأس النظام كان يحمل تلك الصفة أصلا؛ ومن مظاهره عدم معرفته بقواعد اللعب السياسية الدولية ولعبة الحياة نفسها التي لا تستقر على حال فهو لا يملك غير الذكاء في مجال الخبث الفطري الغريزي الذي يكشف ويسقط إن عاجلا أو آجلا ومن بعدها يصبح عاريا منبوذا على الأصعدة الداخلية والإقليمية والعالمية ؛ وهذا ما حصل فقد أطيح بالنظام الذي حسبه مصممه صدام أنه " القلعة الحصينة " معتقدا أن الخطر قادم إليه من شعبه وحسب فأعد له العدة البارعة والموغلة في الإجرام وباهظة الثمن الذي اقتطع أمواله من ثروات الشعب، مبتدئا بالتطهير ومنتهيا بتحصين القلاع فأتته الضربة من اتجاه آخر فصرعته. الحقيقة المؤلمة في الموضوع هي أن هذا الغباء أعطى قوة دفع إضافية لرأس النظام للمضي في أعمال الإجرام والإبادة والتطهير لأنه لم يخش العواقب لسبب بسيط أنه لم يفقهها لأنه مصاب بالغباء السياسي. وأدرج أدناه بعضا من مظاهر ذلك القصور في الفهم:

اعتقد صدام، كما تشير الدلائل، إلى أن حكم البلاد بقبضة من حديد قادر على رفع شأنه ورصيده لدى الدول العظمى وإسرائيل صاحبة المصالح في المنطقة. هذا صحيح عموما ولكن بحدود وشروط كان يجهلها صدام. فقبضته الحديدية لم تنتج نظاما له نصيب معقول من شروط الاستقرار الدائم لا المؤقت. مثلا اغتيل السادات واهتزت الدولة المصرية إلا أنها استطاعت تجاوز الأزمة وصمدت كدولة كما لم يهتز النظام عند وفاة الملك حسين والملك حسن الثاني والرئيس حافظ الأسد. بينما أنتج إرهاب صدام نظاما هرميا مقلوبا يقف على رأسه فكان ذا "توازن قلق" في لغة الميكانيكا وكان معرّضا للانهيار في أية لحظة يحصل فيها طارئ طبيعي أو فعل بشري على ذلك الرأس وكان ذلك كافيا لانفراط عقد النظام برمته. لقد حصل هذا فعليا يوم 9/4/2003 عندما هرب رأس النظام فانهارت الدولة بأكملها علما أن وضعه كان أفضل من حيث الاستعداد مما كان عليه في عقد الثمانينات وبداية التسعينات. إن نظاما من هذا القبيل لا يمكن أن يقبل كحليف أو عميل ثابت يعتمد عليه، من قبل الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة. بل يستفاد منه لفترة محددة وينهى.

من جهة أخرى فإن الدول العظمى لا تغفر لحليفها أيا كان بل تتبرأ منه أمام الملأ على الأقل إذا مسك وهو يقوم بأفعال منافية للقانون الدولي كاستخدام أسلحة محظورة دوليا مثل السلاح الكيميائي الذي استخدمه صدام ضد الشعب الكردي في حلبجة وضد ثوار الأهوار في جنوب العراق وضد إيران في حرب الخليج الأولى ضنا منه بأن ذلك كان سيبهر الأمريكان لصرامته وجرأته التي يمكن أن يعتمد عليها في تنفيذ أية مهام توكل إليه. نعم إنهم يستفيدون من مثل هكذا مستهتر، ويحاولون وحاولوا بالفعل التستر عليه، ولكنهم لا يعلقونه على شماعتهم أولا ويدينون أعماله علنا، بعد فشل مساعي التستر عليه، ثانيا، إلا إذا كانوا مضطرين مصلحيا بشكل محرج. وهذا ما حصل فكان نظام صدام يوصف أمريكيا بالاشتراكي ويعلق على شماعة الاتحاد السوفييتي؛ ومجلة التايم الأمريكية نشرت في وقت جريمة حلبجة تقريرا عن الهجوم الإجرامي ونشرت صورا لضحايا الهجوم من نساء وأطفال وشيوخ كما ذكرت أن فيلما حيا عرض على الرئيس ريغن الذي عبر عن بالغ امتعاضه. كما أن الولايات المتحدة صوتت إلى جانب إدانة العراق في الأمم المتحدة لبدء الحرب مع إيران ولاستخدامه السلاح الكيميائي ضدها هذا في الوقت الذي دعمته سرا ضد إيران، وزار رامسفيلد نفسه العراق في بداية الحرب على إيران، ونشرت وثائق في أمهات الصحف الأمريكية خلال شهر كانون الثاني 2004 تشير إلى التقرير الذي قدمه دونالد رامسفيلد إلى الرئيس ريغن وأكد فيه على إمكانية العمل مع صدام حسين.

كمثال آخر أكرر ما ذكرت في مكان آخر من أن وكالة الإستخبارات المركزية (سي آي أي) تعرضت لنقد شديد من قبل الرأي العام اليساري والديمقراطي والليبرالي في أوربا وأمريكا والعالم على ما حصل من انفلات إجرامي من قبل البعثيين والقوميين والرجعيين ضد الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين العراقيين بعد انقلاب 8 شباط 1963؛ فما كان من وكالة الإستخبارات إلا أن أوضحت للرأي العام بأنها قد طلبت سلفا من الانقلابيين ألا يلجئوا إلى القتل العشوائي بل عليهم إقامة محاكم سريعة؛ كما أوضحت أنها قد وجهت اللوم إلى قادة الانقلاب لعدم التزامهم بذلك العهد.
من ناحية أخرى وبسبب جهله السياسي حسب صدام بعض الصيغ السياسية وكأنها أزلية فتصرف على أساس ذلك. نعم أضطهد الشيعة والأكراد لقرون طويلة وأكمل المشوار في القرن العشرين النظام الطغموي الملكي المدعوم من قبل بريطانيا. ولكن إذا كان اضطهاد العثمانيين للشيعة والأكراد نابعا من نظرة طائفية ومصلحية في آن واحد فإن اضطهاد البريطانيين لهما كان مصلحيا بحتا. هذا هو منطق الرأسمالية المتطورة " لا توجد صداقات ثابتة ولا عداوات ثابتة بل توجد مصالح ثابتة " كما قال دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر وهو قرن التوسع الاستعماري الإمبريالي؛ وهذا بالمناسبة هو نمط التفكير البراغماتي (العملي) الذي يعتمده الغرب في التعامل مع الأمور ومفاده باختصار (ما ينفعني هو الصحيح) . فإذا كان الغرب بحاجة إلى نظم ضعيفة تحتمي به وبالمقابل تقوم برعاية مصالحه ضد حركة الشعوب التحررية في القرن الماضي فإنه ما عاد بحاجة إلى تلك الصيغة بعد النكسة التي حلت بالحركة الديمقراطية الوطنية لدول العالم الثالث بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. لذا فما عادت أمريكا التي أصبحت القطب الوحيد في العالم مضطرة لمعاداة الشعوب، بشكل همجي ومباشر، بل تستطيع التفاهم معهم، خاصة بعد استقرار الصيغ السياسية والاقتصادية بين الإمبرياليين ودول العالم الثالث في حقبة ما بعد الحرب الباردة، على حالة تحتم على القوى التقدمية والديمقراطية ابتداع وسائل نضالية جديدة سنأتي على تفاصيلها والوضع الدولي لاحقا. ومن ضمن هذه الشعوب هو الشعب العراقي بأحزابه الديمقراطية المنبثقة من قومياته وأديانه ومذاهبه وما عادت الديمقراطية في العراق مكروهة ومرفوضة بالمطلق بالنسبة إلى الرأسمالية العالمية كما كانت عليه لأنها كانت ستميل نحو الحركة الثورية العالمية في القرن الماضي ولكن ليس أمامها الآن أي الديمقراطية العراقية سوى ضمان حرية وكرامة عيش وسلامة وأمن أبناء العراق من التطهير العرقي والطائفي الذي مارسه صدام ولقي تشجيعا مبطنا من الولايات المتحدة لتطبيق قاعدة "يريكم صدام الموت لترضوا بالحمى الأمريكية". أما موضوع الحرب والديمقراطية والحمى وغيرها فهي مجال بحث في فصل آخر.
لذا فإن أمريكا هي التي كسبت الشعب العراقي في نهاية المطاف وليس صدام الذي استمر في إرسال الناس الأبرياء إلى القبور الجماعية والمفرمة البشرية وأحواض الحامض المركز حتى آخر يوم من حكمه مؤمنا بأن بضاعته ما زالت رائجة إن لم يكن للأمريكان فلإسرائيل ولذلك لم يصدق بأن أمريكا جادة في شن الحرب والإطاحة به كما اعترف الدكتور محمد الدوري مندوب العراق في الأمم المتحدة في مقابلة له مع قناة "العربية" نقلا عن إذاعة العراق الحر ب. واعترف الدوري أيضا أن وزير الخارجية ناجي صبري الحديثي أخبره بذلك؛ كما أفاد بنفس المعلومة أيضا طارق عزيز إلى المحققين الأمريكان، بل قال أن صدام قال لهم، عند سماعه نبأ نزول القوات الأمريكية في البصرة، بأن تلك خدعة، حسب صحيفة الواشنطن بوست والتي أشرت إليها تفصيلا في مكان آخر.

ما أن تولى صدام مهمة الأجهزة الأمنية في الحزب والدولة حتى بدأ بإبعاد كل العناصر التي لا تروق له وأستبدلهم بأشخاص غير مؤهلين موالين له بفعل فضله عليهم أو لتوريطهم في أعمال إجرامية جعلتهم تحت طائلة الابتزاز. ذكر السيد صلاح عمر العلي أن صدام غداة استلامه مسئولية الأجهزة الأمنية المسماة ( مكتب العلاقات العامة ) أتى بخمسين عنصرا غير مؤهلين وليس لديهم مستوى ثقافي من أهالي العوجة مسقط رأسه فسلمهم سلاحا وسلطة ومسئوليات. إن أشخاصا بهذه المواصفات وهذه المغريات وبالشحن المتخلف الذي يشحنون به حتما فيما يخص الخصوم السياسيين من شيعة وأكراد وشيوعيين وديمقراطيين سيكونون أقرب إلى الحيوانات الشرسة الجائعة مما هم إلى بني البشر. وعلى أمثال هؤلاء الناس اعتمد صدام في تنفيذ التطهير.

4. وجود شبكة مصالح داخل العراق وفي المنطقة والعالم دعمته في أعماله التطهيرية أو تسترت عليها أو سكتت عنها علما أن ثروات العراق النفطية والاحتياطي الكبير الذي يملكه كان ومازال مركز جذب للمنتفعين. لقد نشرت جريدة المدار العراقية بتاريخ 25/1/2004 قائمة ب(270) شخصية من (46) بلدا استلموا ملايين البراميل النفطية بطرق ملتوية عبر مذكرة التفاهم بين العراق والأمم المتحدة التي نظمت برنامج ( الغذاء مقابل النفط).

5. إن انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الذي جاء على خلفية صراع حكومة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم مع شركات النفط العاملة في العراق بموجب الامتياز الذي منحه إياها العهد الملكي قد أعطى مردودا باتجاهين:

5.1- خارجيا: إن دعم الدول الغربية إبان الحرب الباردة للمغامرين وطلاب السلطة والجاه في العراق مقابل مراعاة مصالحها وخاصة النفطية منها شجعت ذلك التوجه الانقلابي العسكري على أيدي أناس بعيدين كل البعد عن الفكر الديمقراطي وحقوق الإنسان وما تبعه من قمع للمعارضة الداخلية حتى بعنف مفرط دون رادع حقيقي عدا انتقادات الرأي العام الديمقراطي وهو ما لا يعني السلطات الطغموية بكثير وقد حصل هذا عام 1963. تكرر المشهد في ثمانينات القرن الماضي عندما أقدم النظام على شن حربه على إيران خدمة للولايات المتحدة والرجعية العربية فأقدم على شن حرب تطهير عرقي ضد الشعب الكردي دون ضجة تذكر في العالم والعالم العربي مع الأسف. وبعد حرب الخليج الثانية أي في تسعينات القرن المنصرم كان النظام على وشك السقوط على يد الشعب العراقي في أعنف انتفاضة عرفها العراق في القرن العشرين وهي انتفاضة ربيع عام 1991. لكن الولايات المتحدة أرادت إسقاطه في الوقت الذي يناسبها وبالوسيلة التي تناسبها وعلى يد من يناسبها وفيما بين الحرب وسقوط النظام سمح له، على الأقل في المنطقة التي كان يسيطر عليها، بممارسة التطهير الطائفي والعرقي ضد الشيعة والأكراد والتركمان والآشور الكلدانيين والأزيديين ومرة أخرى دون احتجاج من أحد رغم صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 وهو قرار غير مسبوق من حيث مطالبته بحماية الشعب العراقي من حكومته. غير أن القرار لم يفعّل وبقي حبرا على ورق، وذهبت احتجاجات النائبة العمالية البريطانية (آنا كلويد) رئيسة لجنة (اندايكت) المطالبة بمحاكمة رؤوس النظام العراقي على جرائمهم ضد الإنسانية، ذهبت أدراج الرياح لأن أمريكا لم تكن راغبة بذلك.

5.2- داخليا: إن المذابح والأعمال الإجرامية التي رافقت ذلك الانقلاب دون أن يلقى مرتكبوها العقاب على يد الشعب العراقي وقواه الوطنية والديمقراطية لعدم تمكنهم من ذلك لضراوة القمع الموجه ضدهم منذ ذلك الانقلاب، قد كانت المشجع الأول والمقدمة إلى أفعال أشد وأعتى حصلت بعد رجوع البعث الطغموي للسلطة ثانية حتى آلت إلى أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والطائفي. كل ذلك والدول الكبرى لم تكترث بمساعدة الشعب العراقي على تقديم المذنبين للعدالة.

ماهية التطهير:
لدى تأمل الأفعال التي مارسها النظام الطغموي البعثي والتي تندرج تحت باب التطهير العرقي أو الطائفي على حد سواء وجدت أن لها هدفا ومخططا وأساليب مترابطة مع بعضها البعض لتنجز الهدف.
الهدف:
الهدف الذي رمى إليه صدام هو محو الهوية القومية للكردي والتركماني والآشوري والأزيدي والهوية المذهبية للشيعي.
يتبادر إلى الذهن مباشرة عند الكلام عن محو الهوية القومية للشرائح الأربعة أعلاه المفهوم المبسط مباشرة وهو تبديل قومية الإنسان غير العربي إلى القومية العربية، وعند الكلام عن محو الهوية المذهبية للشيعة يتبادر إلى ذهن القارئ المفهوم المبسط الآخر وهو جعل الشيعي سنيا من حيث المذهب. هذا هو المقصود من قبل النظام ولكنه ليس المقصود من قبلي بالكامل بل قد يكون جزء من الهدف إلا أنه ليس الهدف الإجمالي.
لمعرفة الهدف الكامل علينا أن نطرح على أنفسنا سؤالا آخر: لماذا أراد صدام محو الهويتين القومية والمذهبية وجعله هدفا له؟
بادئ ذي بدئ علي أن أوضح أني نسبت موضوع محو الهوية إلى صدام حسين رئيس الجمهورية العراقية عينه لا غير لأنني لاحظت، استنادا إلى مجريات الأمور، أن المشروع بأكمله هو من بنات أفكار صدام نفسه ومرتبط مع مشاريع أخرى لم يبح بجميعها إلى أي شخص خارج الدائرة الضيقة جدا لمؤتمنيه الخاصين كولديه عدي وقصي وربما للمقربين من أقاربه كعلي حسن المجيد وعبد حمود التكريتي . أرى أن هذا المشروع أي مشروع محو الهوية مرتبط مع مشروع إعلان العراق دولة ملكية، الذي تطرقت إليه في مكان آخر من الكتاب، يجلس صدام على عرشها وتصبح عائلته هي العائلة المالكة العراقية. وهذا كان يقتضي ضمان موافقة الدول العظمى والدول المجاورة لا من الناحية القانونية بل من الناحية الأدبية. أعتقد أن حسابات صدام كانت كالتالي: إن ضمان تأييد الدول العربية الرئيسية وبعض الدول الأوربية ليس مهما جدا بالمقارنة مع أهمية دور الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وعلى كل حال فتمكن طمأنة تلك الدول وكسب تأييدها بتقديم المنافع المادية لها من جهة واللعب على وتر التخويف من محور محتمل شيعي يمتد من إيران فالعراق فسوريا فلبنان مما يهدد مصالحها. أما الولايات المتحدة وإسرائيل فاعتقد صدام بأن تخوفهما من المحور الشيعي المحتمل المشار إليه سلفا أمر نصب الأعين في كل الوقت تضاف إليه ضرورة إبهارهما بإظهار سيطرة صدام المطلقة على الشعب العراقي وبجاهزية العراق للقيام بأية مهمة تسند إليه، كإنجاز الترانسفر، أي توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق، خاصة بعد سقوط شاه إيران حارس مصالحهما في المنطقة، مثلما أثبت ذلك بالفعل لا بالقول في شن الحرب على إيران الإسلامية وكذلك بالأخذ بإغراء الأمريكان لغزو الكويت وقبول كل تبعاته الكارثية على الشعب العراقي دون أن يتحرك وتر من ضميره للتنحي عن الحكم أو تسليم أسلحة الدمار الشامل مباشرة بعد حرب تحرير الكويت لكنه آثر ثانية الركض وراء الإغراء الأمريكي للبقاء في الحكم والإمعان في تدمير العراق وكان الإغراء متمثلا بتمكينه من قمع انتفاضة ربيع عام 1991، وعدم جدية الأمريكان في التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل أيام لجنة أونيسكوم سواء تحت قيادة أكيوس أو ريتشارد بتلر لإطالة أمد معاناة الشعب العراقي (لأهداف ستراتيجية لاحقة مبحوثة في مكان آخر) بشهادة ضابط المخابرات الأمريكي سكوت ريتر الرئيس الميداني لإحدى فرق التفتيش.

خلاصة القول أن صدام أراد تحويل الشعب العراقي إلى شعب خنوع مطيع يفعل ما يشاء به دون معارضة. وظن أنه يحقق ذلك عن طريق تحويل غير العرب إلى عرب والشيعة إلى سنة. ربما اقتدى صدام ببعض التجارب في التاريخ الإسلامي والعربي وغيرها ولكنه لم يلحظ أنها كلها باءت بالفشل الذريع. الحياة خاصة المعاصرة لا تسمح بهذا المنطق. مع ذلك فجهله جعله يصر على هذا المسار. ولكن ومن غير علمه كاد أن يصل إلى حالة لم يكن يقصدها ولكنها موضوعيا تحقق هدفه في خلق الشعب المطيع الخنوع إذا بقيت العوامل الأخرى ثابتة وهي لا يمكن أن تكون ثابتة لأن ذلك ليس من طبيعة الحياة لذا فإنه لم يستطع نيل تلك الحالة. إنه حصل على حالة فعل ما يشاء بالناس ولكن بوجه معارضة صامتة رافضة خاضعة لقمع لا مثيل له. إن ما حسبه صدام أن يكون تحويلا مباشرا في القومية أو المذهب كان في الواقع عملا يؤدي إلى مهاجمة ثوابت التكوين الثقافي الذاتي للإنسان وزعزعته دون أن يقدم له بديلا مقبولا فتحصل حالة البلبلة والاغتراب عن الذات. جرى هذا عبر حجب الإمدادات الثقافية والروحية اليومية عن المواطن وإحلالها بسيل من الثقافة البديلة الهابطة المشوهة غير المستساغة من قبله. أصبح المواطن غير قانع بما يأتيه وغير قادر على متابعة ما يرغب به. وهنا يحصل الصراع والتشوش بل التمزق الداخلي في الإنسان حتى يصل حالة الخواء والضياع فيما لو استمر الحال على ذلك المنوال. والإنسان الضائع المغترب عن ذاته والمشوش يسهل اصطياده وإخضاعه لمشيئة الحاكم وخلق المجتمع الخانع المطيع، لأن الفرد فقد مرجعيته الأصيلة داخل ذاته وحقن بمفاهيم غير قابلة للهضم والإقتداء بها. أورد مثلا من حالة التطهير الطائفي، لأن شرح حالة التطهير العرقي واضحة للعيان؛ فماذا يبقى من احترام الكردي أو التركماني أو الآشوري لنفسه إذا أصبح عربيا بين ليلة وضحاها في سجل النفوس بطلب تحريري منه بسبب تهديده بمصادرة ممتلكاته ورميه وعائلته خارج مدينته؟ إن فهم حالة التطهير الطائفي أصعب لأن كثيرا من القراء يتبادر إلى ذهنه أن ذلك يخص الإسلاميين الشيعة وحسب، ولأن ليس هناك سجل ولا تسجيل فكيف يتم إعلان التغيير؟ لنأخذ شيوعيا من أصل شيعي وهي أصعب حالة لأن الشيوعي بعيد عن الانتماء الطائفي فكيف يتم تطهيره طائفيا إذا؟ أعتقد أن معظم الشيوعيين العراقيين بل العرب بل شيوعيي العالم الثالث دخلوا أحزابهم الشيوعية من منطلق أخلاقي إنساني غرزته بهم بيئتهم ذات الخلفية الدينية سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو مندائية أو أزيدية أو يهودية لأن هذه البلدان لم تصل في سلم تطورها الاقتصادي الاجتماعي حد التبلور الطبقي الواضح الذي رأيناه ونراه في الدول الرأسمالية المتطورة. لذا فالشيوعي العراقي المسلم سنيا كان أم شيعيا يبجل الأمام علي والخليفة عمر ويرفض معاوية وأعتقد أن ذلك الشيوعي ارتضى الاشتراكية إقتداء بسيرتهما الممثلة لتعاليم الإسلام المنتصرة للفقراء والمسحوقين ( ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع وهو يعلم به – حديث نبوي) والمسيحي إقتداء بالسيد المسيح. وأعتقد أنه عندما تحجب عن المجتمع المعلومات التاريخية الصحيحة والبحوث القيمة بكافة جوانب الحياة بضمنها الدينية ككتاب أحمد صالح عباس " اليمين واليسار في الإسلام" وكتاب عبد الرحمن الشرقاوي " علي إمام المتقين" وكتب الدكتور طه حسين " الفتنة الكبرى" و "علي وبنوه" وتقدم ثقافة إسلامية مشوهة كقصة اليهودي عبد الله ابن سبأ بكونه مؤسسا للمذهب الشيعي التي يرددها الوهابي أبو منتصر البلوشي في الفضائيات العربية والتي دحضها الدكتور طه حسين، من قبل، ودحض حتى نظرية وجود عبد الله بن سبأ أصلا؛ هذه وغيرها من التشويهات التي ينشرها الوهابيون الذين تحالف معهم النظام الطغموي البعثي للقيام بالمهمة مستغلين صعوبة الأوضاع السياسية أثناء الحرب العراقية الإيرانية ثم الأوضاع الاقتصادية أثناء الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق، أو ينشرها خير الله طلفاح الذي كتب كتيبا في سبعينيات القرن الماضي ادعى فيه أن الإمام علي لم يسلم قتلة عثمان لأنه كان يريد أن يحافظ على حكمه أي لسبب انتهازي وقد فاته أن عليا لو أراد المحافظة على الحكم بأي ثمن لثبّت معاوية في ولاية الشام ولمنح طلحة أو الزبير ولاية العراق كما طالب بها مقابل عدم التراجع عن البيعة ولما كان هناك قميص عثمان ولا حرب الجمل- أقول لو حجب الصحيح وقدم المشوّه في خضم وضع يلفه التعتيم والديماغوجية والكذب والتزوير والغش والنهب والارتشاء والتعذيب والقتل لسرى الشك رويدا رويدا إلى نفس وعقل ذلك الحزبي ولتساوت في ذهنه في يوم من الأيام طال أم قصر قيم علي وقيم معاوية ولأصبح بالتالي إيمانه بالعدالة الاجتماعية والاشتراكية والمبدئية مهزوزا لقبوله ثقافة معاوية البراغماتية التي سعت لمصلحة قصره وحاشيته وعشيرته أساسا بأي ثمن بضمنها فرض الجزية على مسلمين غير عرب، وهنا يقع التشوش والصراع والضياع والوقوع فريسة بيد النظام وهو المطلوب كنتيجة للتطهير الطائفي.

في الحقيقة أتوقع أن يحصل هذا النوع من التطهير الطائفي بشكل واسع لو واتت صدام الظروف، أما صور التطهير الأخرى عرقية كانت أم طائفية فتشمل القتل والتهجير وغيرها من الصور التي سنأتي عليها؛ وكل هذه كانت ستقدم لصدام شعبا مطيعا خانعا فاقدا لشخصيته يصبح المواطن فيه أقرب إلى الجندي الانكشاري مما هو إلى مواطن عراقي معروف بفكره السياسي حتى قال عنه نجيب الريحاني في عشرينيات القرن الماضي " ليس في العالم أكثر من العرب اهتماما بالسياسة وليس بين العرب أشد تعلقا بالسياسة من العراقيين".

المخطط :
تشير الشواهد العملية التي نفذها النظام في مجال التطهير العرقي والطائفي إلى أنه كان يمتلك مخططا لبلوغ هدفه يتكون من عناصر عديدة تنفذ بعضها بالتعاقب وأخرى بالتداخل:
1. فصل القيادة عن القاعدة،
2. تجفيف منابع الفكر والثقافة الديمقراطية دينية كانت أو علمانية،
3. التعتيم الثقافي والإعلامي الحر وضخ الثقافة الهابطة المشوهة والمزورة،
4. التشويش الفكري مثلا بالتحالف مع وهابيين من السعودية للتبشير في المناطق الشيعية وفي وسائل الإعلام،
5. استخدام أوحش أساليب التنكيل لتخويف الناس من تحدي سياسة التطهير كالضرب بالسلاح الكيميائي في حلبجة وكدفن حافلة تقل أكثر من أربعين شخصا متوجهين لزيارة العتبات المقدسة مع ركابها وهم أحياء أو رمي الناس في مفرمة بشرية وهم أحياء أو رميهم وهم أحياء في أحواض الحامض المركز؛
6. تقليص أعداد النشطين بقتلهم أو تعذيبهم أو سجنهم أو تهجيرهم خارج العراق وعلى العكس السماح لأعوان النظام من غير العراقيين للتواجد في العراق. كمثال على ذلك، ذكر في فضائية (الحرة-عراق بتاريخ 7/5/2005) / برنامج أبواب ما يلي: (حقن النظام الطغموي في عهد صدام بعض الشباب بدم ملوث بالأيدز). و أعتقد أن النظام كان يرمي إلى انتشار المرض بين السكان المعارضين وهي احدى وسائل التطهير. وقد ذكر سابقا السيد حسن العلوي في فضائية الحرة أيضا أن مسئول السجن في قصر النهاية أتى بأكثر المصابين في مرض السل تدهورا من حيث تقدم المرض ليبصق بفم أعند المناضلين الذي صمد تحت التعذيب ولم يعترف.
7. جعل العاصمة بغداد منطقة مغلقة للنظام وأعوانه من عراقيين وغير عراقيين بعد طرد سكانها غير المرغوب فيهم بحجة إعادتهم إلى المحافظات التي جاءوا منها قبل أربعين عاما وذلك لحماية النظام من الشعب أولا ولتسهيل قتل الناس في المحافظات بالجملة دون رقابة قادرة على إبلاغ الرأي العام بما يحصل والتفاصيل ستأتي لاحقا. أذاع راديو لندن في 7/5/2005 تقريرا من مدير مكتب البي بي سي العربي في بغداد السيد عبد الكريم العبيدي حول الملكية المنزوعة في بغداد من قبل حكومة البعث من المواطنين العراقيين : قال التقرير إن نزع الملكية استخدمته السلطة لأغراض سياسية ولإحداث تغييرات ديموغرافية في بغداد. ونقل التقرير عن المحامي الفلاحي، الذي يتولى الدفاع عن حقوق عدد كبير ممن أصابهم هذا الحيف، قوله أن هناك مليون عقار يقع ضمن هذا الإطار. وذكر التقرير أنه بعد سقوط النظام شكل مجلس الحكم هيئة مختصة بالنظر في دعاوى المواطنين من هذا النوع. وقال رئيس هيئة التسوية العقارية السيد فارس ثامر فيصل بأن المصادرات كانت بأوامر من مجلس قيادة الثورة في عهد صدام وكانت كلها جائرة. فقد صودرت أملاك المواطنين لأتفه الأسباب كعدم تسييج قطعة الأرض أو لسفر صاحبها أو لإشغالها من قبل عناصر الأمن أو بحجة احتياج الدولة لها للمصلحة العامة أو لإقامة مشروع وليست هناك مصلحة حقيقية أو مشروع حقيقي.
8. إطالة أمد الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة وحجب الدواء والغذاء تعمدا لنشر الأمراض والهلاك؛
9. محاولة توطين ملايين الفلسطينيين في العراق بالاتفاق مع إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية في إقامة الدولة وعودة اللاجئين لتقوم إسرائيل بدعمه لدى الولايات المتحدة من جهة ولإحداث تغيير ديموغرافي في العراق لصالح سياسة التطهير العرقي والطائفي. لم ييئس اليمين الإسرائيلي من هذا المشروع بعد سقوط النظام الطغموي. لذا حاول ثانية بعث الروح به ربما بعد أن رشح صدام للإسرائيليين من يتولى الأمر بعده من أعوانه. من هذا، ونقلا عن فضائية الجزيرة، جاء في تقرير صحيفة المستقبل الأردنية بتأريخ 21/1/2004 ما يلي:

عادت اسرائيل الى سياسة الترانسفر ومن السينوريهات المطروحة توطين الفلسطينيين في المثلث السني في العراق الذي سيستقبل قادته الفلسطينيين برحابة صدر لتعزيز موقفهم بعد أن فقدوا كثيرا من الامتيازات بعد اطاحة النظام.

الأساليب:
تشير الشواهد العملية التي نفذها النظام في مجال التطهير العرقي والطائفي إلى أنه اتبع أساليب متنوعة للوصول إلى هدفه وهي:
1. ضرب المركز.
وأول ما بدأ به كان مركز الحركة الوطنية الكردية الذي تحالف ضده النظام مع شاه إيران في اتفاق الجزائر عام 1975 وعقد اتفاقا آخر مع الحكومة التركية تسمح للطرفين الدخول عسكريا في عمق البلد الآخر مسافة عشرين كيلومترا لملاحقة أكراد بلده. كان ذلك بعد الإطاحة بالشاه وتخفيف التآمر والضغط على الحركة الوطنية الكردية في كردستان العراق من الجانب الإيراني.
أما الحوزة العلمية بالنجف أي مركز المرجعية الإسلامية الشيعية فلم تنقطع محاولات تصفيتها منذ السنين الأولى للنظام حتى آخر يوم له. كانت الحوزة العلمية تضم ثلاثين ألفا بين مجتهد وطالب علم في عام 1969 وأصبح فيما بعد سبعمائة فقط بينما تضاعف لعدة مرات العدد في الحوزة العلمية في مدينة قم بإيران وذلك بسبب الاضطهاد العنيف الذي مارسه حكم البعث الطغموي ومع ذلك هناك من بقي من المراجع متحديا السلطة الدكتاتورية.
لم تكن هناك مقرات رسمية للحركات الإسلامية السياسية وأكبرها حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق لأنها كانت مطاردة منذ البداية.
أما الحزب الشيوعي فقد أغلق مكاتبه بعد انتقاده السلطة الطغموية عندما أظهرت ميلها نحو المخططات الأمريكية وتقديمها شهادة حسن سلوك للغرب بإعدام 32 شيوعيا وصديقا لحزبهم وشددت القمع ضد منتسبي الحزب أكثر صراحة بعد أن كان شبه مخفي.
2. اغتيال القياديين وتشريدهم:
تم اغتيال أكثر من مائة شخص من الحوزة العلمية وبعضهم مراجع بدرجات علمية رفيعة منهم آيات الله: محمد باقر الصدر والبرجوردي والشمري والباكستاني ومحمد مهدي الحكيم ومحمد صادق الصدر.
كما اغتيل قياديون في الأحزاب والحركات الإسلامية كالشيخ عبد العزيز البدري وفي الأحزاب الكردية ومنهم صالح اليوسفي ودارا توفيق الصالحي ومن الحزب الشيوعي ومنهم عبد الستار خضير وعبد الأمير سعيد والدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرة.
هذا وتم تشريد مئات القياديين إلى خارج العراق من كافة الأحزاب والتنظيمات الديمقراطية إسلامية وعلمانية بعد أن شخصتهم الأجهزة الأمنية وكانوا معرضين للتصفية في أية لحظة.
3. منع الاحتفالات بالمناسبات الدينية والقومية والوطنية :
وقد شمل ذلك المنع كافة الحركات والأحزاب وكان أشدها وطأة على الجمهور العراقي منع الزيارات للعتبات المقدسة في كربلاء والنجف في المناسبات الدينية.
4. النيل من العتبات المقدسة في كربلاء والنجف : كما سنوضح ذلك أدناه.
5. محاربة الناس بشتى السبل خاصة وأن تموين الغذاء أصبح بيد السلطة ومحاربته في أرزاقهم عبر فصلهم من وظائفهم؛
6. محاولة بث الفرقة الطائفية والعنصرية بين أبناء الشعب العراقي وخاصة بين الشيعة والأكراد أكبر شريحتين في المجتمع العراقي؛
6. شراء الذمم بأموال العراقيين على نطاق واسع في المنطقة والعالم وعلى مستويات مختلفة من حكومات ووزراء ونواب وصحفيين وغيرهم ؛ وقد أشرت أعلاه إلى ما نشرته جريدة المدى حيث تم تزويد 270 شخصية عامة سياسية وثقافية ومالية وحزب وجهة دينية ومدنية في 46 بلدا بكوبونات النفط.
7. دفع الناس غير الموالين للسلطة إلى الهجرة خارج العراق وتسهيل مهمة سفرهم؛ لذا ترك العراق قرابة أربعة ملايين مواطن انتشروا في أرجاء الأرض وكم منهم ابتلعته البحار وأكلته الأسماك المتوحشة وكم قتل غدرا في عرض البحر بأيدي أصحاب السفن التي تقلهم بشكل غير شرعي بعد أن يجردوهم مما هو ثمين لديهم وكم منهم من أعيد تسليمه إلى السلطة العراقية لتعدمهم كما حصل في لبنان الذي سلم العراقيين تحت تأثير رشاوى النظام البعثي والتأثير السعودي والميول الفرانكفونية أما من وصلوا بر الأمان فكانوا في ظروف لا يحسدون عليها حتى في الدول الأوربية المتقدمة والولايات المتحدة ولا شأن لنا بمأجوري النظام من وسائل الإعلام العربية والفئات السياسية المتنوعة التي كانت تكيل الكذب والتهم بلا ذمة ولا ضمير ضد الطلائع السياسية المناضلة في الخارج بكونهم يسكنون في الفنادق الفخمة ويركبون السيارات الفارهة.

تشير المؤشرات إلى أن قيادة السلطة الطغموية كانت تقوم بتنفيذ هذه الإجراءات على مراحل وتطرح كل مرحلة على من يعنيه الأمر للتنفيذ دون أن يعلم المقصود والفكرة الأعم وربما يعطى تبريرا لا علاقة له بالهدف الحقيقي ومن جانبه لا يجرؤ على السؤال عن أي شئ.

وإلى حلقة قادمة.