| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 24/9/ 2008

 

هل سيكون العراق ملاذنا الأخير ؟ *
( في تأبين الشهيد كامل شياع )

د.فاضل سوداني
Fasoudani6@hotmail.com

بحثا عن حريته طوي الشهيد كامل شياع صفحة منفى مرفه كان يعيشه ليعود الى منفى داخلي اسمه العراق المجهول، بالرغم من خطورة الامر حيث لم يكن نزهة ولا مغامرة ولا حماس رومانتيكي وانما شعر بانه مدعو لرحلة نحو المجهول ، وبالتاكيد فان هذا هو سر انجذابه للعودة .
إذ ان القضية بالنسبة الى مثقف ومفكر وصاحب مشروع مثله تعني الحياة والموت ، وتعني التماس مع هذا المجهول الذي لا يكون تماسا آمنا في كل الاحتمالات إلا أنه يمكن ان ( يُشبع الرغبة في الوجود والفعل والانغمار.)أي الرغبة في الحياة .
والعراق المجهول هو الذي دفع كامل ان يفكر بان وجوده في المنفى المرفه لا يجعله انسانا كاملا ،ولذلك فان جزءا من مشروعه هو البحث عن هذا العراق المجهول حتى وان كان وسط الالغام .
وهذه الحقيقة تُـلغي السؤال الذي سأله الكثيرون : لماذا عاد الى المجزرة ؟

بالتاكيد عاد لانه صاحب مشروع عراقي كان يحلم بتحقيقه ، ولانه ايضا يريد ان ُيغني تجربته الحياتية بأسئلة جديدة في محيط جديد مجهول بعد ان استنفذ تجربة المنفى ، لآنه من الرجال القلائل الذين ينظرون الموت بهدوء ولا مبالاة ،لانه موت وشيك وعبثي ولكن لا بد أن يخشاه لانه يعشعش في كل زاوية من زوايا العراق . وبما ان كامل لا يستطيع ان يوقف هذا الموت العبثي والمجاني في الحياة العراقية اليومية ، لذلك فهو يمتلك القدرة على البكاء سرا (كم بكيت في سري حزناً على مشاهد الدماء المسفوكة في كل مكان) هكذا يقول .
عاد لانه شعر ايضا بان مهمته الان هي ان يساهم بصناعة التاريخ الجزئي والخطر في وطنه عسى ان يتشكل هذا التاريخ ويتحول الى مستقبل عراقي جديد ، وهذا الطموح هو بالتاكيد( ثمن الاقتراب من التاريخ كمادة حية، كحالة هشة في طورالتشكل او الاندثار.) واحدى مهمات المفكر الموضوعي والمثقف المتفاعل هي المساهمة في تشكيل هذا التاريخ المستقبلي .
عاد لان مشروعه مرتبط بالجماعة...( فلا فعل ولا حضور دون مشاركة وتضامن.) بالرغم من ان أشباح المنفى ستلازمه كما لازمته أشباح الوطن قبل العودة .ولهذا فانه يتسائل عن ( أي أوجاع سرية يورثها المنفى،و أي شفاء يحمله الوطن؟ ) ، ألا ترون معي بان هذا فيه الكثير من السخرية العراقية الفجة ، فهو يفكر بالوطن كشفاء له ، وقتلته يفكرون بموته .
ولهذا فان سبب العودة ايضا من أجل إعادة حميمية ( العلاقة مع الوطن كمجموعة من البشر، والتقاليد، الأمكنة...وكفضاء من ضوء وهواء، من فوضى وخراب وألم.) ولان حلم الحرية لدى العراقيين كبير ولا بد ان يساهم به هو المثقف ، اذن مشكلة كامل شياع كانت هي البحث عن الحرية أيضا .
عاد لانه لم يعد يفهم الحياة وما يحيطه الا من خلال تحقيق مشروعه التنويري حتى وان تطلب الامر المعايشة وسط شعب تتآكله الطائفية واولوية المصالح الذاتية الضيقة والسياسة التي تتحول فيه الى بزنس ووسط العديد من قادة احزاب هم اقرب الى السماسرة ولن يوقفهم أي رادع عن المتاجرة بدماء الشعب ، وحتى وان تطلب العيش وسط عراق تكون فيه راية الارهاب والقتل في الشوارع هي الشعار المفضل .
وعندما يحاول كامل شياع كعراقي اصيل التأشير على كل هذا ورفضه ،لا بد ان يقتل ،وانا متاكد بان منفذ الجريمة لا يعرفهولا يعرف شيئا عنه ، إلا ان الممول سواء كان حزبا عراقيا او مؤسسة او دولة جوار او منظمة أصولية او من بقايا النظام السابق ، يعرفون كامل جيدا لآنه كان يشكل خطورة عليهم بمشروعه الثقافي والفكري التنويري ومادام هو يفكر بمستقبل العراق بكل نزاهة وتضحية ، وهذا لايتناسب مع مشروع الفكر الارهابي الذي يعتمد على الكذب والفساد والعنف والنسيان او السهو المتعمد للحقيقة . ولآن مشروع كامل شياع له علاقة بالمستقبل ولا يمكن أن يسمح لنفسه كمثقف المساومة على مستقبل هذا العراق المجهول، إذن لابد ان يصمت بكاتم الصوت .إذن ان جوهر الصراع هو صراع بين الظلامية والتنوير ، وهذه هي عظمة القضية التي تتطلب التضحية وخداع الموت العبثي ـ الوشيك .
فاذا كان كامل شياع يمتلك كل هذا الوعي فكيف يتحمله البرابرة الذين كلما جاءوا يكون الموت حاضرا في كل مكان.
إذن لابد ان يصمت صوت كامل شياع العراقي النبيل صاحب الصوت الشجاع الذي تربى وسط محيط من التضحيات المتفردة والمشهود لها في تاريخ العراق ، فعّـلمه هذا التاريخ الكثير منذ انتماءه لحزبه لكن وبالرغم من هذا فأن كامل شياع هو مفكر عراقي قبل كل شئ ، إلا انه مثالنا لذلك فهم لن يتحملوننا نحن أيضا ، لن يتحملوننا مادمنا نفكر ولدينا مشروعنا الثقافي العراقي الذي يؤسس لعراق ديمقراطي برلماني متعدد وعلماني متحضر يساهم فيه جميع العراقين ، وبما ان هذا هو مشروعنا المستقبلي فانهم يترصدوننا بعيونهم الصفراء وقتلتهم الذين يتنزهون وسط بركة من دماء العراقيين .
ولكن هل يمكن ان تتحول مقتلة انسان مثل كامل شياع مبادرة لحماية الانسان العراقي من قتلته ،لأن كامل كان يرفض ان يكون موته عبثيا و يفضل ان يكون دمه ودم جميع الشهداء شارة تتحول الى فعل جدي لحمايةالعراق و المثقف العراقي، هل يمكن ان تتحول الى دستور أمان تلتزم به جميع الاحزاب وألا يسمح لبعضها التمادي لنشر الموت في الحياة العراقية حيث اصبحنا نعيش وسط مهزلة ساخرة او كأننا نعيش احداث فلم من افلام المافيا .
وخلاصة القول لا اريد ان ارثيه وانما استحضره معكم من خلال النص التالي الذي انثالت مشاعري به لحظة سماعي للجريمة او مقتلة كامل شياع .
 

* القيت في حفل التأبين الذي أقيم في كوبنهاكن يوم 21/9 /2008 .


أغنية الى كامل شياع
(
لم نودعك كما ينبغي )

كشبح يجوب المدن الخربة
الحقول البهية
و الفصول الهائمة ،
ملتفتا نصف التفاتة إلى ماضيه
وساخرا من عصره .
شاهدته في ظهيرة الزمن
عابرا حدود الصفر عاري الجبين ،
متوغلا في غابة برزخ الحياة والموت ،
الحياة والحياة
الموت والموت
برزخ اللامبالاة
وأشياء العدم .
زمن الذئاب
أسرع ، أسرع أسرع
شفيفا كالبحر ،
غبار الطلع في عينيه ،
ندى ،
ربان البحار المنسية ،
والسفن المحملة بالأحلام والزمرد ،
فنارات لقداس البحر.
الحوريات يهمسن ،
صدى لامرأة خضراء تغتسل بنور الفجر.
أسرع
أسرع حالما يُمتهن الظل ،
سيكون شقاءك جنون العذارى .

أسرع ،
أسرع ،
مددت يدي نحو البحر .


أغنيـــــــــــــة

على ضفاف نهر آبد
تنتظر نخلة سامقة
أن يمر الغريق
طافيا
عاريا من الأشنات .

إكليل الصفصاف
على الجبين ،
أحلام تتلألأ في عينيه ،
فيطرد القمر
السمك التائه ،
حتى يصغي الغريق،
لهمس أغنية مع الريح..
يانهر
دعني أيها النهر
أتم نشيدي
قبل حلمي الأخير .
يا نهر دعني....
نشيدي .......
حلمي......
أنكفأ القمر.

20 سبتمبر 2008




 

free web counter

 

أرشيف المقالات