| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 24/8/ 2008

 

كامل شياع .... أبدا تعبق برائحة الحياة !

د. صالح ياسر

ببالغ الحزن والأسى واللوعة، تلقيت نبأ استشهاد الرفيق والصديق العزيز كامل شياع الذي رحل بطلقات قتلة محترفين. عندما صعقني الهاتف بخبر موته، لم اصدق، وبعد ان جمعت أشلاء روحي بكيت بكاءً خانقاً، صامتاً، فكامل لا يحب الضجيج.

هكذا إذن داهمتك الرصاصات الغادرة يا صاحبي وأنت الذي ضللّت تراوغها بعبورك الدائم للكمائن القتالة التي هندسها فرسان الحروب العبثية، وأنت الذي كنت تكره الموت دون ان تخافه، متسلحا بحكمة الجواهري الكبير حين قال:

             أنا أبغض الموت اللئيم وطيفه       بغض طيوفِ مخاتل نصّــاب
             ذئب ترصدني وفوق نيــــوبه       دم اخوتي وأقاربي وصحابي

هكذا إذن رحل كامل شياع احد نجوم الثقافة العراقية الوطنية والديمقراطية... وبرحيله تنكس الثقافة العراقية الحرة والديمقراطية قامتها، وبفقده نودع مبدعا كبيرا وحاملا لمشروع التغيير والحداثة والديمقراطية، ووطنيا نبيلا ويساريا صادقا وشيوعيا أصيلا، نودع كامل الذي كان يمتلك القدرة على توحيدنا بجمال كلماته وإلفته الطاغية، ونحن العراقيين المختلفين دوما.

هكذا، إذن، وبهدؤه المعهود، أخلى كامل مكتبه وبيته ومشروعه الثقافي التنويري، ورحل منسلا بين الجموع، كما عوّدنا نحن أحبته وأصدقاءه، المعجبين ببساطته وطيبته وإنسانيته وثراء ما يحمل من اتساع معرفة وعميق حكمة وثبات بصيرة.

برحيل كامل انكسر واحد من الأقلام هي بين الأغنى ثقافة، والأصلب في مقارعة الغلط، والأكثر استنارة وممارسة للتجديد.

رحل كامل شياع عن الأرض التي أحبها، بغير وداع، وهو الذي ترك هدوء الغربة ورتابتها وأمانها المريب ليكون من أوائل العائدين الى الوطن بعد سقوط الدكتاتورية ليكون إلى جانب أهله ورفاقه وحزبه ووطنه حاملا دمه على راحة كفيه وبقي ثابتا في موقعه الوظيفي الخطير والمسؤول في أيام انزوى فيها كثيرون، أيام اختلط فيها حابل المتنافسين على الثروة والسلطة والنفوذ بنابل " أبطال حروب الطوائف " وهتّافيها العتيدين، مدافعا عن وطن موحد يحتضن الجميع بغض النظر عن الدين والطائفة والعقيدة والجنس والموقع الاقتصادي – الاجتماعي... الخ.

ولأن الشهيد كامل شياع قد تنكب قلمه ومضى في رحلته الأبدية، يمكنني الحديث عنه متخففاً من حرج الصداقة والرفقة المديدة التي تضعني في موقع يضعفني أمامه، لأقول إن خسارة الثقافة في بلادنا المسكونة بالموت جسيمة بفقدان كامل.

وتفرض عليّ الأمانة بأن أشهد بأن كامل شياع وفي خضم نقاشاتنا الهادئة احيانا والصاخبة حينا آخر كان من أوائل مَن تنبّهوا ونبّهوا إلى خطر المحاصصات وحروب المتاريس ومخاطر الاحتلال والإرهاب من مختلف الأجناس المحلية والقادمين من الخارج، لا فرق بينهما. وفي لحظات طغيان العتمة والتماع سيوف المتحاربين، كان كامل كلما ضاقت فسحة الأمل يفرض، بحكمته وبراعة حجته وتحليله العميق، على من حوله الرهان على المواقف الصح ضد دعاة الفتنة الطائفية وأنصار حروب المتاريس المتقابلة وقبائل المتقاتلين حول شكل ومضمون الدولة العراقية الجديدة، والنضال المثابر من اجل انجاز المهمة المركزية: إنهاء الاحتلال البغيض واستعادة السيادة والاستقلال التامين، والانتقال الى بناء عراق ديمقراطي سيد نفسه.

كان كامل شياع يرى أن على القوى المؤهلة لصناعة الغد أن تستبق دعاة حروب الطوائف ومتاريسها وتطرح مشروعها التنويري، مشروعا عابرا للطوائف يراهن على الهوية الوطنية العراقية الجامعة. ولهذا كان القتلة يترصدونه دوما، وها هم قد نجحوا أخيرا في ان تصيبه رصاصاتهم الغادرة من كاتم صوت.

لم يحد كامل شياع قيد أنملة، عن التزامه السياسي العام، الوطني الديمقراطي اليساري، ليس لأنه كان دوغمائيا فهو قطعا أبعد عن ذلك، بل لأنه كان صادقا مع نفسه كما مع الآخرين، بعكس اللاهثين خلف الثروات والسلطة والنفوذ، فسكن العراق وجدانه وعقله، وضلّ يواصل نضاله بقلمه وحكمته وشجاعته في قول الحق مع المناضلين من اجل عراق حر وديمقراطي ومستقل، فوقف معهم قابضا على جمر سلاحه/القلم لتحقيق الأهداف الكبيرة والنبيلة. ولذلك خسر حملة المشروع الوطني الديمقراطي المقاوم لنظام المحاصصات كثيرا برحيل كامل.

حينما جاء كامل شياع الى مجلة (الثقافة الجديدة) منذ سنوات، كانا يحمل الحلم بالتغيير والتجديد، والرغبة بأن يساهم في ولادة جديدة للمجلة، شجاعة في فتح صفحاتها للتنوع الثري للآراء والجدل المركب، ومؤهلة لأن تعطي أصحاب الأحلام والمشاريع الصادقة موقعاً أو منبراً يسمح بتخطي الرتابة و " المسلمات " والتبشير بخطاب التجديد والحداثة والتنوير والديمقراطية وأن تكون – كما كانت دوما - وفية لشعارها العتيد : فكر علمي .... ثقافة تقدمية. وطيلة سنوات عمله في المجلة، سوية مع زملائه في مجلس وهيئة التحرير، يمكن للمتابع ان يلحظ بصمات كامل مبثوثة في تحرير كل عدد ومتطلباته المعروفة، التي طبقها أولا على نفسه قبل الآخرين. وكلنا نعرف ان كامل كان يقرأ كثيراً ولكنه يكتب قليلاً لأنه... غير انه في هذا القليل كان هناك الكثير من الاجتهاد والخصوبة والثراء والعمق والحكمة والرؤية العميقة التي حولته الى مثقف عضوي يتكأ على مرجعية فلسفية عميقة وفكر متقد .

كامل.... نحتاج الى قلمك والى الكثير من الأقلام الصافية، لكي نخترق ليل العتمة ثغرة لشمس الغد. كامل .... نحتاج الى محبتك للحياة والى ابتسامك الشفيفة الخجولة وضحكتك الدافئة، نحتاج الى جلسة سمر بجانب " قوري " شاي ... نحتاج الى سيكارتك المشتعلة دوما يغطي دخانها سقف غرفتنا الصغيرة التي كنت أنت الوحيد المستثنى من منع التدخين فيها !

كامل....نحن أحبتك ورفاقك وأصدقاءك، في رحيلك الأبدي نضع باقة وردة حمراء على مكتبك أو في غرفة نومك، ففيهما من عبق الورد الكثير من تواضع الجمال، ونكران الذات، وحب العطاء والقدرة عليه بدون حدود. في هذه اللحظات نودعك وداع المحبين الخلّص ونضع على قبرك ندية مثلك، نقية القلب كما أنت، متذكرين تلك الكلمات الجميلة: "بوسة امسافر بأول وداع آه ياهوى الناس". لن نراك بعد اليوم، لكنك ستعيش معنا كل لقاء لمجلس تحرير أو هيئة تحرير المجلة أو في الإعلام وفي كل المواقع الأخرى، أو في جلسة سمر، على قلتها، تحولها كعادتك الى مساحة حوار فسيح حول قضية جادة، مثيرا جدالا لا ينتهي حتى حول أبسط التفاصيل، تحاجج ولكن بتواضع جم وأنت الحامل من عمق المعرفة والثقافة الكثير.

لقد رحلت وفي عيوننا منك صورة الصديق الصدوق، المبتسم دوما، والحامل للفرح الآتي والمتعلق بأمل الصباحات البيضاء الندية القادمة. كامل، كم من الوقت سيمر لنعترف بهذا الغياب، ونتجاوز ارتباك اللحظات التي يأتي فيها اسمك مقروناً بالرحيل. سنظل نتعلق بأهداب هذه الذكريات، كلما التفتنا صوب الأماكن التي اعتدنا اللقاء فيها، وبغداد المكلومة برحيلك سترمم حزنها بمزيد من الحزن المشتبك بالأمل. كامل، الآن وبعد ان رحل جسدك، ستضل روحك باقية تمارس حياتها بنشاط: تقرأ، تستمع، تجادل، تكتب بصبر وأناة، وضحكتك الشفيفة لا تبارح أيامنا، فأنت المجبول من طيبة هذه الأرض الطيبة... المرصع بثقل أحجارها الكريمة .


سنوات كاملة من الذكريات المشتركة التي لا يمكن ان تنسى، كما لا يمكن ان تذكر بكل تفاصيلها، مرت أمس السبت المصادف في 23/8/2008 كومضة برق، لان كامل سافر هذه المرة من دون وداع، ومن دون أمل بلقاء آخر وجلسة سمر أخرى.

أمام هذا المصاب الجلل، لا يمكن لنا نحن الذين تناثرت أشلاء أرواحنا بفقدان كامل، إلا ان نحني هاماتنا تحية الوداع الواجبة له، لهاته القامة المديدة التي ظلت باسقة كنخيل العراق الممتد من زاخو حتى الفاو ومن الرمادي حتى خانقين، شامخة كشموخ جباله، نقية كنقاوة نهريه العظيمين، مرفوعة تعانق سماء الحقيقة، تتحدى الطغاة والقتلة، لا تصافح الأيدي الخشب ولا تساوم.

ختاما، صادق التعازي القلبية الحارة لعائلة الفقيد الشهيد كامل شياع والى وحيده " ألياس " في بلجيكا، والى شقيقه الحبيب فيصل في لندن والى أقاربه وكل رفاقه ومحبيه، مقرونة بمشاعر التضامن الصادقة. ولكامل الجميل مجد المثقف العضوي الكبير وسحر كلماته وذكراه المتوقدة دوما.

كامل نفتقدك... وهل يعزينا فرح أهل السماء بك أو حزن أهل الأرض برحيلك؟

لقد خسر معك الموت لعبة المفاجأة هذه المرة...فقد قرر القتلة أن تنام نومتك الأبدية.

لكننا لن ننساك يا " أبا الياس " لأنّ الورد يظلّ يعبق برائحة الحياة ولا يشيخ.

كامل... باق أنت بين أجمل مثقفي العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد لا عراق الحروب والقيامات ومتاريس المتحاربين.

كامل.... أنت باق ولكن أعمار القتلة قصيرة !

 

free web counter

 

أرشيف المقالات