| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 24/1/ 2009

 

 التنومة ترحب بكم .... ولا ترحب بكم !!!

مهدي الشمسي
mahdi_alshamssi@yahoo.com

ترك صديقي الفرنسي الأنيق متابعة لعبة الشطرنج معي واستدار نحو الشرق معتذرا بأدب ودبلوماسية لم أعهدها ، ثم غادر مقعده وخطى بضعة خطوات نحو السياج الحديدي والذي يحوط كازينو البدر العائمة على شط العرب ، تمسك بقضيب السياج العلوي بحذر و بكلتي يديه واضعا قدمه اليسرى على القضيب السفلي للسياج ،خيل لي وكأنه يحاول القفز في مياه شط العرب . ظل الفرنسي لدقائق دون حراك وهو يراقب دخان سيجاره المتوجه باتجاه مدينة التنومة وكأنه يحمل ذلك المنبعث من رئتيه رسالة أو أغنية أو ربما قبلة ..... لا ادري لتلك المدينة المطلة على الجانب الآخر للنهر الخالد والتي أخذت أنوارها الخافتة والمتباعدة تصارع حزام النخيل الأسود الكثيف والممتد على طول ضفة مدينة التنومة وكأنها كويكبات براقة في مجرة مظلمة.
الغروب هناك لوحة مزدحمة بخطوط مبهمة وألوان غير ثابتة تستمد كيانها وسحنتها من صمت أبى أن يبوح بأسرار مدينته بل كان يحتضنها بألم ويوشحها بغبار تفوح منه رائحة الجوع الممزوج بكبرياء الرفض ، هذا ما كنت اعرفه عن مدينه الدموع أو مدينة التنومة ، فهل اهتدى صاحبي الفرنسي إلى فك الشفرة ومعرفة أسرار المدينة وهو الذي مكث فيها عشرة أيام فقط .... ربما !!! .
كان ذلك في واحدة من غروبات تشرين الثاني عام 1973 الثقيلة والمشحونة بصراعات كنت اعرف بعضا من منابعها أو مصادرها ، منها الغربة وحرب تشرين والمدينة البائسة وكثيرا من القلق الذي لا اعرف له منشأ .
أما الغربة فانا أسافر لأول مرة بعيدا عن بغداد تاركا عائلتي ورفقتي وشارع المتنبي وأبي نؤاس وكازينو أم كلثوم وبساتين العطيفية وجسر الحديد والاعظمية ودجلة الخالد..... . . بين ليلة وضحاها شعرت وكأني ملك أو إمبراطور جرد من عرشه بانقلاب أبيض ، نفي إلى عالم آخر يلزمه وقت ليس بالقليل ليتأقلم معه ، لكني سأحصل على شهادة بالهندسة وهذا يتطلب التضحية والكثير من التغيير للقوالب النمطية والتي اعتدت عليها ، وليكن ، فانا سأصبح مهندس فلا باس أن أتحمل كل شيء وصولا للهدف .
في ذلك العام اشتعلت الحرب وأخذت ارتال الجيش تملئ الشوارع ملوّحة بالموت والخسائر والمستقبل المبهم سيما وأنا بعيد عن عائلتي وأصدقائي والذين هاتفت بعضا منهم فأشاروا لي عوائلهم بأنهم في الطريق إلى جبهات القتال إلى سوريا .
أما المدينة البائسة واقصد بها مدينة البصرة بشكل عام ومدينة التنومة بشكل خاص ، فقد شغلت حيزا واسعا من مساحتي التأملية والنفسية وجلبت لي أتعاب ومعانات لم تكن تنقصني هي الأخرى . ففي إحدى الصباحات الجميلة أنزلني سائق التاكسي قرب إحدى المعابر الخشبية بعد أن اصطادني من محطة قطار المعقل وقال لي هذه هي (الطبكة) حبوبي تستطيع أن تعبر بها إلى التنومة ثم تصل بعدها إلى الجامعة ، لم أتمكن وقتها أن انتزع الصورة المأساوية لحي خمسة ميل من ذاكرتي ، الحي الأول الذي يستقبلك عند دخولك البصرة ويصيبك للوهلة الأولى بصدمة عنيفة وخيبة أمل ويسترجع ما كتب عن القرون الوسطى في ذاكرة الزائر . أنا أمام الطبكة الآن وارى نخيل التنومة المصطف بنسق رائع على طول الضفة الأخرى لشط العرب ، لكن أنا هنا متخوف من ما هو أسوء من خمسة ميل في طريقي إلى الوصول إليه . كان المنظر خلابا حد الدهشة حيث الزوارق الصغيرة تعبر الناس على جانبي ضفة شط العرب والبواخر الكبيرة الراسية والفضاء الواسع المفتوح المتخم بهواء عذب تفوح منه رائحة النهر وأشجار اليوكالبتوس المنتشرة على طول كورنيش البصرة . كانت الطبكة في طرقها إلى الجانب الذي أقف وهي تحمل عربات وطلاب بملابس زاهية وكسبة وخيول وغيرهم ، وعندما رست تفرق الجميع لاقف حائرا لا اعرف ما اصنعه هل اركب مع الناس أو استقل زورق صغير صعد فوق ظهره عدد من الطلبة على ما يبدو لي في حين اخذ السائق يناديني بضرورة الالتحاق به اختصارا للزمن ، ذلك الزمن الذي اخذ يغوص رويدا رويدا في قاع النهر ليعانق في الآخر جثث متطحلبة لأزمنة زنا بها الطغاة من قبل وشوهوا ملامحها .
وهكذا وطأت قدماي ارض التنومة ، الأرض الطيبة التي عوضتني عن بغداد وأهلي وأصدقائي والعالم اجمع وكانت شاهدا أمينا على بناء النسيج الأول لشخصية طموحة أرادت أن تقدم شيء ولو قليلا لأبناء تلك الأرض المظلومين .
كنت اتساءل دائما عن ماذا ينقص تلك الأرض حتى تكون مدينة من أجمل مدن العالم ، هل الموقع أو الثروة أو المياه أو غيرها ، هي ليست بحاجة إلى أي شيء لتكون عروس المدن قاطبة ، ففيها تأسست أول جامعة في الخليج العربي وتمتلك أرضها من البترول ما يجعلها أغنى بقعة في العالم ، وبينها وبين المياه بضعة أمتار ، ويقابلها السياب على الضفة الأخرى واقفا متأهبا لإلقاء قصائده على مدار الساعة ، ماذا ينقص تلك الأرض الطيبة لتكون زيورخ أو نيس أو فينيسيا ؟؟؟ وتكون العجائز المفترشات الأرض وهن ينادين بأصوات شبه خرساء على المارة لشراء الخضروات والسمك والتمر ، أن يكن سيدات أنيقات واقفات بقاماتهن الرشيقة يساهمن في بناء جيل معافى مثل ما يفعلن نساء الكون وأكثر !!!، لا أن ينظرن بعيون حائرة لأطفالهن الذين افترشوا الأرض وهم ينادون على بضاعة لا يكفي مجموع مبالغها قوت يوم واحد . كل تلك التساؤلات أفقدتني فرصة التمتع بطبيعة المدينة الساحرة والتي توحي لي وكأنها صبية جميلة ممشوقة القوام افترشت الفقر لتغط في موت إكليلي لسنوات طويلة دون أمل في الشفاء .
كان ( هاني المجنون ) يخوض بالمستنقعات الآسنة للشارع الوحيد والذي يمتد من النهر وصولا إلى الجامعة يتقمص دور السيارة والسائق ، وكم تمنيت مرات لو امسك بدشداشته القذرة من الخلف لنشكل قطارا أو آلية جبارة نربط بها البصرة والتنومة وكل المدن المتعبة ونهربهم خارج دائرة الفقر والإهمال والاضطهاد والموت ، نهربهم إلى دوائر الزمن الحي والنابض بالعطاء والمتعة . الشارع الوحيد الذي كان هاني يصول ويجول على جانبيه خالي من المحلات والمطاعم والصيدليات والمرافق الحيوية الأخرى ، بل كان فراش اسفلتيا مهترء يئن تحت ثقل عجلات متعبة أكل الزمان عليها وشرب ، كانت تحده وعلى جانبية مجموعة خرائب شبه مهدمة هي بيوت أهالي التنومة المحرومين من ابسط مقومات البقاء ، صرائف وبويتات هرمة تستغيث من قسوة السنين والإهمال ،يسكنها أناس غاية في العفة ودماثة الأخلاق والإباء والكبرياء ، ويوم أردت أن أعطي احد الأطفال الفقراء دينار ليشتري قميص وسروال أبى بشدة وقال بالحرف الواحد (أمي ستقطعني إن علمت بذلك فانا لست بشحاذ) بعدها تركني وهرب .!!!
هل المدن تختار أمكنتها وأسمائها وأقدارها ؟؟؟ وهل لها حرية الاختيار مابين الرفض والقبول ؟؟؟ أم هي مرغمة على السقوط والانهيار، واقصد هنا بالسقوط هو تخلفها وارتمائها بين أحضان الموت، ثم من هو ذلك الكائن الذي له الحق الإلهي باستباحة المدن وزراعة اليأس والخوف بقلوب أبنائها وحرمانهم من المساهمة الفعالة ببناء مستقبلهم والناي به بعيدا عن التعاسة القسرية .
كل تلك الصراعات القاسية والمولمة كانت تتصادم في راسي في حين كان صاحبي الفرنسي يودع آخر خيط للغسق كان يراوح على سعف نخيل التنومة والذي بدا وكأنه بحر مظلم لا حدود له . اقتربت من صاحبي والذي كان يجيد بعض الكلمات العربية وبلهجة لبنانية وحاولت معرفة سبب انقطاعه عني والانزواء وحيدا ، فأجابني بعربية ركيكة أنا وجدت الحل ، قلت له أي حل ؟ قال سأطلب من قبطان الباخرة التي اعمل بها أن يجعلها ترسي قريبا من هذه المدينة البائسة وأشار بيده صوب التنومة وسأهرب العجائز والشيوخ والأطفال والمرضى ثم أوزعهم على مصحات العالم ومدن الألعاب والجامعات والمصانع ومرافق السياحة ، هؤلاء الجياع لا يمكن أن يموتوا هنا بصمت وهم يمشون على ارض من ذهب ، قالها وفي فمه غصه ثم أردف القول : هل تقسم بأنك لو أصبحت مهندسا أن تقدم خدماتك لهذه المدينة المنكوبة ، أشرت إليه بالإيجاب مستغربا توارد خواطري مع موضوع عزلته ، كلانا كان غريب عن المدينة والغريب يحس بمأساتها بروح يفتقدها ابن المدينة نفسه والذي أدمن الجوع وافتقاده إلى ابسط الخدمات الإنسانية ، وحمدت الله إن الرجل لم يدعوني لزيارة خمسة ميل أو تتوارد خواطره مع خواطري بذلك الاتجاه !!!.
بعدها زرت التنومة عام 1986 وكانت صدمة كبيرة حين رأيت النخيل بلا رؤوس يوشحه سواد خانق ، رأيته يستغيث من قسوة الطغاة ، من تركه هكذا يصارع الموت وهو شامخ كأهل البصرة والتنومة المظلومين . لكني لا اعرف بالتفصيل ما جرى لتلك المدينة البائسة من جور وحرمان إضافي طيلة عقدين من الحروب والحصارات الظالمة شانها شان باقي مدن العراق البائسة والتي أذاقوها الأوغاد السم الزعاف من قتل واعتقالات وإقصاء وقهر.
إلا إني كنت أتصفح ( الكوكل أرث ) وأردت أن أزورها ولو من خلال شاشة صماء ، فأدرت السهم باتجاهها ، وهنا كانت المفاجئة حيث ثبت عليها وبالعربية تسمية ( التنومة مدينة الفقر والإهمال ) ( tannouma slum city) وهذا ما أغاضني رغم أن التسمية كانت صادقة ودقيقة ، إلا إنها نقلتني إلى عوالم ضاربة بالحب والقسوة والحرمان ، وأشعرتني من جديد بمظلومية أهلي هناك والذين لا يزال عشقهم ماثل في الوجدان .
المدن لا تختار أسمائها بل تلصق بها من قبل آخرين يضاف إلى أسمها الحقيقي ، مثل مدينة الجمال أو البجع أو الورود أو الثلوج أو الماس أو النوارس أوالبهجة ، ولكن التنومة اختير لها الفقر والإهمال والتي ورثتهما منذ سنين طويلة ، صبغا أبنائها المغدورين بصبغتهما القاتمة وبدد آمالهم . المدن الفاضلة لا تبوح بأسرارها ألا للشمس وللنهر والى أطفالها ، تضل تنزف حبا ودماءا ورفضا ودموعا ولن تموت ، عنيدة تلك المدينة التي اسمها البصرة وجميلتها الصغيرة التنومة .
التنومة ترحب بكم ولا ترحب بكم ، ترحب بكم لزيارتها بعد أن تستعيد عافيتها ويستبدل اسمها المثبت على ( الكوكل ارث اللعين ) وتسمى باسم آخر ينسجم مع تضحيات وصبر وعطاء أهلها ويليق بتأريخهم النضالي المشرق . ولا ترحب بكم لأنها لا تزال مدينة الفقر والإهمال !!! .


24-1-2009
 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات