| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 25/5/ 2008

 

بطل من ذلك الزمان .. تأريخ ومأثرة وعبر
الى المناضل عقيل حبش مع التحيات

ناظم زغير التورنجي
altorneji@yahoo.se

               وقفت وما في الموت شك لواقف             كأنك في جفن الردى وهو نائم *

من لم يدخل السجن يوما و شاهد فلم _(الفراشه) (ستيف مكوين,دستن هوفان) والذي عرض في منتصف السبعينات من القرن الماضي سيجد الاجابة للسؤال الكبير عما يفكر به السجين من اجل الخلاص من سجنه حين تكون المرارة واللوعة والقهر اليومي والاحساس المطلق بالظلم مضاعفة لانه سجن ظلما وهو برئ وقضى عشرين عاما في العديد من السجون المرعبة يفكر ويخطط ويحاول الهرب , ولم يذعن ولم يستكين بل ظل مصرا على الهروب رغم فشل محاولاته العديدة التي سببت له الكثير من العقوبات الاضافية والمشاكل الصحية , والى ان تحقق حلمه في الحصول على حريته بجهوده وبطريقته الخاصة حين تكللت اخر محاولاته بالنجاح ولكن اخر سنوات العمر حين اشرف على الشيخوخةبعد معاناة مريرة ذاق فيها عذابات تفوق حد الوصف .
ونحن امام سجين عادي وبتهمة فردية شخصية عادية تتكرر مئاتها كل في بقاع الدنيا....
كان يريد الخلاص من السجن باي ثمن او طريقة فهو يبحث عن الحرية كهدف لممارسة حياته العادية كأنسان عادي جدا في مجتمعه لا أكثر.... فكيف سيكون الامر اذا كان السجين سجين راي ومعتقد لقضية وطنية او مبدئية عادلة مشرفة ومناضلا في اطار حركة شعبية عامة حزبية او سياسية , فالمعايير والاهداف ستخلف بالتأكيدبين الحالتين
ومن شاهد فلم (الكلب ) للمخرج التقدمي فرناندو عن قصة سجين سياسي ومغامرته الجريئة لحد المجازفة حتى بحياته أثناء هروبه من السجن , حيث يظل الكلب البوليسي لحارس السجن ( كتعبير للنظام البوليسي وادواته القمعية ) يطادرة لسنوات عديدة من الرعب والارهاب . ولم يتخلص من ذلك التهديد الا بعد ان ينجح في قتل الكلب الرمز والالتحاق بالتنظيم الذي سجن بسبب الانتماء اليه وهرب من اجل العودة اليه في ممارسة حياته النضالية من اجل تغيير الواقع الاجتماعي ... اي اننا امام حالة اخرى تختلف عن الحالة الاولى التي كان فيها الهروب مجرد غاية وهدف نهائي , حيث يغدو الهروب في الحالة الثانية مجرد وسيلة لتحقيق غاية اسمى وهدف اعظم .وتصبح المسؤولية مضاعفة حين تكون القضية قضيتن هما , الهروب من السجن , والعودة لمماسة النشاط الثوري باعلى اشكاله بعد ان اغتنى المرء وتخرج من المدارس الثوريه في السجون التي تحولت انذاكبجهود الوطنيين والثوريين الى مدارس حقيقية في الا عداد والتأهيل والتثقيف المتنوع الجوانب
هاتان اللوحتان الرائعتان تتجسدان امامي في منتهى الصدق والواقعية في مخطوطتي الاستاذ المناضل كريم حبش الجنابي
- شهادة حية من لهيب المعركة
-الطريق الى الحرية
وهو يسرد لنا وللاجيال التي لا تعرف الكثير عن العقود من السنوات المليئة بالاحداث الكبيرة والعاصفة , بل ان الجمع بين اللوحتين تجسد لنا حقيقة الانسان الثوري المؤمن بقضية وطنه كقضية عادلة ومشرفة وهي بوصلته الدقيقة في تلمس اتجاهات خطواته اللاحقة بعزم وتصميم لم تنل منه سنوات الانكسارات والتشرد والمطارد والسجون المريرة الكريهه ( الوطنية ) منها او سجون انظمة دول الجوار , الشبيه بانظمتنا في كل شيء عدا اختلاف الاسماء لانها من ذات الرحم
قد تختلف قليلا أو كثيرا وجهات النظر و الاراء حول مفهوم البطولة في التاريخ ,وحياة الناس عبر مختلف الازمنة,لكن البطولة تبقى كمفهوم اجتماعي نسبي و مكتسب ( اي انه غير موروث فسيولوجيا )بحكم الواقع الاجتماعي بكل مفرداته وعناصره وظروفه بداءا من العائلة وانتهاءا بالمجتمع . وحسب الظروف الموضوعية التي يمر بها المجتمع من انحطاط وتردي وتدهور مستوى المعيشة والحياة اجمالا , او اتتعاش واستقرار وازدهار الظروف الحياتية والواقع الاجتماعي المعاش
ولا يمكن فصل السجايا الشخصية للفرد ومستوى ادراكه للقضية التي تستوجب البطولة وهي التي تخلقها في نفس الوقت .عن ذلك الواقع الاجتماعي المحدد والمعني بمفهوم البطولة , وما يعنيني هنا هو البطولة الثورية المرتبطة بقضية عامة مجسدة بحركة ذات اطار اجتماعي محدد و تتعاطى مع مجمل الواقع الاجتماعي من اجل تغييره , وليس المقصود ذلك التهور الفردي المغامر ,فشتان ما بين الاثنين, فكلما تردت تردت الاوضاع وصعبت الازمنة .. تجدد الحياة نفسها بمعايير جديدةتختلف عن سابقاتها بعض الشيء , وتستوجب ولادة بشر من معدن خاص له القدرة الخلاقة على تحدي كل الخطوط الحمراء والاستهانة بالموت نفسة من اجل ان تاخذ المبادئ والقيم التي آمن بها أولئك البشر طريقها نحو تغيير ذلك الواقع المتردي, أي أن يقترن الايمان بالبطولة , ويتحول الفكر الى قوة مادية هائلة في وعي اولئك البشر,قادرة في ات تحرك فيهم كل عناصر الجرأة والاقدام الثوري بكل عنفوانه , والكامنة في من هم في سن الشباب الطموح بالتغيير ورفض الواقع والتمرد علية ولو تطلب الامر استخدام اعنف الوسائل النضالية .
عندما أقتحم فيدل كاسترو وتشي جيفارا هافانا عام 1959 وها في أخصب سنوات الشباب عطاءا , في اندفاع مستميت وشجاعة نادرة واحتلوا قلعة باتيستينا ومن ثم سيطروا على كامل العاصمة الكوبية واسقطوا النظام الدكتاتورري العسكري , لم يكن معهم من المسلحين سوى عددا لايتجاوز الثلثمائة مسلح من الثوريين المؤمنين بعدالة قضيتهم ولحد الاستشهاد من اجلها دون تردد ,بعد ان وصلت كوبا الى حالة من التردي فاق كل التقديرات . ووصل تصميم الثوار الى حدود لا يمكن الوقوف بوجه بطولاتهم و عنفوانها الثوري الجامح وهو يحطم قلعة حصينة مدججة بالسلاح والمعدات والاجهزة الامريكية من قمة الرأ س وحتى اخمص القدمين ... فكانت بحق مأثرة بطولية وجرأة فائقة ( بغض النظر عما آلت الامور لاحقا في كوبا ونظامها فحديثي يقتصر على البطولة والجرأة الثورية لدى مناضلي الثورة الكوبية في تحررها من التبعية الامريكية)
والصورة تتكرر في التاريخ و تتكرر في العديد من البلدان ايضا وهذا ما حدث فعلا في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وهي تعج بتلك الامثلة ولنا في العراق العديد من الامثلة الحية لتجارب الثوريين ممن حملوا السلاح في حركة مقاومة وطنية مسلحة ضد الانطمة الدكتاتورية في اعماق الهور او مناطق كردستان والعديد من مناطق العراق التي تستوجب التوقف الجدي عندها لتسليط الاضواء عليها ليس فقط من باب التذكير بمواقف وبطولات وتضحيات وشهداء تلك الحركات مع انه واجب تمليه الضمائر الحية علينا ازاء حقوق اولئك الشهداء والمناضلين من ابناء الحركة الوطنية العراقية . بل انه يشكل كذلك جانبا مشرقا ومشرفا من تاريخ الحركة الوطنية العراقية او كجزءا من مفردات التاريخ العراقي المعاصر الذي يتعرض في جوانب عديدة للاهمال والتشويه وتحريف الحقائق والتجني عليها , ومن هنا تأتي اهمية كتابات الاخ الفاضل عقيل حبش الجنابي في رواية حقيقية لصلب الاحداث ,وليس رواية من سمع او ادعى. بل رؤيا من عاش ولامس حتى ادق تفاصيل الحدث كأحد الفاعلين والمؤثرين المباشرين فيه بعيدا عن التحلق والمؤثرات االدرامية التي ترافقها المبالغة والتضخيم او التسطيح . في ما تضاربت فيه الادعاءات وتصريحات ممن كانوا مساهمين او مسؤولين في تلك الاحداث واختلفت الروايات بشكل كبير بما يثير النقاش والجدل والنقاش حول التباس الصور في تلك الاحداث ومن هنا تأتي شهادة الاستاذ عقيل حبش الجنابي لتقطع هذا الجدل بسرد اليقين في كلا القضيتين اللتين طال الجدل والتأويل والادعاء فيهما.
- عملية شق نفق والهروب من سجن الحلة 1967
- الكفاح المسلح للشيوعيين في هور الغموكة 1967

تظل الحرية حلم يرواد تفكير كل سجين , اي سجين كان, ومهما كانت مدة محكومية. فما بالك اذا كان ذلك السجين صاحب قضية وطنية عامة عادلة و مشرفة ويشعر بمظلومية أعتقاله .ان سجنه يدفعه للتفكير الطويل والعمل الجدي للسبل الخلاص من ذلك السجن حيث يعتبر سجنه هو مصادرة غير مشروعة لحقوقه وحريته من قبل الانظمة الاستبدادية المتعاقبة على الحكم وحيث يكون ازلامها من المجرمين والطغاة هم الطلقاء والاحرار في حين تمتلئ السجون العراقية بين الحين والاخر وعلى مدار ما يقارب السبعين عاما من القرن الماضي بالمئات والالاف من سجناء الرأي والضمير من ابناء العراق الشرفاء فما من مدينة عراقية قد خلت من السجون على الاطلاق على طول العراق وعرضه وحتى المدن الصغيرة , بل ان المدن الصغيرة النائية المعزولة في عمق الصحراء قد حولتها الانظمة الاستبداية الى منافي ومناطق عزل اجباري, فلقد كان سجن نقرة السلمان الصحراوي في بادية السماوة, رمزا لمدى طغيان الانضمة الاستبدادية واستهتارها بابسط حقوق المناضلين وحياتهم مثلما كان رمزا لشموخ وتحدي مناضلي الحركة الوطنية لتلك الانظمة والسلطات وهم يكابدون الكثير من لدن تلك الانظمة وهم ينشدون دوما :
السجن ليس لنا نحن الاباة
السجن للمجرمين الطغاة

ان حفر نفق من السجن الى فضاء الحرية بذلك الطول وبتلك السرية وبتلك الادوات البسيطة للحفر و في السجن كمكان محدود و في جو ارهابي مشحون بالضغوطات والتوترات التي لا تعد و لاتحصى , وبتلك الصورة المنظمة المنضبطة , ليست عملية بسيطة سهلة على الاطلاق, بل هي عمل جبار ذو مغزى ودلالات ذات معاني كبيرة يطول حولها الحديث وتلك هي ارادة وعزيمة الثوريين المنظمة القادرة على المعجزات حين تظل متماسكة ومسترشدة بتعاليم وافكار نيرة سليمة نحو هدفها المنشود

ان كلا المخطوطتين جديرتان بالتوقف والتمعن والدراسة وهي تلقي الضوء على صفحة مشرقة ومشرفة من صفحات نضال الحركة الوطنية وجزيل الشكر والامتنان ايها العزيز ابو أصيل وانت تسرد ملحمة يتشرف بها كل الشيوعيين على مختلف تبايناتهم الفكريه في ازمنة تعددت فيها الاجتهادات وتنوعت فيها المفاهيم الفكرية
ولك وافر الصحة والعمر المديد ومزيدا من العطاء من تلك الخبرات الرائعة ليثري بها الجيل الناشئ المتطلع نحو بناء وطن مستقل مزدهر ينعم بالحرية والامن والامان والازدهار الاستقرار الاجتماعي وستظل الاجيال الواعية لقضايانا الوطنية تتناول وقفتك الشجاعة بفخر واعتزاز

ملاحظات لابد منها
- لست معنيا بمناقشة وتحليل المنطلقات والخلفية الفكرية للحركة المسلحة في اهوار الغموكة عام 1967وعوامل وظروف انحسارها فليس هذا مجال حديثي بل حاولت التركيز على بعض مدلولات البطولة والجرأة الثورية لرجل ظل متماسكا هادئا برباطة جأش يقل مثيلها في مثل ذلك الظرف العصيب وهو يكاد ان يرتقي حبل المشنقة لولا تدخل القدر في الساعات الاخيرة قبل تنفيذ حكم الاعدام الصادر بحقه من قبل محكمة الطوارئ الخاصة وقد انشد هو ورفاقه النشيد الاممي رغم حراجة الموقف في المحكمة المسخرة في السابع من تموز 1968 واستمرار ممارسات التعذيب الوحشية والضغوط النفسية عليهم

- كان المفروض ان تبقى سجون نقرة السلمان في صحراء بادية السماوة العزلاء القفرة هي وقصر النهاية الشهير ذو الدلالة من اسمه كمعلم من معالم حقبة الاستبداد والبطش الذي مارسته الانظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على الحكم والسلطة في العراق كمتحف يؤرخ تلك الحقبة المظلمة من تاريخ العراق , ولكن للاسف جرى هدم كل تلك المعالم من اجل محو وطمس كل شواهد وأثار تلك الجرائم المتسلسلة الكبرى التي افترفتها تلك الانظمة بحق ابناء العراق الشرفاء والمناضلين من اجل قضايا شعبنا العادلة

*
بيت الشعر للشاعر العظيم ابو الطيب المتنبي
 

Counters

 

أرشيف المقالات