| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأحد 25/11/ 2007

 

ملاحظات أولية حول موازنة العراق لعام 2008

د. صالح ياسر

تسعى هذه المداخلة الى القيام بقراءة لمسودة موازنة عام 2008 المقدمة الى البرلمان العراقي لمناقشتها وإقرارها، مستهدفة اختبار مدى صدقية السياسات المالية والاقتصادية المتبعة، وقدرتها على المساهمة في تحقيق التنمية وتقليص الفوارق الاجتماعية والارتقاء بالأحوال المعيشية للطبقات والفئات الاجتماعية التي تضررت من السياسات الاقتصادية والاجتماعية السابقة.
تنطلق مقدمة الموازنة لسنة/2008 من أن " المفهوم العلمي الحديث للموازنة الحكومية يتعدى كونها بيانات مالية وحسابات أو مجرد أرقام صامتة لا تقتصر على تقدير إيرادات الموازنة العامة ونفقاتها..... بل أصبحت الموازنة في عالم اليوم أوسع واعمق بكثير، كونها تعكس مضمون السياسات المالية المعتمدة وهي مرآة الحكم بذاته في فلسفته المالية وتوجهاتها الاقتصادية ".
وتعني الملاحظة أعلاه أن الجانب الاجتماعي – السياسي مهم هنا، فالميزانية أداة سياسية تترجم مصالح وفلسفة القوى السائدة في المجتمع. وفي هذا المجال فإن تحديد المرجعيات الفكرية للموازنة العامة في العراق لا يجب أن ينفصل عن البحث عن أشكال سيطرة القوى المهيمنة وعن أسلوب ترجمة مصالح هذه القوى عبر بلورة القوانين المالية الكفيلة بضمان هيمنتها على الصعيد الاقتصادي، ومن ثم توظيف ذلك على الصعيد السياسي.
وعلى طريق بناء فلسفة الموازنة العامة لسنة/2008 فان معديها انطلقوا من نقدٍ للميزانيات التي اعتمدت خلال السنوات السابقة، من خلال التركيز على القضايا التالية (ص 6):
1. إن تلك الميزانيات كانت تعد وفقا لمتطلبات الحاجات الآنية والطارئة دون رؤية ستراتيجية تخطيطية.
2. أنها ورثت ضغوطات اتفاقية كان من الصعب تجاوزها نتيجة تعلقها بحياة الغالبية من المواطنين.
3. الاختلال البنيوي في تركيبة الإيرادات من خلال هيمنة إيرادات النفط الخام المصدر وانحسار الموارد المالية الأخرى.
4. إن الدعم الحكومي في مختلف المجالات أدى الى إحداث خلل بنيوي في الإنفاق العام وزيادة الهدر في الموارد المالية المتاحة.
واستنادا الى ذلك تم تحديد جملة من الأسس والمبادئ التي اعتمدت لإعداد تقديرات الموازنة العامة لسنة/2008 والمتمثلة بـ (انظر: ص 18 من موازنة 2008):
1. إعطاء الأولوية للناحية الأمنية وتوفير مستلزمات إنجاح الخطط الأمنية وفرض النظام.
2. بناء القدرات الذاتية للوزارات والهيئات والشركات العامة لتمكينها من تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين عن طريق بناء القدرات واكتساب المهارات لجميع مستويات موظفي دوائر الدولة.
3. تطوير الخطط والإجراءات الخاصة بتحضير الموازنة العامة وتحديد الأولويات الضرورية لتفعيل دور الدولة في تحريك النشاط الاقتصادي ضمن الموارد المتاحة.
4. العمل على صياغة آلية مناسبة لتحسين القدرات التنفيذية للوزارات بما يؤمن الوصول الى موازنة ذات مرونة عالية من اجل تحقيق الأهداف المتوخاة بها.
5. السعي لتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات بما يؤمن التقليل النسبي لعجز (الفجوة) الموازنة العامة وتخفيف عبء الدين العام.
6. توزيع التخصيصات بين النفقات التشغيلية ونفقات المشاريع الاستثمارية لتحقيق التوازن المطلوب بين تقديم الخدمات العامة وتحقيق معدل نمو اقتصادي مناسب مع زيادة حجم النفقات الاستثمارية بهدف التوسع في عملية اعمار واعادة الاعمار وتطوير البنى التحتية المناسبة لجذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل الخريجين وتقليص البطالة.
ومن اجل الوصول الى الأهداف المتوخاة فقد تم تحديد الأولويات ومعالم تقديرات سنة/2008 بالتركيز على تحسين القدرات في مجالات:
- الأمن والدفاع الوطني.
- مشاريع القطاع النفطي.
- الطاقة الكهربائية.
- الخدمات المختلفة.
- البنية الأساسية والارتكازية
- العمل على امتصاص البطالة من خلال تنمية القطاعات والأنشطة وبناء القدرات.
- العمل على ضمان حقوق الإنسان.
ولأن أي موازنة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن " البيئة " التي تطبق فيها وبالتالي معرفة المحددات التي تواجهها، فان ثمة نوعين من المحددات تتمثل بالعوامل الداخلية والخارجية المحيطة بـ " بيئة العمل " كما أسمتها الميزانية (ص 6).
تتمثل العوامل الخارجية في:
- اتفاقية الترتيبات السائدة (S.B.A ).
- وثيقة العهد الدولي.
ونظرا لأن وثيقة العهد الدولي – كمحدد - لا تتمتع بأهمية عملية كبيرة بالنسبة للميزانية فان التركيز ينصب هنا على اتفاقية الترتيبات السائدة (S.B.A ) التي وقعها العراق عام 2005 والتي ينتهي مفعولها في عام 2008 ولا بد للعراق أن يجري مفاوضات جديدة مع صندوق النقد الدولي، وشروط الصندوق معروفة للجميع. بموجب هذه الاتفاقية " يلتزم العراق ببرنامج اقتصادي ومالي لمدة ثلاث سنوات وهناك ثلاثة شروط أساسية تسبق دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ وهذه الشروط تتمثل بما يلي:
1. تعديل أسعار المشتقات النفطية......،
2. مشروع تعديل قانون المصالح النفطية الذي يحتكر استيراد المشتقات النفطية ليصبح بإمكان القطاع الخاص أن يدخل الصناعة النفطية....،
3. تعهد البنك المركزي بأن يستمر في تدقيق حساباته السنوية وفق مقاييس التدقيق المعروفة ".
أما العوامل الداخلية فتتمثل في:
- حاجات الاقتصاد العراقي والرؤية الوطنية المعبر عنها في استراتيجية التنمية الوطنية للسنوات 2007 – 2010.
- حجم الموارد المالية المتاحة.
في ضوء هذه المحددات الخارجية والداخلية تطمح الموازنة العامة لعام 2008 بحسب ما جاء فيها الى تحقيق الأهداف التالية:
- تحقيق الأمن والاستقرار وفرض القانون.
- إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين.
- زيادة الاستثمار في رأس المال البشري من خلال الاهتمام بوزارات التربية والتعليم والصحة بهدف تحقيق تنمية الموارد البشرية.
- التركيز على اعمار البنية التحتية التي توفر وتهيئ مستلزمات البناء الاقتصادي وتوفير الخدمات الأساسية.
- الإسهام في معالجة البطالة من خلال تنفيذ المشاريع الاستثمارية.

مستويات قراءة الموازنة العامة لسنة/2008
نظرياً، هناك عدة مستويات لقراءة الموازنة وكل قراءة مشروطة طبعاً بظروفها والصعوبات المنهجية والعملية التي يواجهها من يقوم بعملية القراءة. فهناك القراءة التي تركز على المستوى المنهجي وإعداد ميزانية الدولة، وهناك القراءة التي تسلط الضوء على المستوى التقني والمحاسباتي. ولكن هاتين القراءتين تواجهان صعوبات عديدة لا يتسع المجال هنا للدخول في تفاصيلها.
ولهذا وتجنبا للصعوبات ومن اجل تجاوز التخمين والحدس، يمكن اللجوء الى قراءة ثالثة. بموجب هذه القراءة يتم التعامل مع الميزانية العامة باعتبارها أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، حيث يتوفر للمهتم بهذه الإشكالية، باعتماد هذه القراءة، معطيات موضوعية يمكنه أن يساءل من خلالها الميزانية. ومن بين هذه المعطيات طبيعة الحكومة وتوجهاتها السياسية ومقارنة هذه الأخيرة بسياسات الحكومات السابقة إلى غير ذلك.
إذن سنحاول هنا تقديم قراءة لموازنة 2008 اعتمادا على المعطيات العامة المرتبطة بها. سنسعى هنا للتركيز على تقديم أجوبة على سؤالين أساسيين، الأول عن المؤشرات الرقمية للموازنة لعام 2008 سواء من خلال بنية النفقات العمومية أو بنية الإيرادات العمومية والعجز وطبيعته، أما الثاني فعن كيفية تقدير السياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال هذه الموازنة.
ومنعا لاستخلاص استنتاجات غير دقيقة لا بد من التأكيد على أنه لا يمكن فهم جوهر الموازنة الحالية بمعزل عن " فرادة " العمليات السياسية والاقتصادية/الاجتماعية الجارية منذ التغيير الذي حدث في 9/4/2003 وطبيعة القوى التي نفذته والتداعيات التي تلته. ثمة ميزان قوى جديد نشأ منذ لحظة التغيير تلك، تتأثر حركته واتجاهاته، في معظمها، وتخضع لتأثير موازين القوى السائدة ، وتترجم ماليته هذا الخضوع بشكل واضح.

هيكلية الموازنة الفيدرالية للعراق لعام 2008
1. بنية الإيرادات في الموازنة العامة للعراق
تقدر الإيرادات العمومية المتوقعة لعام 2008 بحوالي (50.775 ) تريليون دينار (ما يعادل 42.312 مليار دولار) وبنسبة نمو تبلغ 26.7%مقارنة بعام 2007 (قارن جدول رقم 1). ومن المفيد الإشارة هنا الى أن الإيرادات المتوقعة تقوم على فرضية تصدير (1.7) مليون برميل يوميا وبسعر (57) دولار للبرميل الواحد علما إن أسعار النفط الحالية أعلى من هذا الرقم بكثير وكان من الضروري إعداد التقديرات على سيناريوهات (سعرين محددين مثلا، واحد يمثله الرقم 57 مثلا والآخر يمثله رقم عالي كما هو الآن).

جدول رقم (1)
تقديرات الإيرادات المخططة لسنة/2008 مقارنة بسنة/‏2007‏‏-‏11‏‏-‏2007

المصدر: وزارة المالية- دائرة الموازنة: موازنة عام/2008، ص 3

ورغم الانخفاض النسبي لحصة الإيرادات النفطية في إجمالي الإيرادات فإن الزيادة الأساسية المتوقعة في الإيرادات عموما ترجع الى تلك المتأتية من الإيرادات النفطية التي شكلت نسبة قدرها 83.6% من إجمالي الواردات المتوقعة، علما بأنه يتوقع أن تنمو الإيرادات النفطية بنسبة قدرها 14% مقارنة بعام 2007. أما بالنسبة للمداخيل العادية الأخرى والتي تشكل 16.4% من إجمالي الإيرادات المتوقعة (راجع الجدول رقم 2) رغم أنها ستشهد (كمجموع) نموا ملحوظا خلال عام 2008 فان بعضها سيشهد نموا ضعيفا بينما سيعرف البعض الآخر تراجعا ملحوظا (ضريبة دخل الموظفين)، علما بأن قسماً ثالثا سيعرف نموا مرتفعا (من ناحية النسب، ولكنه لا يمثل شيئا كبيرا من ناحية الأرقام المطلقة).
وعند البحث عن تفسير لأسباب النمو المرتفع فانه يمكن القول انه ناجم عن النمو الذي شهدته فقرة (أجور الخدمات) بسبب توقيع اتفاقية الهواتف النقالة والتي سيتم تطبيقها في عام 2008.
أما النمو الضعيف لبعض مكونات الإيرادات أو التراجع بالنسبة للبعض الآخر فإنه يمكن القول أن ذلك ناجم عن تفكيك بعض الرسوم ضمن استراتيجية " تحرير التجارة " من اجل التحضير للقبول بشروط المنظمات المالية والنقدية الدولية ومن بينها منظمة التجارة الدولية التي تنص على إزالة الحواجز الجمركية ضمن أفق زمني محدد.

جدول رقم (2)
تقديرات الإيرادات المتوقعة في الميزانية الفيدرالية حسب مصادرها لسنة/2008
مقارنة بسنة/2007 (مليون دينار)

المصدر: وزارة المالية- دائرة الموازنة: موازنة عام/2008، ص 5

2. بنية النفقات العمومية
قبل العرض التفصيلي لبنية النفقات العمومية لا بد من الإشارة الى أن سياسة الإنفاق العام المقترحة للموازنة الفيدرالية لعام 2008 تؤطرها الاشتراطات التالية:
• اعتماد ستراتيجية الإصلاحات الاقتصادية ...... بتشجيع السوق الحرة لتحقيق النمو الاقتصادي وإعطاء دور أساس للقطاع الخاص في اعمار واعادة اعمار العراق ومشاركته في عملية التنمية المستدامة من خلال إعادة بناء البلد.
• وتحقيق الستراتيجية أعلاه يتطلب الاستمرار بسياسات تحرير الموازنة العامة من الأعباء المالية، من خلال تخفيض الدعم الحكومي (المتمثل بدعم سلة الغذاء – البطاقة التموينية – ودعم قطاع الخدمات – الكهرباء، الماء، المجاري – الدعم المقدم لمدخلات القطاع الزراعي، ونظام دعم أسعار المشتقات النفطية) والانسحاب التدريجي من سياسات الدعم " ذات التأثير السلبي " على مجمل الاقتصاد (موازنة عام 2008، ص 14). وأكدت الموازنة لعام 2008 على انه قد يكون من المناسب العمل على اختصار أو تقليص بعض مفردات البطاقة التموينية واعتمادها على المواد الأساسية وحليب الأطفال والرز والشاي.
• إيقاف استحداث درجات وظيفية جديدة عدا قطاعات (التربية، التعليم، الصحة، المؤسسات الأمنية).
• إعادة النظر في قانون المفصولين السياسيين رقم/24 لسنة/2005 والإجراءات المتبعة للتنفيذ بما يخدم الطرفين.
• خصخصة بعض المؤسسات والشركات العامة، ودعم المؤسسات الأخرى ذات القدرة والإمكانية المتاحة لاستعادة نشاطها العادة هيكلتها وتحسين أدائها وتحقيق موارد ذاتية تغطي نفقاتها.
• تحديد سقف للإنفاق الاستثماري لمشاريع القطاعات غير النفطية بنسبة (84.9 %) من إجمالي تخصيصات المشاريع الاستثمارية.
• وضع تخصيصات للمناطق/الأقاليم. وهنا ينبغي للموازنة أن تخصص مبلغ (3.333) مليار دولار عن تنمية الأقاليم وتسريع اعمار المحافظات لسنة/2008 (عدا إقليم كردستان العراق)، وجعل حجم التخصيص لكل منطقة متناسبا مع عدد السكان ودرجة الحرمان في ظل أحكام الدستور الجديد.
• زيادة الإنفاق على الخدمات الأمنية.
ويعني ذلك أن " خطة للإصلاح الاقتصادي وكذلك بالانسحاب التدريجي من سياسات الدعم ذات التأثير السلبي على مجمل الاقتصاد والمتمثلة بسياسة البطاقة التموينية ونظام دعم أسعار بيع المشتقات النفطية " (كما جاء في الموازنة) ستكون الأولوية الأولى في الموازنة الفيدرالية لعام 2008. وستفسر لنا هذه النقطة لماذا تتخذ الموازنة في شقي النفقات والإيرادات هذه الوجهة دون غيرها.
وبالملموس، ستعرف النفقات العمومية في ظل الموازنة الفيدرالية لعام 2008 نموا ملحوظا إذ تشير التقديرات الى أنها ستبلغ 58.110 تريليون دينار (ما يعادل 48.4 مليار دولار) وبزيادة قدرها 6.389 تريليون دينار (ما يعادل اكثر من 6 مليار دولار) وبمعدل نمو قدره 12.3% مقارنة بعام 2007(انظر الجدول رقم3).

جدول رقم (3)
بنية النفقات العامة في موازنة عام 2008 مقارنة بعام 2007 (تريليون دينار)

المصدر: وزارة المالية - دائرة الموازنة: موازنة عام 2008 ، بغداد 2008، ص 26

ولكن ورغم معدل النمو الملحوظ هذا فإن بنية نفقات الميزانية العامة ستظل تتميز بنفس الاختلالات التقليدية المعروفة والتي تعبر عن خلل بنيوي تبرز معالمه في ما يلي:
- ما زالت حصة النفقات التشغيلية تهيمن على إجمالي النفقات العامة في موازنة عام 2008. فقد فاقت هذه النفقات الـ 42 تريليون دينار ومشكلة نسبة قدرها 72.7% من إجمالي النفقات العامة بعد أن بلغت 75.5% في عام 2007.
- الحصة غير الكبيرة لنفقات المشاريع الاستثمارية التي بلغت 15860.822 تريليون دينار مشكلة نسبة قدرها 27.7% من إجمالي النفقات العامة، هذا مع ضرورة الإشارة الى حصول تطور في نسبتها الى إجمالي النفقات إذ ارتفعت من 24.5% في عام 2007 الى 27.3% في عام 2008، وسجلت نسبة نمو قدرها 25.1%.
ومن المفيد التذكير بأن حصة النفقات الأمنية في اجمالي النفقات العامة ما زلت تتنامى باستمرار وشكلت حوالي 18.6% من هذه النفقات، وبلغت نسبة نمو قدرها 21.6% في عام 2008 مقارنة بعام 2007.
ومن جانب آخر، لا يمكن تقديم تفسير متكامل لطبيعة الخلل البنيوي المشار إليه أعلاه دون ربطه بتحليل بنية النفقات التشغيلية التي يوضحها الجدول رقم (4).

جدول رقم (4)
النفقات التشغيلية حسب المدخلات (مليار دينار)

المصدر: وزارة المالية - دائرة الموازنة: موازنة عام 2008 ، بغداد 2008، ص 27

تتيح قراءة الجدول أعلاه تسجيل الملاحظات التالية:
1. رغم أن فقرة تعويضات الموظفين التي تشمل فقرتي (الرواتب والأجور والمخصصات، والرواتب والمكافئات التقاعدية) شهدت نموا قدرة 10.6% في عام 2008 مقارنة بعام 2007 إلا أنها مع ذلك ظلت تشكل نسبة كبيرة من مجموع النفقات التشغيلية حيث تقدر بـ 38.7% من إجمالي نفقات الميزانية في عام 2008 بعد أن كانت قد شكلت 37.8% في عام 2007. ولا ينبغي استخلاص استنتاج عام بشأن هذه القضية دون ربط ذلك بالتضخم ووتائره العالية، ثم الحاجة الى معرفة هيكلية الأجور (توزيعها بين الفئات الدنيا والعليا) والتفاوت الواضح بينها، وكذلك أنظمة الرواتب الخاصة المرتفعة جدا.
2. من المتوقع أن تشهد فقرة الفوائد نموا ملحوظا بلغ 37.9% حيث بلغ 760 مليار دينار في عام 2008 مقارنة بعام 2007 إذ بلغ 551 مليار. وكان هذا النمو ناجما عن تنامي (الفوائد) المستحقة عن الدين العام وفوائد الحوالات والسندات والديون الخارجية.
3. كما شهدت فقرة (الإعانات) التي تمثل تخصيصات الدعم المقدم للهيئات والشركات العامة المملوكة للدولة (التي تضم حوالي 633233 منتسب) نموا واضحا بلغ 45.9 % في ميزانية عام 2008 مقارنة بعام 2007
4. لم يحدث تغيير ملحوظ بالنسبة لفقرة المنافع الاجتماعية ضمن إجمالي النفقات التشغيلية والتي ظلت تراوح في مكانها تقريبا ( ازدادت بمقدار حوالي 993 مليون دينار فقط وبمعدل نمو قدره 0.1% فقط). ولتوضيح هذه الملاحظة لا بد من الإشارة الى أن هذه الفقرة (تشمل تخصيصات البطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية وبدلات العسكريين ونفقات الإغاثة والمعونة للمهجرين). وتشير المعطيات المتوفرة في ميزانية 2008 الى أن المبالغ المخصصة للبطاقة التموينية لن تشهد أية زيادة تذكر في عام 2008 بل ستحافظ على نفس المبلغ تقريبا الذي خصص لها في عام 2007 وهو 3928 مليار دينار أي ما يعادل اكثر من 3 مليارات دولار بقليل. والاهم من ذلك أن حصتها في إجمالي النفقات التشغيلية ستنخفض في عام 2008 مقارنة بعام 2007 (من 14.2% في عام 2007 الى 13.3% في عام 2008). ولهذا فان هناك إشارة في الميزانية الى أن من المتوقع تقليص مفردات البطاقة التموينية وحصرها ببضع مواد فقط. ولا بد من إثارة الانتباه هنا الى أن التعامل مع البطاقة التموينية من منطلق أنها أعباء على الميزانية ولا بد من التخلص منها يمثل موقفا غير صحيح من الناحية الاجتماعية وقد تكون له آثار سلبية. فالبطاقة هذه يعتمد عليها وعلى محتواها (مكوناتها) قطاع عريض من الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة وان رفعها قد يؤدي الى حدوث توترات اجتماعية وما يرافقها من تكاليف. لذا فان المهم أن يؤخذ بالاعتبار الآثار الاجتماعية الناجمة عن هذا التخفيض، وان لا يتم اللجوء الى اعتماد خطوات سريعة لإلغائها دون توفر بدائل عقلانية وهي لن تكون متوفرة على المدى المنظور. ومن هنا أهمية التدرج في التعامل مع هذه القضية. ويبدو أن واحدا من الحلول المعقولة في الفترة الانتقالية الاستثنائية هو اعتماد نوع من نظام للضمان الاجتماعي وتمويله ليس بالضرورة من خلال الميزانية بل عبر انشاء صناديق لهذا الغرض والتخطيط لذلك ضمن أفق زمني وتثبيت ذلك مؤسسيا.

أما بالنسبة للنفقات الاستثمارية فيوضح بنيتها الجدول رقم (5)

جدول رقم (5)
بنية النفقات الاستثمارية حسب المدخلات للموازنة العامة للعراق لسنة 2008 مقارنة بتخصيصات سنة ‏2007 (مليون دولار)

المصدر: كما في الجدول رقم 4

وتتيح قراءة الجدول أعلاه تسجيل الملاحظات التالية:
• الأولى، أن تخصيص 15.698 مليار دولار للمشاريع الاستثمارية في موازنة عام 2008 وتناميها بنسبة 32.1% في هذا العام مقارنة بعام 2007 يعد مؤشرا على ما يمكن تحقيقه في البلاد.
- الثانية، انه على الضد من هذا الاتجاه العام الجيد يلاحظ انخفاض مطلق ونسبي في حجم الاستثمارات المخصصة لقطاعي النفط والكهرباء. إذ رغم تأكيد موازنة 2008 على ضرورة " إعطاء الأولوية لمشاريع القطاع النفطي والطاقة الكهربائية .... الخ" ، ورغم الأهمية المحورية لقطاع النفط في الاقتصاد العراقي مقابل ما يعانيه من مشاكل مما يدعو الى تحديثه وتطويره من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات إليه نجد انه من المتوقع انخفاض المبالغ المخصصة للمشاريع الاستثمارية للقطاع النفطي بـ 16% في عام 2008 مقارنة بعام 2007، في حين من المتوقع انخفاض الاستثمارات المخصصة لقطاع الكهرباء بـ 6.1% رغم أن البلاد تعاني من أزمة فعلية في مجال الكهرباء. هذا مع العلم أن الأهمية النسبية لهذين القطاعين في إجمالي النفقات العامة (التشغيلية + الرأسمالية) كانت متواضعة (4.1% للقطاع النفطي و 2.7% لقطاع الكهرباء). وما يثير الانتباه في هذا المجال هو أن مهندسي موازنة عام 2008 وفي فقرة " سياسة الموارد المقترحة للموازنة العامة للعراق لسنة 2008) (ص13) دعوا الى " فسح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية لاستغلال طاقات الحقول النفطية الحالية والجديدة "! وفي الوقت الذي يتعين دعم مطلب رفع معدلات الاستثمار في هذين القطاعين، لكن لا بد من إثارة الانتباه الى انه ورغم حجم التخصيصات لهذين القطاعين لكننا لا نعثر لحد الآن أي اثر ملموس لهذه الاستثمارات على الاقتصاد العراقي بشكل عام وعلى الحياة اليومية للمواطن العراقي بشكل خاص. وينبغي الإشارة الى أن نسب الإنجاز في مشاريع الخطة الاستثمارية للسنوات الأربع الماضية شهدت تدنيا واضحا لجملة أسباب لا يتسع المجال هنا للخوض في تفاصيلها.
• الثالثة، تنامي دور الأقاليم والمحافظات في الميزانية الاستثمارية حيث تم تخصيص 3.333 مليار دولار في ميزانية عام 2008 لتنمية تلك المحافظات والأقاليم، وذلك بزيادة 1.3 مليار دولار عن عام 2007 (وبنسبة نمو قدرها 61.3%). وتشير التجربة الى أن نسب التنفيذ في المحافظات خلال عام 2007 كانت متواضعة. فقد توصل التقرير الصادر عن لجنة الاقتصاد والاستثمار والاعمار التابعة لمجلس النواب حول تفاصيل تنفيذ الموازنة الاستثمارية في الوزارات والمحافظات لعام 2007 (لغاية 31/8/2007) الى جملة من الاستنتاجات بهذا الخصوص، من أبرزها ما يلي:
أ‌. إن معدل تنفيذ المحافظات ما عدا إقليم كردستان قد بلغ 14.1%.
ب‌. سجل هذا الرقم تقدما ملحوظا في أداء المحافظات بالمقارنة مع معدل تنفيذها في عام 2006.
ت‌. هناك 3 محافظات استطاعت أن تعبر (الخط الأحمر 25%) وهي بابل (34%) وبغداد (26.4%) وميسان (25%). أما باقي المحافظات فقد تراوحت نسب تنفيذها من 1.5% (محافظة نينوى) الى 16.4 و 16.2% لمحافظتي كربلاء والنجف على التوالي بينما لم تقدم محافظتي ديالى والانبار تقاريرهما حول صرف هذه المبالغ بسبب ظروفهما الأمنية غير المستقرة.
ث‌. إن هذه النسب المتواضعة في التنفيذ لا تتماشى مع حجم المتابعة والتسهيلات وتوفر المبالغ مما يؤشر على أن قدرة المحافظات ما زالت محدودة على التنفيذ.
ورغم هذا التطور الملحوظ إلا انه لوحده غير كاف إذا لم يتم القيام بخطوة أخرى ونقصد بها التعرف على التوزيع الجغرافي لهذه الاستثمارات على المحافظات وهو ما يشير إليه الجدول رقم (6) ليتسنى الحكم على مدى اتساق التوزيع الجغرافي للاستثمارات مع معياريين أساسيين هما:
- عد السكان في المحافظة أو ما يسمى بالكثافة السكانية.
- معيار المحرومية.

إن قراءة بسيطة للجدول المذكور تتيح تأشير وجود تباين في تخصيصات المحافظات فمن المعلوم ان مقدار التخصيصات يتم حسب المعياريين المشار اليهما سابقا:
- عد السكان في المحافظة أو ما يسمى بالكثافة السكانية.
- معيار المحرومية. وعلى أساس أن وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي تضع معايير المحرومية وحتى الآن لا أحد يعلم ما هي معايير المحرومية؟ لذا فان هناك تناقضا واضحا في تخصيصات المحافظات لا نعرف على أي معيار اعتمد مشروع الموازنة الاستثمارية. ويمكن ملاحظة التناقضات من خلال المثال التالي فقط دون أن يعني انه الوحيد في هذا المجال:

بلغت تخصيصات محافظة البصرة 368 مليار دينار في عام 2008 بعد أن كانت قد بلغت 246 مليار دينار في عام 2007، وبذلك تكون نسبة النمو قد بلغت 49.6% ونسبتها الى مجموع سكان العراق (عدا كردستان) 9.2%. فهذا الملبغ اقل مثلا من تخصيصات محافظة نينوى، علما أن محافظة البصرة عانت الكثير خلال فترة النظام السابق وكانت مسرحا للعمليات الحربية أثناء حربي الخليج وتعرضت لدمار كبير. وحتى تفهم هذه الملاحظة في موقعها السليم فإنها لا تقصد أن البصرة أهم من نينوى، فكلاهما يستحقان إنفاقا استثماريا كبيرا بأمل تحقيق قفزة تنموية كبيرة تزيل عنهما كاهل المشاكل التي تعانيها المحافظتين كما المحافظات الأخرى.



 



جدول رقم (6)
توزيع المبالغ المخصصة لتنمية الأقاليم وتسريع اعمار المحافظات لعامي 2007، 2008 (مليار دينار)


المصدر: وزارة المالية - دائرة الموازنة: موازنة عام 2008 ، ص 27

وملخص القول هنا في نهاية هذه الفقرة هو أن ميزانية النفقات التشغيلية تلتهم حوالي 3/4 النفقات العامة وهي نفقات تجري على حساب الاستثمار، الأمر الذي يجعل الميزانية غير قادرة عن خلق ديناميكية فعالة على مستوى النمو الاقتصادي الذي يشترط من بين ما يشترطه وجود استثمارات كبيرة تحتاجها البلاد حقا في هذه المرحلة.
وسيترتب على النقص الحاصل في نفقات الاستثمار العمومي نتيجة مهمة هي إمكانية تنامي الطبيعة المضارباتية للاقتصاد. ففي ظروف عدم تبلور استراتيجية تنموية واضحة ووضع أمنى لم تستقر معالمه بعد رغم التحسن النسبي الذي شهده في بعض المناطق، سيتم التوجه إلى القطاعات ذات الربحية السريعة دون إعطاء أية أهمية للقطاعات المنتجة. وسلوك من هذا النوع من شأنه أن يزيد من اختلال التوازنات الاقتصادية (ضعف المردودية، عدم تحقيق تنمية أفقية على كافة المستويات الاقتصادية...الخ). وبسبب محدودية الموارد مقارنة بتنامى الحاجات هناك افتراض ضمني تقوم عليه الميزانية هو أن تتولى المساعدات الدولية تمويل المشاريع الاستثمارية وما يشكله ذلك من قيد على بناء استراتيجية اقتصادية معللة.

بنية العجز في موازنة عام 2008
استنادا الى المعطيات الواردة في الجدول رقم (7)، يبلغ إجمالي النفقات لعام 2008 (58.111) تريليون دينار أي ما يعادل 48.4 مليار دولار. أما إجمالي الإيرادات المتوقعة لعام 2008 فيقدر بحوالي (50.775) تريليون دينار أي ما يعادل 42.312 مليار دولار. ويعني هذا أن الموازنة العامة لعام 2008 ستواجه عجزاً قيمته (7.335) تريليون دينار أي ما يعادل (6.1139) مليار دولار. ومن المتوقع أن ينخفض العجز في الموازنة الفيدرالية بنسبة قدرها 24.1% مقارنة بما كان عليه في عام 2007.وتوافقا مع السياسة المالية فإنه سيتم تغطية العجز المذكور أعلاه من المبالغ النقدية المدورة من موازنة سنة 2007 . كما أن موازنة عام 2008 (ص 38) تشير الى أن الحكومة " ستسعى .... للحصول على المنح الدولية ومجموعة الاستثمارات لتمويل الاحتياجات الأساسية لإعمار واعادة الإعمار والتطوير " . والخطورة في هذا النهج تكمن في تكريس تبعية واعتماد الاقتصاد العراقي على الخارج وتحديد أو تقليص سيطرة الحكومة العراقية، على اتجاهات إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، مما يشكل في التحليل النهائي انتقاصاً للسيادة الوطنية.

جدول رقم (7)
العجز (الفجوة) في الموازنة العامة للعراق لسنة 2008 مقارنة بسنة 2007 (مليون دينار)

المصدر: وزارة المالية- دائرة الموازنة: موازنة عام/2008، ص 1

إن قراءة الجدول السابق (رقم 7) تشير الى أن السبب الرئيسي لانخفاض العجز في موازنة عام 2008 ناجم عن ارتفاع أسعار النفط وبالتالي ارتفاع الإيرادات الناجمة عن ذلك والتي سجلت نسبة نمو قدرها 14% في هذا العام مقارنة بعام 2007. ورغم انخفاض حصتها النسبية في إجمالي الإيرادات إلا أن الإيرادات النفطية ما زالت تشكل 83.6% من تلك الإيرادات في حين بلغت (الإيرادات الأخرى) 16.4%. هذا مع العلم أن الإيرادات المتأتية من الاتصالات (خدمة الهاتف النقال) هي التي تشكل الحصة الأكبر في (إجمالي الإيرادات الأخرى) إذ بلغت 21.7% من مجموع تلك الإيرادات.
ولفهم مغزى هذه القضية من المفيد التذكير بأنه يمكن النظر إلى عجز الموازنة بمنظارين:
1. المالي/الحسابي: يعني عجز الموازنة بأنه زيادة نفقاتها على إيراداتها، بشرط أن تدخل في الموازنة جميع إيرادات الدولة ونفقاتها المالية.
2. الاقتصادي/الاجتماعي: يتمثل عجز الموازنة بالآثار السلبية التي تنجم عن السياسة المالية المتبعة وعن المنهج المتبع في إعداد الموازنة وتنفيذها، هذا عندما تكون النتائج المتحققة من وراء الموازنة والسياسة المالية سلبية أكثر منها إيجابية.
وفيما بين "العجزين " يمكن أن تكون العلاقة طردية أو تكون عكسية. فليس عجز الموازنة المالي المحاسبي بالضرورة متلازماً مع الآثار السلبية الاقتصادية والاجتماعية، وقد يترافق على العكس، بتحقق آثار إيجابية. والعكس صحيح أيضاً، فقد لا يكون فائض الموازنة المالي المحاسبي مؤشراً إيجابياً بالضرورة من حيث آثاره الاقتصادية والاجتماعية. فالأهم من الرصيد الإيجابي أو السلبي هو الكيفية والوسائل التي يتحقق بها والتي تحكم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تتحقق معه.
استنادا الى الملاحظات أعلاه وبالعودة الى الملموس، أي تقليص العجز في الموازنة، فإنه يمكن القول أن خفضه في أي ميزانية أمر جيد بحد ذاته. إلا انه ومنعا لأي التباس لا بد من قراءة سليمة للعجز في الموازنة الفيدرالية لعام 2008 والبحث عن مدلولاته الاجتماعية من خلال عدم التعامل معه باعتباره هدفا أو رقماً مجرداً بحد ذاته، بل لابد أن يستند تقيمه على الإجابة على سؤال هام تتفرع عنه جملة من الأسئلة التكميلية: ماذا يعني تخفيض عجز الميزانية العامة بالنسبة للمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية الملحة؟ وبالتالي:
- هل سينتج عن هذا الانخفاض تحسن في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟
- وهل سينتج عنه توزيع عادل للدخل القومي وتوزيع عادل للأعباء الضريبية؟
- وهل سيؤدي تخفيض العجز الى خلق مناصب عمل جديدة وبالتالي الى تراجع معدلات البطالة وتقليص التهميش الاجتماعي؟
- وهل سيؤدي إلى تحسين في جودة خدمات المرافق العمومية؟
إن هذه الأسئلة تعد جزءً مهماً من أسئلة ضرورية، وتحتاج الى إجابة واضحة قبل الحكم على العجز المذكور.

الخيارات الاقتصادية - الاجتماعية الكبرى من خلال التوجهات العامة لموازنة عام 2008
انطلاقا من الاستراتيجية التي بنيت عليها موازنة عام 2008، يمكن القول انه يتنازعها هاجسان متناقضان، أحدهما مرتبط بالمحافظة على التوازنات الهيكلية والثاني مرتبط بضرورة إيجاد معالجات وحلول ناجعة للقضايا الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن التعبير عن هذا التأرجح بهاجس العجز المالي وهاجس العجز الاقتصادي، والذي هو نتيجة للضغوطات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
وبالملموس، تسعى موازنة عام 2008 الى إحداث (155203) درجة وظيفية (راجع جدول رقم 8) إضافة الى الدرجات الوظيفية الشاغرة أو التي ستشغر كذلك لتعيين الخريجين الجدد من الاختصاصات الطبية والصحية. غير أن المميّز في هذا المجال هو هيمنة حصة وزارتي الداخلية والدفاع في التوظيفات الجديدة حيث بلغت تلك الحصة 53.5%% من إجمالي الدرجات الوظيفية، في حين بلغت حصة وزارة التربية (مدرسين ومعلمين) فقط حوالي 12.8 % من الإجمالي رغم أن موازنة 2008 وضعت من ضمن أهدافها الكبرى " زيادة الاستثمار في راس المال البشري من خلال الاهتمام بوزارات التربية والتعليم والصحة بهدف تحقيق تنمية الموارد البشرية ".
أما حصة وزارة الصحة فقد بلغت حوالي 5.15% من الإجمالي في الوقت الذي يعاني فيه هذا القطاع من مشاكل كبيرة تتعلق بقلة الكادر الطبي وخصوصا الاختصاصات المتعددة من الأطباء بسبب هجرة الكثير منهم الى الخارج نتيجة المخاطر التي تواجههم، وقِدم وتخلف الأدوات المستخدمة، وندرة الأجهزة الأساسية التي تستخدم في مختلف أنواع العلاجات .... الخ. وبالمقابل بلغت حصة قطاع الكهرباء 0.6% من الإجمالي وهي نسبة متواضعة للغاية. وفيما يتعلق بحصة إقليم كردستان، فقد بلغت 19.2% من الإجمالي.

جدول رقم (8)

المصدر: المصدر: وزارة المالية- دائرة الموازنة: موازنة عام/2008، ص 40

تتيح الملاحظات السابقة إثارة سؤال حول مشكلة البطالة التي وضعت موازنة عام 2008 هدفا لها يتمثل بـ " العمل على امتصاص البطالة من خلال تنمية القطاعات والأنشطة وبناء القدرات ": هل ستؤدي استراتيجية التشغيل التي اعتمدتها ميزانية عام 2008 الى تحقيق هذا الهدف؟ الجواب قطعا لا.
أما على المستوى الاقتصادي فإن التدابير المشار إليها في موازنة 2008 تؤدي الى الإبقاء على ذات البنية الأحادية الجانب للاقتصاد العراقي، وبالتالي إمكانية تواصل تكريس اقتصاد ريعي يعتمد على الريوع النفطية بالدرجة الأولى. وللتدليل على هذه الملاحظة من الضروري الإشارة الى انه ورغم أن الاستراتيجية التي استندت إليها الموازنة تركز على تطوير القطاع النفطي إلا أن أرقامها تشير الى انخفاض التخصيصات الموجهة للمشاريع الاستثمارية للقطاع النفطي من 2380.95 مليون دولار في عام 2007 الى 2000 مليون دينار في عام 2008 أي بنسبة انخفاض قدرها – 6.1%.
وتبدو الصورة اكثر وضوحا عندما نقارن انخفاض حصة المشاريع الاستثمارية في القطاع النفطي في إجمالي الإنفاق الاستثماري لميزانية عام 2008 سنجد أن إجمالي المشاريع الاستثمارية سجل نموا في هذا العام قدرة 30.7% مقارنة بعام 2007. وهذا الأرقام لا تعكس قطعا التركيز على الاستثمار في قطاع النفط الخام، ولا تساعد على تحويله من قطاع وظيفته جلب الريوع النفطية فقط الى قطاع للتراكم يكون قطبا للنمو وتنشأ حوله مجموعة من الصناعات الأمامية والخلفية وبما يخلق ديناميكية تنموية تستند الى بنية اقتصادية متنوعة.
وما يؤكد الملاحظة السابقة هو أن الاستراتيجية حددّت إعادة التوازن في الاقتصاد العراقي الأحادي الجانب باعتباره أحد الأهداف التي تسعى الموازنة الى إنجازه. واستنادا الى جملة من التجارب التاريخية فإن استعادة التوازن لاقتصاد أحادى الجانب وريعي في الوقت نفسه يفترض أن تمر عبر تنشيط القطاعات الإنتاجية الأخرى مثل الزراعة والصناعة التحويلية وتطوير الصناعات التي تعتمد على المواد المحلية الأولية. ولكن الموازنة المحكومة بمحددات خارجية (ضمن الشروط المثبتة في " الترتيبات المساندة " الموقعة بين العراق وصندوق النقد الدولي) لا تساعد على تحقيق هذه الوجهة.
ومقابل ذلك ورغم أن البطالة تعتبر واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجهها البلاد بكل ما تحمله من تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وغيرها، ورغم أن حديث المسؤولين الكبار المتكرر عن هذه القضية واعتبار القضاء على البطالة أحد الأهداف الكبرى التي تسعى " الاستراتيجية الاقتصادية " لإنجازها، فإن قراءة الموازنة لا تتيح العثور على ما يبيّن أن هناك إجراءات ملموسة لمعالجة هذه المشكلة الكبرى، وخصوصا في القطاعات الكبرى وتحديدا قطاعي الزراعة والإنشاءات والبناء وهما في الواقع القطاعين الأكثر امتصاصا للبطالة في الاقتصاد العراقي في لحظة تطوره الراهنة. ففي الوقت الذي يعاني فيه الآلاف من حاملي الشهادات من البطالة أثارها السلبية، فإن موازنة عام 2008 لم تعتمد سوى 155203 درجة وظيفية، وهو ما أشرنا إليه أعلاه. ولولا اجتذاب جزء من العاطلين عن العمل من قبل مؤسسات الجيش والشرطة لاستمر تصاعد البطالة واتسعت رقعة الفقر بكل ما تحمله هذه الوجهة من تهميش وما يرافقه من تداعيات ومخاطر سلبية وتوترات مجتمعية يصعب التحكم في مساراتها.
وتظهر كلفة الحفاظ على " التوازنات الاقتصادية الكبرى " في ظل مديونية خارجية وأوضاع أمنية لم تستقر بعد رغم التحسن النسبي الذي شهدته مؤخرا والمصاعب الكثيرة وحالات الفشل (خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والسكن والخدمات الأخرى) التي عانت منها السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، تظهر تلك الكلفة من خلال الضغوطات التي تمارس على النفقات العمومية وخصوصاً تقليص نفقات دعم المواد الأساسية وفي مقدمتها البطاقة التموينية والمسعى لتخفيض مكوناتها والإبقاء على حجم المبلغ المخصص لها دون زيادة تذكر، وسط تصريحات مباشرة أو تلميحات تصدر من العديد من المسؤولين بضرورة إلغائها " نظرا لما تحمله من أعباء على الميزانية "، هذا إضافة الى " تعديل أسعار المشتقات النفطية "، بهدف " القضاء على تهريب هذه المنتجات ". طبعا هناك ضرورة لمعالجة قضية مكافحة التهريب الذي ينجم عن التفاوت في أسعار المشتقات النفطية مع دول الجوار وضخامة الدعم المقدم لأسعار النفط. غير أن السؤال الأساسي الذي ينبغي طرحه قبل إعطاء جواب حاسم بشأن هذه القضية هو أي شرائح وفئات اجتماعية يجب أن يتحمل أعباء إعادة هيكلة الأسعار ؟ وكيف يمكن الاقتناع بضرورة ترشيد الميزانية وتقليص الدعم في الوقت الذي يبلغ الفساد مستويات غير مسبوقة تاريخيا في بلادنا، ولماذا لا يجري الحديث عن رفع قدرات المصافي العراقية وطاقاتها الإنتاجية ، خصوصاً وأن فساداً واسعاً يلازم عملية استيراد المشتقات. أما بخصوص رفع الدعم الذي يثقل الميزانية، فيجب أن ينظر إلى ذلك بالتلازم مع الحفاظ على القدرة الشرائية للفئات الضعيفة والمتوسطة الدخل، وإطلاق النشاط الاقتصادي وامتصاص البطالة، والشروع الفعلي ببناء شبكة الضمان الاجتماعي واعتماد نهج التدرج. وجميع هذه العناصر غير متوفرة الآن.
وبالمقابل، يتعين التخلي عن تلك الفكرة التي هاجسها الأساس هو الحفاظ على ما يسمى بـ " التوازنات الاقتصادية الكبرى " ومن دون إجهاد النفس في دراسة الآثار الاجتماعية لتلك القرارات وهل أن الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحين عموماً لديها القدرة على تحمل اعباء هذه السياسات؟.

إن سياسة الإصلاح المعتمدة تركز على جانب رفع القيود والضوابط المحددة لقوى السوق، أي تحرير السوق، في حين تفشل أو تعجز عن وضع الضوابط المنظمة للسوق التي تحفظ حقوق المستهلك إزاء الثورة المنفلتة للسوق، حيث تغيب ضوابط السيطرة النوعية على المنتجات وما يترتب على ذلك من إضرار بسلامة المستهلكين، كما يفتقر السوق الى الآليات التي تسمح بتأمين شروط المنافسة الحرة ومحاربة الاحتكار وغيرها من الممارسات التي تخل بها، فضلاً عن انعدام الشرط الأساس لعمل آلية السوق ألا وهو ضمان أمن وسلامة الأرواح والممتلكات.

ملخص القول، انه وعند تطبيق موازنة عام 2008، بصيغتها الراهنة، ضمن الاستراتيجية والفلسفة التي ترتكن إليها، لا بد من ملاحظة جملة من الأخطار لا بد من الانتباه إليها وهي:
• الخطر الأول يتمثل بإمكانية تنامي معدلات البطالة وبالتالي المساهمة في خلق جيش احتياطي متزايد من العاطلين عن العمل وتنميته باستمرار بكل ما يحمله من تعاظم التهميش والاستقطاب الاجتماعي.
• الخطر الثاني إمكانية تفاقم جملة من التوترات الاجتماعية وظهور المزيد منها بنتيجة تطبيق الوصفة المشهورة: "إزالة سياسة الدعم وآثارها المشوهة ".
• الخطر الثالث هو أن الرهان على " طرد الدولة " من الحقل الاقتصادي وإبعادها كلية عن السوق والياته، واعتماد خصخصة مؤسسات القطاع الحكومي، في ظروف اقتصاد ما زال هشا سوف يقود الى فتح الطريق أمام رؤوس الأموال الأجنبية لفرض هيمنتها، من مواقع قوية، على النشاط الاقتصادي المحلي وبالتالي لن تتحقق التنمية المستدامة التي أكدت عليها موازنة 2008.
• الخطر الرابع هو أن إطلاق مبدأ" تحرير التجارة الخارجية " وأساساً تجارة الاستيراد دون تحضير جيد ومسبق لهذه الخطوة سيساعد على غزو السلع القادمة من البلدان الأخرى للسوق العراقية ومنافستها للسلع المحلية، التي تمتاز أصلاً بقدرة تنافسية ضعيفة ، مما يؤدي الى تدمير الصناعات المحلية المنتجة لتلك السلع، على الصعيد المحلي.

جوهر القضية: الرؤية الإستراتيجية مطلوبة
خلاصات عامة
تتيح قراءة موازنة عام 2008 وما تحويه من أرقام ومعطيات تفصيلية بلورة الاستنتاجات التالية:
أولا: تمتاز ميزانية عام 2008، بالمقارنة مع ميزانية 2007 وما سبقها، بجملة من الخصائص:
1. كبر حجمها وهي تعد أضخم موازنة في تاريخ العراق المعاصر، إذ تقدر إيراداتها المتوقعة بحوالي (50.775) تريليون دينار (ما يعادل 42.312 مليار دولار) وبنسبة نمو تبلغ 26.7%عن عام 2007. هذا مع العلم أن الإيرادات المتوقعة تقوم على فرضية تصدير (1.7) مليون برميل يوميا وبسعر (57) دولار للبرميل الواحد
2. حصول تطور، ولو بسيط، في بنية الواردات من خلال انخفاض حصة الواردات النفطية في إجمالي الواردات من 93% في عام 2007 الى 83.6%، مقابل تنامي حصة الواردات الأخرى غير النفطية وان كان هذا التحسن ناجم بالأساس عن عنصر واحد (خدمة الهاتف النقال) الذي من المتوقع أن تبدأ إيراداته بالظهور سنة 2008 في حال اقرار مشروع القانون الخاص بذلك.
3. النمو الملحوظ للنفقات العمومية في موازنة عام 2008 حيث تشير التقديرات الى أنها ستبلغ 58.110 تريليون دينار (ما يعادل 48.4 مليار دولار) وبزيادة قدرها 6.389 تريليون دينار (ما يعادل اكثر من 6 مليار دولار) وبمعدل نمو قدره 12.3% مقارنة بعام 2007.
4. إن تخصيص 15.698 مليار دولار للمشاريع الاستثمارية في موازنة عام 2008 وتناميها بنسبة 32.1% في هذا العام مقارنة بعام 2007 يعد مؤشرا على ما يمكن تحقيقه في البلاد.
5. حصول بعض التطور في بنية النفقات الاستثمارية على الصعيد الجغرافي، فقد تنامي دور الأقاليم والمحافظات في الميزانية الاستثمارية إذ تم تخصيص 3.333 مليار دولار في ميزانية عام 2008 لتنمية تلك المحافظات والأقاليم، وذلك بزيادة 1.3 مليار دولار عن عام 2007 (وبنسبة نمو قدرها 61.3%). هذا مع الإشارة الى أن نسب التنفيذ في المحافظات خلال عام 2007 كانت متواضعة.
ثانيا: بشأن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وسلطات إقليم كردستان. هنا ثمة حاجة لإبراز ما نصت علية الفقرة (أ) من المادة (19) من قانون الميزانية والتي أشارت الى ما يلي: " يقوم ديوان الرقابة المالي الاتحادي بالتنسيق والتعاون مع ديوان الرقابة المالية لإقليم كردستان باحتساب وتحديد الإيرادات الاتحادية المستحصلة في الإقليم لهذه السنة وتقوم وزارة المالية في الإقليم بتحويلها الى وزارة المالية الاتحادية شهريا ". وتبرز أهمية هذه المادة في توضيحها لصلاحيات الطرفين بشكل أدق من جهة، والى تطور في التنسيق بينهما من جهة ثانية، ولم يكن ممكنا تحقيق ذلك بمعزل عن الإرادة المشتركة وتفهم الطرفين وما بذلاه من جهود للتوصل الى هذه الصيغة التي يمكن التأسيس عليها لبناء علاقات راسخة بين المركز والإقليم ضمن الآليات المثبتة في الدستور العراقي.
ثالثا: ثمة تحول في الموقف من المؤسسات المملوكة للدولة لا بد من تسجيله هنا. في السابق كان يجري الترويج لفكرة " الخصخصة دون قيد أو شرط " ضمن الشروط التي يلح عليها صندوق النقد الدولي والمتمثلة بـ " طرد الدولة من النشاط الاقتصادي ". يلاحظ في موازنة عام 2008 دعوة لحل مشاكل الشركات التابعة للدولة،حيث نصت الموازنة على ضرورة " العمل الدؤوب لتأهيل المنشات والشركات العامة وتفعيل نشاطها من اجل تحقيق هدفين أساسيين لهما تأثير هام على الموازنة الأول تقليل الدعم الذي تقدمه الموازنة والذي يقدر بحدود (1339.21) مليون دولار سنويا (ما يعادل 1679.053 مليار دينار) والثاني مساهمتها في تمويل الموازنة من خلال حصة الخزينة من الإيرادات التي تحققها هذه المنشات ".
رابعا: إبلاء اهتمام افضل للقطاع الزراعي. ومن المفيد الإشارة هنا الى أهمية ربط هذه التوجه بمسعى الحكومة الى إجراء تغيرات في هذا القطاع الحيوي والهام، والذي تجلى بإطلاق " المبادرة الزراعية "، واجتماع للهيئة العليا للمبادرة (الذي ضم وزراء ووكلاء وزارات من مختلف الاختصاصات التي لها علاقة بالقطاع الزراعي) حيث جرى تبادل وجهات النظر حول كينيات تحويل هذه المبادرة الى واقع ملموس، من خلال التأكيد على تحسين وتنظيم القطاع الزراعي وإيجاد الهيكلية المناسبة ، والحاجة الى رؤية متكاملة لإشكالية الأمن الغذائي وضرورة التعامل معها من منطلقات استراتيجية، وحل مشكلات المياه، الملوحة، خصوبة الأرض. وكل هذا يتطلب بلورة استراتيجية زراعية ضمن استراتيجية تنموية بأهداف محددة وملموسة.
خامسا: التنبيه الى خطورة العجز المتكرر في الموازنات السنوية والدعوة الى التركيز على تكييف الموارد المتاحة لتغطية الإنفاق العام بدون عجز كبير. وتتضمن الميزانية الدعوة الى الترشيد العلمي لأبواب الإنفاق العام وخاصة النفقات الجارية (التشغيلية) ومقاومة أي زيادة في النفقات الجارية وبالأخص الرواتب والأجور (تعويضات الموظفين) والمكافئات التقاعدية. ومع الاتفاق مع جوهر الفكرة إلا انه لا بد من الانتباه الى أن المشكلة لا تكمن في الرواتب والأجور بشكل عام بل لا بد من ملاحظة التفاوت في معدلاتها وتأثير ارتفاع معدلات التضخم عليها. فهناك قطاعات واسعة من الذين يعيشون على رواتب وأجور يعانون من معدلات التضخم المرتفعة التي تلتهم ما يحصلون عليه وبالتالي تنخفض أجورهم ومداخيلهم الحقيقية. في حين لا يعاني الذين ينتمون الى المراتب العليا من الموظفين كثيرا من هذه الآثار. ونفس الملاحظة أيضا بالنسبة الى المكافئات التقاعدية.
وبمقابل الجوانب الإيجابية المشار إليها أعلاه لا بد من تسجيل الملاحظات الانتقادية التالية:
أولا: ما زالت الموازنة تعاني من خلل بنيوي يتمثل في حقيقة أن النفقات التشغيلية تلتهم حوالي 3/4 النفقات العامة وهي نفقات تجري على حساب الاستثمار، الامر الذي يجعل الميزانية غير قادرة عن خلق ديناميكية فعالة على مستوى النمو الاقتصادي الذي يشترط من بين ما يشترطه وجود استثمارات كبيرة تحتاجها البلاد حقا في هذه المرحلة.
وسيترتب على النقص الحاصل في نفقات الاستثمار العمومي نتيجة مهمة هي إمكانية تنامي الطبيعة المضارباتية للاقتصاد. ففي ظروف عدم تبلور استراتيجية تنموية واضحة ووضع أمنى لم ترتسم معالمه بعد رغم التحسن في بعض المناطق، سيتم التوجه إلى القطاعات ذات الربحية السريعة دون إعطاء أية أهمية للقطاعات المنتجة. وسلوك من هذا النوع من شأنه أن يزيد من اختلال التوازنات الاقتصادية (ضعف المردودية، عدم تحقيق تنمية أفقية على كافة المستويات الاقتصادية...الخ). وبسبب محدودية الموارد مقارنة بتنامى الحاجات هناك افتراض تقوم عليه الميزانية هو أن تتولى المساعدات الدولية تمويل المشاريع الاستثمارية وما يشكله ذلك من قيد على بناء استراتيجية اقتصادية معللة.
ثانيا: عدم حصول تغيير ملحوظ بالنسبة لفقرة المنافع الاجتماعية ضمن إجمالي النفقات التشغيلية والتي ظلت تراوح في مكانها تقريبا ( ازدادت بمقدار حوالي 993 مليون دينار فقط وبمعدل نمو قدره 0.1% فقط). ولتوضيح هذه الملاحظة لا بد من الإشارة الى أن هذه الفقرة تشمل (تخصيصات البطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية وبدلات العسكريين ونفقات الإغاثة والمعونة للمهجرين).
ثالثا: استنادا الى المعطيات المتوفرة في ميزانية 2008 فان المبالغ المخصصة للبطاقة التموينية لن تشهد أية زيادة في عام 2008 بل ستحافظ على نفس المبلغ الذي خصص لها في عام 2007 وهو (3928) مليار دينار أي ما يعادل اكثر من 3 مليارات دولار بقليل. والاهم من ذلك أن حصتها في إجمالي النفقات التشغيلية ستنخفض في عام 2008 مقارنة بعام 2007 (من 14.2% في عام 2007 الى 13.3% في عام 2008). وهناك إشارة في الميزانية الى أن من المتوقع تقليص مفردات البطاقة التموينية وحصرها ببضع مواد فقط.

من المفيد إثارة الانتباه هنا الى خطأ المقاربة التي تنظر الى البطاقة التموينية من منطلق أنها " أعباء على الميزانية ولا بد من التخلص منها ". ويكمن السبب في ذلك هو أن هذا الموقف ينطلق من نظرة مجردة لأولئك المسكونين بلعبة الأرقام في حين تهمل الجوانب والآثار الاجتماعية السلبية التي يمكن أن تترتب على هذا التخفيض. فالبطاقة هذه يعتمد على مكوناتها قطاع عريض من الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة وان رفعها أو تقليص مفرداتها قد يؤدي الى حدوث توترات اجتماعية وما يمكن أن يرافق من تكاليف. لذا فان المهم أن يؤخذ بالاعتبار الآثار الاجتماعية الناجمة عن هذا التخفيض، وان لا يتم اللجوء الى اعتماد خطوات سريعة لإلغائها دون توفير بدائل عقلانية وهي – أي البدائل - لن تكون متوفرة على المدى المنظور. ويتعين التخلي عن تلك الفكرة التي هاجسها الأساس هو الحفاظ على ما يسمى بـ " التوازنات الاقتصادية الكبرى " ومن دون إجهاد النفس في البحث عن الآثار الاجتماعية لتلك القرارات وهل أن الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحين عموماً لديها القدرة على تحمل أعباء هذه السياسات؟ ثم لماذا يتم التعامل مع الجميع ضمن مسطرة واحدة بما فيها ذوي الدخول العالية الذين لو حجبت عنهم البطاقة المذكورة فانهم لن يعانوا نفس معاناة أولئك الذين ينتظرون بفارغ الصبر مواعيد توزيع الحصة التموينية رغم رداءة مفرداتها. وملخص ما ينبغي التأكيد عليه في هذا المجال هو تجنب القرارات المرتكنة الى حسابات رياضية ولا تأخذ بالاعتبار هذه المشكلة المجتمعية وما يرافق إلغاء البطاقة التموينية من تداعيات سلبية ومكلفة.
ومن هنا أهمية التدرج في التعامل مع هذه القضية. ويبدو أن واحدا من الحلول المعقولة في الفترة الانتقالية الاستثنائية هو اعتماد نوع من نظام للضمان الاجتماعي وتمويله ليس بالضرورة فقط من خلال الميزانية بل عبر إنشاء صناديق لهذا الغرض والتخطيط لذلك ضمن أفق زمني وتثبيت ذلك مؤسسيا.
رابعا، انه على بالضد من هذا الاتجاه العام للإنفاق الاستثماري في موازنة عام 2008 يلاحظ انخفاض مطلق ونسبي في حجم الاستثمارات المخصصة لقطاعي النفط والكهرباء. إذ رغم تأكيد هذه موازنة على ضرورة " إعطاء الأولوية لمشاريع القطاع النفطي والطاقة الكهربائية .... الخ" ، ورغم الأهمية المحورية لقطاع النفط في الاقتصاد العراقي مقابل ما يعانيه من مشاكل مما يدعو الى تحديثه وتطويره من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات إليه نجد انه من المتوقع انخفاض المبالغ المخصصة للمشاريع الاستثمارية لهذا القطاع النفطي بـ 16% في عام 2008 مقارنة بعام 2007، في حين من المتوقع انخفاض الاستثمارات المخصصة لقطاع الكهرباء بـ 6.1% رغم أن البلاد تعاني من أزمة فعلية في مجال الكهرباء. هذا مع العلم إن الأهمية النسبية لهذين القطاعين في إجمالي النفقات العامة (التشغيلية + الرأسمالية) كانت متواضعة (4.1% للقطاع النفطي و 2.7% لقطاع الكهرباء). وما يثير الانتباه في هذا المجال هو أن مهندسي موازنة عام 2008 وفي فقرة " سياسة الموارد المقترحة للموازنة العامة للعراق لسنة 2008) (ص13) يدعون الى " فسح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية لاستغلال طاقات الحقول النفطية الحالية والجديدة "!
خامسا، رغم أن البطالة تعد واحدة من الإشكاليات الكبرى التي تواجهها البلاد بكل ما تحملها من تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وغيرها، ورغم أن حديث المسؤولين الكبار المتكرر عن هذه القضية واعتبار القضاء عليها أو الحد منها هو أحد الأهداف الكبرى التي تسعى " الاستراتيجية الاقتصادية " لإنجازها، رغم كل ذلك فإن قراءة الموازنة لا تتيح العثور على ما يبين أن هناك إجراءات وحلول جذرية لمعالجة هذه المشكلة الكبرى، وخصوصا في القطاعات الكبرى وتحديدا قطاعي الزراعة والإنشاءات والبناء وهما في الواقع القطاعين الأكثر امتصاصا للبطالة في الاقتصاد العراقي في لحظة تطوره الراهنة. ففي الوقت الذي يعاني فيه الآلاف من حاملي الشهادات من عواقب البطالة، فإن موازنة عام 2008 لم تعتمد سوى (155203) درجة وظيفية. ولولا اجتذاب جزء من العاطلين عن العمل من قبل مؤسسات الجيش والشرطة لاستمر تصاعد البطالة واتسعت رقعة الفقر بكل ما تحمله هذه الوجهة من تهميش وما يرافقه من تداعيات ومخاطر سلبية وتوترات مجتمعية يصعب التحكم في مساراتها.
وفي الختام، لا بد من الإشارة الى أهمية الانفتاح على الخارج والسعي للاندماج في الاقتصاد العالمي على قواعد اكثر عدالة بعد قطيعة طويلة مع العالم بسبب سياسات وحروب النظام المقبور، إلا انه يتعين على الموازنة أن تتجنب اختزال القضايا التنموية الكبرى في المراهنة على التوصل الى اتفاقات مع المؤسسات المالية والنقدية الدولية للتغلب على المشكلات التي تواجه اقتصادنا في لحظة تطوره الملموسة. إن نهجا كهذا سيؤدي الى الإبقاء على ذات البنية الاقتصادية الأحادية الجانب التي تهيمن فيها الريوع النفطية، رغم محاولات البحث عن مصادر أخرى للإيرادات غير النفطية.
تحتاج بلادنا واقتصادنا اليوم الى اعتماد سياسة مالية ترتكن الى استراتيجية تنموية توسعية تطمح الى بناء اقتصاد عصري ومتطور، وتسعى الى رفع معدلات الدخل القومي، والقضاء على البطالة بخلق فرص عمل بهدف الرفع من القدرة الشرائية للمواطنين، وزيادة مستويات المعيشة، وبعث الحيوية في قدرة الدولة على أداء وظائفها والزيادة طبعا في قدرة البلاد على دفع أعباء مديونيتها الخارجية.
وتشير التجارب الى أن الاستراتيجيات البديلة الأخرى مهما تنوعت طبعاتها فان ما يجمعها هو أنها لن تساعد على تجاوز المشكلات الفعلية التي يواجهها الاقتصاد والمجتمع العراقي بل ستساهم في تعميق الأزمة البنيوية الحالية، وتنقلها إلى مديّات جديدة، وتفاقم تناقضاتها المتوترة دوماً. وهذا ما لا نحتاجه في لحظة الانتقال الصعبة التي يمر بها اقتصادنا ومجتمعنا اليوم.

22/11




 


 

Counters

 

أرشيف المقالات