مقالات وآراء حرة
السبت 25/12/ 2010
البحث عن أخبث رجل في العالمعلي بداي
كم بحثت عن هذا اللص الكبير المحترف الذي سن قانون رواتب قادة العراق الجديد ولم يدلني عليه أحد للآن ، هو شخص واحد ،مهما قيل من أن القانون كان من صنع لجان وثمرة مباحثات لكن الفكرة الشيطانية المغرية التي فرضت نفسها على تلك اللجنة وأخرستها كانت ولاشك فكرة رجل واحد ، هل كان بريمر؟ ام كان رئيس مجلس الخدمة العامة ؟ أم هورئيس مجلس النواب؟ .
أي كان هذا الذي فعلها ، فهو أخبث خبثاء الأرض وأكثرهم حقدا على العراق وأبعدهم عن الإحساس بمعاناة العراقيين، ولم يكن وحده من سيحمل مسؤولية هذه الجنحة المخلة بالشرف ولكن الذين ايدوه برفع الأيادي الموافقة لم يكونوا أبرياء قط وإن أرادوا أن يتبرأوا من عار القانون ، بل هم الآن يتتلمذون على مقاعد اللصوصية وسيتخرجون فيما بعد (إن لم يكونوا قد تخرجوا الآن) دكتاتوريين، عتاة لا يتركون أماكنهم الا محمولين على نعش.
حول قانون رواتب قادة العراق الجديد المهمة القيادية التي كنا نتصورها مقدسة ولا تليق الا بالوطنيين والأكفاء المتحمسين لبناء بلد رجع الى عصر الحجر، حولها الى مصدر إثراء وخلق لنا بذلك عالما خفيا يسيره الإنتقام، وتحكمه شرائع التآمر،والإغتيال ،والصفقات فأوصلنا الى حالة تقاد البلاد فيها من قبل "مافيات شرعية" منتخبة من قبل الملايين. ولم يقتصر خبث المشرع على تحليل المال الحرام بل أن هذا العبقري توصل الى معرفة أن مستوى العراقيين المعاشي حتى بعد بناء دولة الرخاء الموعودة بعد 20 عام أو أكثر سوف لن يصل الى مستوى معيشة النائب ،وبذلك ستبعد المسافة بين المواطن ومن يمثله وسوف تتبلور لدينا على مر الأيام قلة مرفهة معزولة ستكون هي وحدها القادرة على خوض الإنتخابات والفوز بها.
لو تجاوزنا رواتب الرئاسات الثلاث المحيرة للعقول، ستصدمنا حقيقة أن كل نائب عراقي في برلماننا الذي لم يلتئم بعد ، يتقاضى شهرياً 11 ألف دولار ومخصصات لمرافقين تبلغ 8000 دولار، كما يتقاضى 2600 دولار مخصصات للسكن إذا كان مقر سكنه خارج المنطقة الخضراء الآمنة المتنعمة بالماء والكهرباء في وسط بغداد. أي أن كل من هؤلاء النواب الذين لم يسعدنا الحظ في التعرف على وجوههم بعد (ومن بينهم الآن 57 حاجا للديار المقدسة ليشكر الله على نعمته) أخذ منا 180 الف دولار منذ إنتهاء الإنتخابات لحد الآن ضريبة إنتخاب الشعب له ! أما حين يسافر عضو مجلس المحافظة لدولة أوربية فيمنح عندها عن كل يوم مليون دينارعراقي كمصرف جيب ، والمسافر منهم الى دول أخرى يمنح 750 ألف دينار ، وللدول المجاورة للعراق 500 الف دينار ، علما أن تكاليف سفر عضو مجلس المحافظة مدفوعة كاملة من خزينة الدولة، هل عرفتم الآن سبب ولع أعضاء المحافظات بالسفر وعقد الإتفاقات الوهمية وإطالة المكوث في بلاد الغربة وإدعاءات اللقاء بالجالية العراقية وتنظيم زيارات المرافق الصناعية والصحية والعسكرية وكل ما من شأنه تمديد السفر؟
لا غرابة إذن أن تجد بين أعضاء مجالس المحافظات من الأميين أبجديا وحضاريا وممن يخجل المرء من مرافقتهم أثناء زياراتهم الفاضحة لدول أوربا وتصرفاتهم التي تشي بضحالة إعدادهم الإجتماعي والثقافي، ولا غرابة أن تعثر من بين الوزراء على من من إنتحل صفات علمية ليست له غير خائف من مساءلة، فالإغراء أكبر من أن يقاوم . أسألكم :
- كيف لا يتقاتل فرسان الطوائف إذن مع بعضهم ؟ وكيف لا تتصارع المليشيات بكل دموية في دولة الخطوط الحمر؟
- وكيف يترك من كان يفترش بسطة في الأرصفة ولم يفكر يوما في غير مصلحته فرصة الجلوس على كرسي الملايين؟
- كيف تتفاهم الكتل السياسية وتفاهماتها ستؤدي حتما الى أن يضحي فلان بكرسي الوظيفة لصالح علان؟
- كيف لا يغرق العراق بالدماء و"حجي شليعط " الذي كان يعتاش على مايجود به المحسنون أثناء أيام شهر محرم يقف الآن على بعد قوسين أو أدنى من الراتب الوزاري أو الحرمان من الراتب الوزاري؟
- كيف سترضى دلالات شارع مريدي السابقات بالعوده اليه بعد أن إبتسم الحظ لهن على غير توقع ووجدن أنفسهن كالطائر على بساط الريح من شارع مريدي الى قصرالمؤتمرات مباشرة،وبدلا من الحديث عن أسعار الطماطة والبصل والدولمة يتلين الان بيانات أحزابهن أمام كامرات المصورين وتزاحم الفضائيات عن الغاز والبترول والعولمة ؟
- كيف سيتنازل مربي الدجاج الذي كان راعيا للإبل في الصحراء عن جوازه الدبلوماسي الذي لم يكن ليحلم به من قبل؟
- كيف لا تزور الشهادات؟ ولا تنطلق كاتمات الصوت؟
- كيف لا تخزن الأسلحة ليوم سيأتي ربما ويجرد المسؤول فيه من مسؤوليته ومن راتبه الأغرب في الأرض؟
فتح هذا الفاسد والمفسد الكبير بسنه قانون رواتب قادة العراق الباب لعاصفة فساد مهول، وحرك علينا من جديد شيوخا لعشائر تعمل المستحيل لإيصال أحد أبنائها لكرسي النيابة كي تعين له حماياته من بين أفخاذها ،وبهذا تتقوى العشيرة وتفرض شروطها على الدولة التي ستضيع في بحرالعباءات والعمائم المتلاطم لنعود الى أيام مجلس الأعيان ونوادر"محمد العريبي" في برلمان ماقبل الخمسينات .
أنه أخبث إجراء في تأريخ العراق الحديث ولربما كان الأخبث ليس في منطقة الشرق الأوسط بل في الكرة الأرضية برمتها . كم بحثت عن هذا اللص الكبير المحترف الذي سن قانون رواتب قادة العراق الجديد لكي أرشحه لنيل جائزة أخبث رجل في العالم.