| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الجمعة 25/4/ 2008

 

من الشوارع الخلفية لمدينة الناصرية :
صورة كمال سبتي في شبابه

عبد العظيم فنجان

1

في ذلك المقطع الزمني من حياة الناصرية ، كمدينة فتية ، حبلى أبدا بالرائعين . كان نهرها الخالد : الفرات ، يجري نحو جنوب الجنوب ، كما لو أنه يؤكد حضوره الملحمي ، يوم كان فيضانه َكافيا لتدمير حضارة ، ومحفزا - ياللمفارقة - لنمو حضارة اخرى .

لحسن الحظ فقد كان هناك مَن يدوّن ، في القديم ، ولذلك وصلنا ما وصلنا من تاريخ هذه البقعة المنسية من العالم ، ولسوء الحظ أيضا أن فعل التدوين هذا تراجع مع تصاعد فعل الابتكار . فنحن ازاء مدينة تنتج مبدعين على كافة الاصعدة ، لكنها لا تنتج مؤرخين ، ولو ملفقين ، كما تفعل بعض المدن . نحن في مدينة تاريخها هو ذاكرة الاحياء ، أما امواتها فيتساقطون من تلك الذاكرة مع كل ولادة جديدة لجيل جديد . قد يبدو ذلك فعلا قدريا من الخارج ، لكنه في الحقيقة ليس الا نتيجة لتفاقم سوء الحال ، مع دخول البرارة الجدد ، الذين ليس في صالحهم أن يكون هناك تاريخ معاصر وزاه لمدينة علّمت الناس القراءة والكتابة في اول الخليقة . هناك صراع غير مرئي : ناصرية السومريين أم ناصرية ناصر باشا ؟ موسكو الصغيرة ؟ ناصرية اور ، ام ذي قار الاسلاميين ؟
هناك حرب غير مرئية ، لكنها ستتجلى يوما : حرب من اجل ابادة الوردة ، وحديقة غازي ، وسينما البطحاء ، وبهو البلدية ، وزامل سعيد فتاح .. وصولا الى كمال سبتي ، آخر الراحلين لحد كتابة هذه المجتزأ من سيرته ، غير المذكورة في الاستذكارت والمراثي التي تناولته .

2

لست مؤرخا ، ليس لأن الشاعر اشرف من المؤرخ كما يرى افلاطون ، وانما لأن الشعر هو هاجسي الاول ، واذ اكتب الان فبهاجس الشاعر ليس الا ، مع اني اشعر بحاجة ماسة الى فعل المؤرخ النزيه في هذه اللحظة الملتبسة من عمر الزمن ، حيث احتلت حيطان المدينة شعارات السواد ، وأكلت رطوبة المراثي العبارات المجنحة التي كنا نكتبها على الحيطان والمصاطب .
لا زلت اذكر تلك العبارة الشعرية : " حن وآنه أحن " المكتوبة على جدار قاعدة جسر الناصرية قبل ان يطاله قصف الحلفاء عام 1991. لازال مشهد الجنود العائدين من الثكنة عام 1972 حيا في ذاكرتي ، ونحن طلاب نتهيأ للامتحانات النهائية ، بانتظار صمون الثكنات الذي يجود به علينا هؤلاء الجنود ، وكان كمال سبتي وقتذاك فتى وسيما ، يمر بدراجته الهوائية ،حاملا معه شيئا من الاكل لنا ، لأننا كنا لا نعود الى بيوتنا الا مساءا ، فيما كان اهل الشاعر الراحل قريبين جدا من الجسر حيث كنا نقيم . كانت اغنية عبد الحليم حافظ : " رسالة من تحت الماء " فضاءا واجنحة ، وكان ثمة مَن يملك مسجل - ريكوردر - سقط اسمه من الذاكرة ، يتحفنا ببعض الفواصل الكلثومية التي ظل كمال سبتي يحبها للاخير .

3

لم يكن كمال زميل دراسة ، كان متأخرا عني بسنة ، ولا اتذكر الاسباب التي جعلت منه لابثا مكانه في ثانوية الناصرية ، فيما انتقلت انا الى اعدادية الجمهورية ، لكننا كنا نلتقي كثيرا ، وكثيرا جدا ، فكان اخر لقاء بيننا في بغداد ، في بار اطلس الشهير ، عام 1979 ، حيث كنت مطاردا من قبل البعثيين ، لكننا شربنا البيرة هناك ، رغم الرعب ، وشرعنا في نقاش حماسي عن قصيدة النثر ، انتهى مع نفاد آخر فلس في جيوبنا ، فخرجنا نتسكع معا الى الباب الشرقي ، حتى توقفنا اخيرا عند باب سينما الحمراء ، التي كانت تعرض فلما رخيصا . قال لي كمال : " الليل قد هبط ، ويجب ان نفترق . اعتنِ بنفسك " . ففارقته ذاهبا الى الليل ، على لاهدى . وفي خيالي لبثت جملته الاخيرة ، الى ان التقينا ثانية عام 1987في الناصرية ، لكننا وقتها - للاسف الشديد - كنا قد حزمنا امرنا على ان نفترق ، ولا نلتقي الا على تناقضاتنا الخاصة ، فكل على حدة كان قد اختار انحيازه الاخير نحو مصيره الخاص ، وكل على حدة ظل يحمل في قلبه ذلك الحب الكبير للناصرية ، ولكن .. ظل كل واحد منا يعبر عنه بطريقته . هكذا كنت اتلصلص على مايكتبه كمال سبتي في عموده الجميل : " في المهب " فأستعيد رائحة ذلك الحوار الصاخب البدائي في بار اطلس ، واتطلع الى الاكثر ، حتى اخر عمود كتبه ، وفيه اعتذار مهذب وخجول عن عدم القدرة على المواصلة ، تبعه بعد يوم او يومين تعليق سيء في مكان العمود بالضبط ، في نفس المساحة على الصفحة ، كتبه أحدهم ساخرا من الراحل ومن اهميته . وقتذاك ، لأول مرة في حياتي شعرت بأن من حق كمال سبتي علي أن اثأر له على هذه السخرية ، إلا أني لحد الان لم افعل ذلك .. ذلك ان كمالا لم يعطني فرصة ابدا ، لكن تلك مسألة اخرى ..

4

كان والدي رجلا طموحا ، وقد هجر الريف الى المدينة بعد ان شاهد شرطيا على بدلته الرسمية ازرار نحاسية ، فظنها ذهبا . كان الشرطي في مهمة تبليغ ، وعندما لاحظ والدي اهتمام شيخ العشيرة - الذي كان شقيق والده - بهذا الفارس الذي وصل على حصان ، تحركت فيه رغبات المجد ، وهكذا خلسة عن جدي ، تبع الشرطي عند مغادرته " ناحية الغراف " راكضا وراء حصانه ، حتى وصل معه الى قضاء الشطرة ، الامر الذي لفت انتباه الشرطي ، فتوقف في احد المفازات وسأله عن غايته ، فقال له الوالد : " اريد ان اكون مثلك " .
هكذا صار والدي شرطيا ، وهكذا ايضا غادر عالم القرية الى الابد ، ودخل المدينة - الناصرية بزي مرصع بأزرار من نحاس ، مع لمعانها كان بريق طموحه يتجلى شيئا فشيئا ، حتى اصبح من ابرز تجار المدينة ، بعد ان عمل بتهريب المواد التموينية ، والتجارة بالاسلحة والاقمشة ، في الحرب العالمية الثانية . كان قريبا من عائلة ناجي طالب رئيس الوزراء الشهير ، كما كان معدودا من اعيان المدينة ، وكان قد امتلك عددا من قطع الاراضي ، إذ كنت الناصرية وقتها قرية صغيرة جدا ، لم تاخذ سمات المدينة ، لكن والدي كان قد ارتكب اثناء ذلك الحب ، ووقع في غرام والدتي " تسواهن " التي كانت من اجمل الجميلات وقتذاك ، وظل يطاردها ويلاحقها حتى وقعت هي الاخرى في حبه ، سوى ان مشكلة كبيرة نشأت بينهما لانه كان قد تزوج من امراة اخرى قبل اكتشافه لمعشوقته الجديدة تسواهن ، فكان لابد من تطليق الاولى كشرط اول للزواج اما الشرط الثاني فكان فادحا : مهرا قدره 12 روبية ، وهو مبلغ فاحش في تلك الايام .

اسوق هذا الكلام تمهيدا للقول بأن الفقر الذي طال عائلتنا فيما بعد كان نتيجة مغامرات ابي في الحب والتجارة ، حتى افلس ذات يوم ، فقرر فتح مقهى في محلة باب الشطرة ، صار ملتقى - فيما بعد - لصيادي المغامرة وممتهني التهريب ، وبالتالي للساسة والمعارضين والمثقفين ، وهناك - في تلك الحاضنة - نشأت ، ويبدو ان لعنة ابي الجميلة هذه ظلت سارية في دمي لحد الان ، وهو يغذيها بطموحه الذي لم يتوقف عند حد ما ، خاصة عندما نجحت من المرحلة الابتدائية ، فلم يرسلني للتسجيل في المدرسة المتوسطة القريبة من بيتنا ، بل ارسلني الى ثانوية الناصرية التي تبعد كثيرا عن محلة سكناي ، معلّقا على ذلك بأنه يريدني ان ادرس مع اولاد الاكابر ووجهاء المدينة وفعلا في تلك الثانوية التقيت بكمال سبتي ، وبعبد الحميد الناصري ، وبعلي الحمداني ، وبهشام حبش .. و .. كل هؤلاء ابناء ذوات المدينة واعيانها الكبار .

5

في تلك الثانوية شاءت الصدفة ان يكون زميلي الذي يقاسمني المقعد الدراسي هو الشاعر عبد الحميد الناصري ، شقيق الشاعر العراقي الصعلوك الشهير عبد القادر رشيد الناصري ، ومن عبد الحميد سأتعلم الاوزان الشعرية على نفس المقعد ، ومنه ايضا اتعلم فنون التمرد والعصيان ، يغذي ذلك كله استاذ العربية الشاعر الوجودي الكبير نوري عبد الرحيم ابن خالة الشاعر كمال سبتي .

اعتبر نفسي محظوظا ، رغم خيباتي في الحب والسياسة ، لأنني عشت زمنا صافيا ومحتدما ومليئا بالمفارقات ، فمن بين تلك المفارقات ان تكون عائلة عبد الرحيم - اي بيت خالة كمال سبتي - مشطورة بين الفكر القومي والفكر الماركسي : أن يهتم نوري عبد الرحيم بي ، وأن يهتم معاذ عبد الرحيم - شقيق نوري - وهو القومي المعروف ، بكمال سبتي ، ولكن بالرغم من هذه التناقضات كان هناك ثمة ماهو مشترك ، لكنه متناقض ايضا في جوهره : شقيق كمال سبتي الاكبر : المرحوم نضال سبتي ، الذي كان صديقا حميما لي تعرفت عليه من خلال صداقتي لعبد الحميد ، ومن خلال نضال تعرفت على اهم كتابين قرأتهما في تلك المرحلة : " زوربا اليوناني " وكتاب ستيفان زفايج : " بـُناة العالم " . ثم توالت عليَّ الاسماء التي لم اسمع بها في مقهى ابي : شفيق مقار ، مطاع صفدي ، غالي شكري ، هيكل .. ومعظم رموز الفكر القومي اليساري ، ولاعجب في ذلك فنضال وعبد الحميد كانا مؤمنين بأهمية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، فيما كنت الدروس التي كنت اتلقاها من مثقفي مقهى ابي وساسته متماهية مع انتفاضة الشيوعيين في الاهوار ،جيفارا ، ماركس،غارودي ، سارتر ، محمد جلال العظم ، وصولا الى ... كولن ولسن . وفي كل هذا كان الراحل كمال سبتي غائبا وبصورة مشوشة في ذاكرتي الان ، لكنه يطل فيها ، ومن خلالها في مقاطع غير مترابطة ، لعل اهمها تلك المرات التي امر بها على شقيقه نضال الى البيت بصحبة عبد الحميد الناصري ، فينط من الباب ليكون رابعنا ، فيصحبنا الى الفرات ، حيث المقاهي الصيفية المزروعة على ضفته ، التي كنا نتخذ من احدها مقرا كما سيأتي .

6

كان عبد الحميد الناصري أكبرنا عقلا ووعيا ، بالرغم من ان عمره آنذاك لم يتجاوز الخامسة عشرة ، وهو نفس عمر نضال سبتي ، فيما كان عمري وقتها 14عاما ، وقد تجلى وعي الناصري المبكر هذا في اقتراح عرضه علينا انا ونضال يتلخص في تأسيس رابطة ادبية للشباب ، مستقلة وبعيدة عن السياسة ، نفكر فيها ومن خلالها بطرائق حرة ومبتكرة ، بعيدا عن الصراع السياسي - الثقافي بين الاتحاد الوطني التابع للبعثيين ، وبين اتحاد الطلبة التابع للشيوعيين ، فوافقنا من غير دراسة للعواقب المترتبة على ذلك ، فقد كنا ابرياء اكثر مما ينبغي ، وكانت نوايانا هشة امام صلابة المكر الذي جاء به البعثيون . هكذا جمعنا حولنا كل من نعرفه محبا للادب ، بعد ان كتبنا النظام الداخلي ، وانتخبنا – تخيلوا انتخبنا !! - الناصري رئيسا ، فيما فزتُ انا بمنصب نائب الرئيس ، والمرحوم نضال سبتي بمنصب مسؤول المالية . كان معنا في تلك الكومونة الادبية كل من : سكر جلب ، خليل القصاب ، هشام حبش ، علي الحمداني ، وعوني حامد / شقيق امين مكتبة الناصرية انذاك المرحوم صبري حامد .

كان مقر الرابطة واحدا من تلك المقاهي الصيفية التي كان يديرها احد زملائنا في المدرسة : " جواد عيطه " المشهور بحبه للتمثيل ، بالتهريج وخلق النكات والقفشات . وكان مقرنا هذا مقدسا ، ومجلسنا يكاد يكون سريا ، كحلقة ماسونية تدير امورها بصمت وسرية ، فيما غير بعيد عن مقرنا هذا ، كانت هناك " جمعية رعاية الفنون والاداب " ، برئاسة الراحل كاظم الركابي ، تدير اعمالها بشكل علني ، ويحق لي ان اقول انها كانت اول نواة لمنظمات المجتمع المدني في الناصرية ، التي يجب على الديمقراطيين احيائها واحياء تراثها ، لأنها كانت غاية في الاستقلال والليبرالية ، وقد ضمت بين اعضائها مختلف شرائح المثقفين ، بغض النظر عن ولاءاتهم السياسية .

اقول : غير بعيد عن كازينو جواد عيطة - مقرنا- كانت الجمعية تمارس عملها الثقافي علنا ، وغير بعيد عنا كان مقر الاتحاد الوطني يمارس عمله علنا ، مستغلا بهو البلدية حقلا لنشاطه .

كانت شروط الانتماء الى رابطتنا لا تتضمن الا فقرة هامة هي ان يتقدم راغب الانتماء اليها بنماذج من ادبه ، بغض النظر عن انتمائه السياسي .هكذا كان في الرابطة بعثيون ومستقلون وشيوعيون ، وهكذا ايضا كان فينا من هو الحريص على ترويجها بين اهل الثقة ، فكان نضال سبتي ، بالاضافة الى مسؤوليته المالية خير مروج لها في منطقته ، حتى ذات يوم حلت تلك الامسية التي انهينا فيها قراءاتنا الشعرية ، فاقبل ، من غير موعد ، الشاعر الراحل كمال سبتي وجلس بيننا ، فبادره عبد الحميد الناصري بالاستفسار عن مغزى وجوده بيننا ، فاجابه كمال بثقة كبيرة : " أنا شاعر وجودي .. " : كان عمر كمال انذاك لم يبلغ الثالثة عشر عاما . وكان ماقاله صاعقا بالنسبة لنا ، فلسنا نفهم ما هي الوجودية الا بشكل سطحي ، وان كنا مبهورين بهذا الشكل ، لكن الناصري استوعب كمالا ، فطرح عليه بعض مايعرف عن الوجودية ، إذ كان اكبرنا فهما لها ، ودار بينهما نقاش شائك لكنه جميل .

آه ياكمال .. لم تترك متسعا في يوم من الايام كي اقول كلمتي هذه ، لأنكَ كنتَ محتدما ومندفعا في كل شيء ، دون ان تبالي بالخسائر ، لكن على اية حال من اجل ذكراك ، ومن اجل اختلافنا ايضا ، ومن اجل نضال سبتي ، اكتبُ الليلة ، محاولا ان اكنس شظايا معارك لامعنى لها قامت بيننا ، وهدرنا فيها ارواحنا ، همومنا ، ودموعنا .

7

لست على ثقة من أن ماقرأه كمال من شعره كان وجوديا ، لكنه كان شعرا على اي حال : شعر مكـّنه من الدخول في حلقة " ماسونية " سرية ، محتدمة بالنقاش العفوي حول مفاهيم ليس بينها رابط ، لكنها مهمة بالنسبة لنا ، فقد كنا نريد ان نفتح العالم المغلق ، كأي فتيان مستهم نار الشعر المقدسة في عام 1970 تحديدا ، وبمفارقة غريبة - ربما تعكس جوهر الشعر ايضا - فرّقتهم نار الشعر ، بعد ان جعلت كل واحد منهم شعلة لوحده ، ففيهم من انطفأ وفيهم من واصل المشوار ،
وكان كمال الراحل واحدا من اولئك الذين واصلوا مسك الشعلة ، وتغذيتها بتجارب متنوعة ، مر بها أو تعلمها من حقول اخرى ، كالسينما والمسرح .

لم يُعرف عني الا خصما لكمال ، وكذا لم يُعرف عن كمال الا كونه خصما لي ، رغم ان ما بيننا من وشائج كان اقوى مما بين اخرين ، ولست اريد ان اخوض باسباب هذا الخصام في غيابه ، فليس من المروءة أن ابدو نزيها أو على حق في لحظة فقد خاصة بي ، إذ فقدت بكمال خصما مثقفا وشاعرا مميزا ، ومواطنا من مدينتي ، والاكثر رفيق فتوة وصديق شباب ، يكفيني حزنا بهذا ، فقد اثبتَ لي فقده انه كان ضروري جدا في حياتي ، للحد الذي شعرت فيه باحتقار شديد لنفسي ، وهو يوارى التراب ، وانا امشي فوقه .

جملة كمال سبتي التي قدم بها نفسه الينا : " أنا شاعر وجودي .. " لطالما اعتبرتها مفتاحا هاما لفهم عمل كمال الشعري ، ولاتكمن اهميتها في التدوين الذي مارسه نثرا وشعرا فقط ، بل في مغامرته الاولى في السفر ، فقد نجح في الخروج من العراق لأول مرة عام 1975 من اجل غاية لا تخطر في بال شاب في التاسعة عشرة من عمره . قال : " ساسافر الى اسبانيا .. بحثا عن قتلة لوركا " وهذا القول المجنح هو من جنس قوله : " أنا شاعر وجودي .. " في الثالثة عشرة من عمره كما اسلفت ، ولعلها تحيل ، بطريقة ما ، الى مازعمه رامبو من انه ذاهب الى باريس من اجل ان ينتف لحية هيجو .

ليس مهما الان ذكر تعليقي الساخر وقتها ، إذ كنت اناكده كثيرا ، من جملته الاخيرة حول اسبانيا ، لكن المهم هو أن كمالا عاد الى العراق بعد ذلك ، ليمم شطره ثانية صوب اسبانيا في خروجه الثاني والاخير من العراق عام 1989، ليس من اجل البحث عن قتلة لوركا هذه المرة ، وانما من اجل نيل حريته ، والى الابد .

8

لدى عودته من رحلة البحث عن قتلة لوركا التقيته في بغداد ، وسكرنا في بار صفوان ، وعندما لعبت في رأسه الخمرة شرع بالبكاء من شدة الوجد ، فقد كان واقعا في غرام اسبانية صادقها هناك ، هي بنت احد البحارة ، ولم تنتهي السهرة الملحمية تلك الا بسقوطه بالضربة القاضية ، إذ كان قد افرط في الحنين بشكل لا يصدق ، مما جعلني في قلق عليه ، فاصطحبته معي الى القسم الداخلي في ابي غريب ، حيث كانت دراستي الجامعية .

بنتُ البحار هذه كانت احدى نساء كمال سبتي في الشعر الذي يكتبه ، ولطالما رأيتُ ملامحها في قصائده . طالما تتبعتُ نموها من قصيدة الى اخرى ، وطالما فسّر لي كمال بامتناعه عن الخوض في اي مغامرة عاطفية - على الاقل بالنسبة لي - اخلاصا عجيبا لتلك : " بنت الملاحين " الفاتنة التي عشقها في رحلة البحث عن قتلة لوركا . هو الاخلاص النادر الذي مارسه كمال كأي متبتل ، حين حاول الحصول على اللجوء السياسي في اسبانيا ، لكن عبثا ، فقد انتهى به الطواف اخيرا وجوديا وروحيا وكينونيا : قلبا مترعا بالغربة والنفي في هولندا .

لم يخبرني كمال عن قتلة لوركا ، وربما كان في الامر تورية ما ، لأنني اعتقد انه قد عرفهم ، على الاقل حين واجه الموت لوحده في غرفته ، عاريا ومجردا من أي قوة ، سوى قوة روحه .



 

Counters

 

أرشيف المقالات