| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 25/2/ 2009



ما السبب وراء تحويل صرح علمي مدني الى وزارة الدفاع

حميد نكربونتي
brainsens@gmail.com

العراق بسواحله الصغيرة المطلة على الخليج العربي هي وسيلة أتصاله بالعالم قديما،لذا عرفت البصرة كمدينة تجارية أضافت اليها ميزة غير ماعرف عنها من أنّها مدينة علم ومدينة التمور،فكانت منفذا أساسيا لمعظم تجارة العراق أبان القرون الماضية ووسيلة التبادل التجاري مع الهند وآسيا عموما بشكل رئيسي،وبما ان هذا الأمر معروف للجميع لا يختلف عليه أحد، فقد كانت البصرة منبعا لتزويد دول الخليج العربي بشكل أساسي بالتمور خلال القرن الماضي خاصة وقبل حقبة السبعينيات من القرن الماضي بالذات.

هذه الصفة (منفذ العراق على العالم) أتت على البصرة بالخير الوفير ولكنّها ايضا اتت عليها بالويلات بدءا مع الأنتشار البريطاني في منطقة الخليج العربي والتمهيد للحرب العالمية الأولى، أذ دخل المستعمر البريطاني مدينة البصرة وجعلها موطأ قدمه لأستجلاب الجيش البريطاني المعزز بأعداد غفيرة من جنود المستعمرات البريطانية كانت الهند أهمّها وبدأ انتشاره الى داخل العراق انطلاقا منها.

بقيت البصرة بمقامها هذا الى أن قام انقلاب البعث في 1968 وبدأت البصرة تنعزل رويدا رويدا عن مكانتها الأساسية بحيث تم تحويل كل تجارة العراق عن طريق البر والى بغداد خصوصا من خلال الطريق البري مع المملكة الأردنية، ولا أريد هنا بحث هذا الموضوع ومدى ما خطط له قبل ان يبدأ تطبيقه على أرض الواقع.وبقيت البصرة تمثّل منفذا لتصدير النفط فقط لغاية سنة 1980 حيث بدأ الفلم الحربي (الأيراعراقي) وتم أغلاق منفذ التصدير هذا وأصبحت البصرة منطقة عسكرية كاملة وانتهى الأمر الى ما انتهى اليه.

لم يكن للعراق قوة بحرية بمعنى الكلمة اي أن المياه الأقليمية العراقية لا تتحمل ان تحتوي قوة بحرية ضخمة كوجود عدة بوارج او غواصات او حاملة طائرات او العديد من السفن القتالية كما هي الدول الأخرى التي لها سواحل طويلة او واسعة على البحار او المحيطات، لذا ومع بداية الحرب تم تدمير معظم سفن وزوارق القوة البحرية العراقية واستطاعت بعض الزوارق الهروب والأحتماء بالمناطق الخلفية القريبة من مصب شط البصرة، وبقيت الى فترة وجيزة تقوم بأطلاق صواريخ سطح ارض صوب الأراضي الأيرانية او بعض الأهداف الأخرى، كانت تشارك في تنوع المادة الأعلامية لبرنامج صور من المعركة البغيض في ذلك الحين.

أما ناقلات النفط العراقية فقد كانت تمثل أحدى القوى الأقتصادية للعراق والتي كلفت العراق ملايينا كثيرة للحصول عليها، فقد كانت ضحية للقصف الجوي الأيراني والبحري وغرق منها ما غرق واستطاع بعضها النجاة والبقاء في بعض الموانيء العالمية الى يومنا هذا،وبقيت طواقم هذه الناقلات لا تدري ما تفعل الى يومنا هذا متذبذبة بين قرارات مختلفة من هذه الجهة او تلك وقضت هذه الطواقم سنينا عديدة تنتظر لحظات الأنفراج السياسي والأقتصادي للعراق كي تستوضح دورها في بناء العراق الجديد.

مع ما ذكرنا أعلاه ومع التوجه الجديد للعراق والخط الذي يتبناه الشعب العراقي في دفع شبح الحروب بعيدا عن مستقبل ابنائه بعدما ضحى الشعب العراقي بالكثير الكثير من ابنائه،لذا وجب علينا النظر في اعادة رسم السياسات الخاطئة التي تبناها النظام السابق وخاصة تلك التي التي تمتّ الى استخدام القوة العسكرية في خارج حدود المعقول وخارج حدود المطلوب كي لا يستغل هذا الأمر مرة أخرى لأجهاض آمال العراقيين بمستقبل مدني كادت ملامحه ان تختفي في آفاق العقل العراقي ،لذا فأن المطلوب في المرحلة القادمة هو التركيز على نواحي البناء المدني لجعلها تشكل النسبة الأكبر من فعاليات مسيرة البناء العراقي للمستقبل الذي يجب ان يتم التأسيس له على أسس علمية كفوءة قادرة على النهوض بمهامها التي ستناط بها مستقبلا،وهذا يعني بأن العراق ستكون له قوة بحرية محدودة العدد والعدّة وبما يكفل أمن السواحل العراقية من اي تدخّل أو أعتداء في المستقبل، وبأحسن الاحوال فهي لن تكون بأكثر مما كانت عليه أبان فترة سبعينيات القرن الماضي.

أن ما ينتظره العراقيون والبصريون بشكل خاص من تحقيق آمال معلقة على مشروع الميناء العملاق في أم قصر وما لهذا المشروع من أهمية لأعادة مدينة البصرة الى مستوى أهميتها العالمية كميناء لهو كبير جدا،وبهذا الصدد يجب علينا البحث في خصوصية تأهيل الكوادر المطلوبة علميا وعمليا كي تكون على أهبة الأستعداد لأشغال المرافىء العراقية ومنشئاتها وسفنها وزوارقها والتي ستكون من ضمن اختصاصات وزارة النقل العراقية،وهذه الكوادر ليس لها الا منبع رئيسي ستنهل منه على السواء شركة ناقلات النفط العراقية والمؤسسة العامة للموانىء كما نهلت منه سابقا ناهيك عن ان هذا النبع كان يساند القوة البحرية العسكرية العراقية،الا وهو أكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية،هذه المؤسسة التي أسست سنة 1975 وساهمت بشكل فعلي بل أساسي برفد تلك المؤسسات المدنية والعسكرية بالكوادر الهندسية والفنية ابان الحقبة الماضية.

والأكاديمية أسست بعد أستحصال الموافقات العالمية الرسمية من لدن المنظمة البحرية العالمية ( أي أم أو) والتي مقرّها لندن في المملكة المتحدة ومرتبطة بها كل الأكاديميات الأخرى حول العالم، وأكاديميتنا العزيزة الكائنة في منطقة المعقل في محافظة البصرة هي مؤسسة مدنية وموظفوها من المدنيين ومرتبطة بوزارة النقل والسيد وزير النقل الحالي هو أحد خريجي هذه الأكاديمية، أضافة الى السيد رئيس المؤسسة العامة للموانىء العراقية، وهذا مما يعطينا شعورا بالأرتياح بأن الكفاءة العلمية المختصة لا زالت تمارس نشاطها في بعض القطاعات،لقد أسست ألأكاديمية لأغراض تجارية بحتة وعلى الرغم من ذلك فقد تم تحويلها شكليا الى مؤسسة تساند القطاع العسكرية أبان الحروب بأعداد من الكفاءات العسكرية المتحصنة بالعلوم البحرية وحسب حاجة المؤسسة العسكرية لذلك حينذاك.

نناقش في هذه الأسطر قرارا قد صدر بتحويل أرتباط الأكاديمية من وزارة النقل الى وزارة الدفاع،لا نعرف ما هو الدافع او السبب وراء هذا القرار؟ ومن مصلحة اية جهة سيكون هذا التحويل! والموظفون المدنيون المتواجدون في الأكاديمية والذين يبلغ عددهم 508 موظف بضمنهم 25 موظفة يرفض 90% منهم الأنصياع لمغريات المستفيدين من تحويل الأكاديمية الى وزارة الدفاع، والظاهر ان هناك بعض المستفيدين في داخل أحد الصروح العلمية العراقية يحاولون تجيير هذا التحويل لصالحهم على الأمد القريب!

أن الدارس في الأكاديمية يتخرج برتبة ضابط بحري (كابتن) وبدرجات متسلسلة (ضابط أول ، ثاني،ثالث) يكون مؤهلا للعمل على ظهر السفن التجارية،ناهيك عن الفنيين المختصين للتعامل مع الأجهزة الميكانيكية او الكهربائية أضافة الى النواحي الملاحية الأخرى الخاصة بالدراسات البحرية، هؤلاء سيكونون مسؤولين على قيادة الناقلات العراقية في بحار العالم ناهيك عن السفن الأخرى والتي من المحتمل جدا ان يزداد عددها خلال السنوات القادمة! ان انتفاء الصفة المدنية عن الأكاديمية سيعطل صفة التعامل لهؤلاء الخريجين في شتى مجال عملهم ان كان على ظهر السفن او كان في المرافىء مع الجهات غير العراقية!

جدير بالأشارة الى ان الكوادر التي تمر بالفترة التدريبية في الوقت الحاضر ترسل الى الأردن لتأخذ تدريبها هناك،ولا أدري ماهي خبرة بلد كالأردن بأمكاناته البسيطة ليقوم بتأهيل كوادر بحرية عراقية؟ ،فمن الظاهر وكما اسلفنا فأن هناك أصرارا من قبل دول الجوار العراقي على أفراغ العراق من كوادره ومؤهلاته العلمية في شتى المجالات،وأخشى ان هذا سينسحب على باقي الصروح الأخرى لنصحو يوما ونرى قرارات قد أتخذت لحلّ الجامعات والمعاهد،ومن ثم يصار الى أرسال الطلبة للدراسة في دول الجوار؟! وبهذا نستطيع أشراك باقي دول الجوار في الميزانية المالية العراقية السنوية وسيعتمد هذا على مدى أخلاص القوى التي تعمل لصالحهم في الداخل لتحويل قنوات الصرف المالي فتصب في خزائن الأصدقاء المجاورين!

وغير هذا،فأن هناك توجها في جامعة البصرة لأستحداث قسم للهندسة البحرية في كلية هندسة جامعة البصرة (لسبب في قلب يعقوب كما يقال) لم يأت من فراغ، أن السفن والمنشئات البحرية لا تحتاج الى مهندسين فقط!بل تحتاج الى كوادر فنية أخرى تدعم الكادر الهندسي والملاحي.

التوجه الحالي القاضي بتأسيس أكاديمية تجارية مدنية سيحتاج الى وقت طويل كي يتم التصريح لهكذا منشأة بشكل رسمي من قبل المنظمة العالمية البحرية، ولا أدري ما هو سر التضحية بما موجود ومن ثم التوجه لتأسيس جديد على غرار الموجود بدل أصلاحه ومحاولة تجديده وأعادته الى العمل (أقصد الأكاديمية الحالية)؟؟

غير هذا فأن ألأكاديمية بصفتها المدنية الطبيعية ستبقى منفذا لتخريج أعداد من الطلبة والدارسين للعلوم الخاصة بالنقل البحري وقد تنجح في ان تستقطب الدارسين من خارج العراق ،وهذا سيعتمد على مدى نشاط العاملين في هذه المؤسسة.أن مثالا بسيطا قد يستطيع توضيح الصورة هنا........ في عام 1969 تم فصل الكلية البحرية المصرية عن أكاديمية الدراسات البحرية كي لا تختلط الأوراق والمؤسستان تعملان بشكل منفصل الى يومنا هذا.
وأذا كان لابد من أنشاء كلية بحرية عسكرية لتخريج الضباط البحريين العسكريين، فمن الممكن انشاء هذه الكلية في منطقة ام قصر لتكون مشرفة بشكل رئيسي على القوة البحرية العسكرية العراقية!

أن موضوع تحويل ارتباط الأكاديمية الى وزارة الدفاع لا ينم عن نظرة وطنية مستقبلية للعراق،بل قد تم استنتاجه من واقع نظرة ضيقة قد تكون منطلقا لتحصيل نتائج فئوية مصلحية بعيدة عن مبدأ الفائدة العامة للوطن!

لذا فأني ومن هذا المنبر أدعو السادة في مجلس النواب وجميع الأخوة المهتمين بأعادة بناء ما هدمته الحرب في العراق للنظر في ارسال لجنة لتقصي الحقائق وبحث آثار هذا الموضوع والنظر الى الوضع العام لأكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية وما آلت اليه مختبراتها ومنشئاتها بعدما تسلل اليها ضعيفو النفوس وعاثوا بها فسادا، وأدعو السادة المختصين الذين يؤمنون بالعراق الجديد ويؤمنون بالمستقبل العراقي المنتظر ان ينظروا في هذا الأمر والعمل على أعادة الأمور الى نصابها وانصاف المتضررين وتقرير ماهو أصلح لحاضر ومستقبل هذا الوطن.







 

free web counter

 

أرشيف المقالات