| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الثلاثاء 26/6/ 2007

 

أرشيف المقالات


 

إلى روح رفيقي وصديقي الباسل  لفته بنيان ( أبو باسل )


أحبيني شيوعيا *


علي جاسم شبيب

ها أنا امشي في الطرقات العتيقة في بصرتك التي أحببت وعشقت.. أتلفت علّني المح أحدا..علّني اسلم على احد، علّ صبري يطول وها أنا انتظرك على دكة من نهر العشار..اشرب شايا او أدخن سيجارة ، وانتظاري قد طال، وكعادتك ، تتأخر عني كثيرا،فبالرغم من مشيتك السريعة سيوقفك كل لحظة ، صديق، او رفيق لديه سؤال، ، او عائلة كنت قد قدمت لها خدمة لم تنسها.. ولأنك تتأبط كتابا او جريدة بيدك،كنت أحذرك، فلربما احتجت الى ذراعيك فتطير حرا دون عائق، في ظروف المصادفات غير المتوقعة، او تحتاجهما في المواجهة.. وقلت لك الا تأتي عن طريق سوق الهنود لأنه يؤخرك عن المواعيد، بفعل معارفك الكثيرين، فتبتسم وتقول: سأطير بجناحين.. "بس لا تضوج"..
أنا الآن انتظرك وشوقي الكبير الى حديثك ونكاتك وعصبيتك، وقد مرّ علي الكثيرون.. ها.. أنه احد الأصدقاء.. يحمل كتابا كعادته.. كتابا ثقيلا ويمشي الهوينا.. أتذكره.. صاحب الظاهرة والمنطق الشكلي.. لم يعرفني ولكنه عرف بعد ذلك بأنني انتظرك.. سلّم ومضى وبقيت وحدي انتظر.. ثم انتقلت الى ساحة أم البروم.. أتريد ان أذكرك بالمكان.. انه ناصية بالقرب من موزع الجرائد القديم حيث تتوزع الطرق بين الشمال والجنوب والغرب.. والسينما القديمة قد تهدمت حيطانها وهي في محنة وتهشمت شاشتها الفضية وتكونت أمام الحيطان الزرقاء.. السينما التي شاهدنا فيها، سوية، الحرب والسلام، والإخوة كرامازوف وانت تحدثني عن مفارقة حصلت لك وأنت فتى قوي، تجلس في مقاعد (أبو أربعين) في فيلم عبد العزيز محمود (منديل الحلو) وكنت تقول.. كنت وحيدا لأهلي، ولدي مصروف جيد، لكني ادخل مع أصدقائي الى هذا الموقع.. وانتظرك أمام الدروب الثلاثة عندما كانت العربات، في المساءات الرطبة، تضخ بخارها الطيب على سماء الساحة.. عربات تتوزع في الأركان، تضيئها فوانيس كبيرة.. كنا نأخذ استراحتنا بعد جهد يومي.. عندها.. ونشرب الشاي ونتطلع بوجوه العمال الصامتة..
انتظر وفي قلبي لوعة، تقف صامتة مثل طير الهامة.. حولي الدم يسيل وأجساد ممزقة بالطلقات وصياح مكتوم من امرأة ليس لديها سوى النحيب وعينين دامعتين.. لقد اعتراني الخوف وأنا في مكاني الذي حددته لي.. فأي مكان هذا تحوم عليه طيور الضغينة تنشد الاقتصاص وترمي على جيبي رشاش الدم!!.
وتذكرت خيط الدرب الأول.. خيط متين في مسارب غامضة ، فمن مدينة الفاو مدينة الشط، التقيت في نهاية الستينات بأم باسل الشجاعة في الإعداد لانتخابات المعلمين التي بدت بالمعركة الخاسرة مسبقا فوجدتك في مقر النقابة على رأس القائمة الديمقراطية الوحيدة، تستقبل المعلمين في القاعة الصغيرة وفي عينيك إصرار الفوز.. وكان برفقتك الشهيد "أبو ربيع".. عبد الجليل المياح، ورشحت في القائمة.. ومنذ ذلك الوقت توحدت خطوتنا، في الشعر والأدب والفن والحزب.. أتذكر نكاتك حول الرفاق الحجريين، المتيبسين على ثقافة الجريدة وتاريخ العوائل، وكنا ننصت نحن أبناء العمال وتقول ان الحزب عائلتنا وهو مداد بقائنا وسر توهجنا بين الناس وتفرعت بنا الدروب وأنا انتظر.. والتقيتك في سوريا قادما من الجزائر وكان الأولاد قد كبروا فلم أتعرف على باسل وسلام ورؤى، وكنتما، أم باسل وأنت تحثاني على معرفتهم وتضحكان حيث يختنق أبو دنيا بضحكاته على عادته.. وكفت الدروب عن سحرها وألقها وتوقفت أمام ارتال الأسئلة بعد تجربتنا في الجبل ومذبحة "بشت آشان" ونزوع الموظفين على حمل أوسمة دمائنا وتعبنا وتركونا نحن أبناء العمال في التيه الواسع.. أبناء الحزب تعلمنا الحرف والسياسة والايديولوجيا.. لقد عملنا سوية بجدية هائلة في إرساء قواعد التثقيف الحزبي والمتابعة وفرز ما هو قديم عن الجديد المتواصل مع حركة واقعنا..لقد كنت أيها الباسل، علما وفردا،ذا خصوصية والهام والذين لم يعرفونك في غربتك الثالثة او الرابعة، سيتألمون ويحزنون لأن ذاكرة مدينتك تحتفظ بتاريخ ابنها الأسمر البار، ابن النخيل والشط السريع البديهة المقاوم غير المساوم ابنها الذي كان بيته بيتا للحزب وعائلته منذورة بكاملها للحزب، وكان كل وقتك للحزب، حتى ضجت الدروب وحلكة الليالي من هذا الذي يجوس ويخطو عليها دون خوف، دون تردد بأقدام ثابتة تخيف من يقف أمامها..
وفي هولندا في مدينتك التي اخترتها مدينة تقطعها السواقي والجسور الخشبية مثل البصرة جلسنا وفتحنا خزين الذاكرة والهموم وكرد عملي على ظنوني وهواجسي وأسئلتي الكثيرة أخذتني لزيارة اللجنة الحزبية في هولندا وعرفت مدى هشاشة التنظيم وقيادته الذين يتحدثون عن العراق وكأنه قد ضاع بين نهريه وما بقي سواهم وألححت علي في العودة الى الحزب وكتبت أنت الصيغة المطلوبة وأقنعتني بان الحزب لا يخسر وانه قطار جامح ومع رفاق آخرين رائعين رجعت وابتسامتك العريضة جعلتني اذرف دمعتين.. لماذا لم تأت.. أنا انتظرك الآن بنفس المكان على ضفة من نهر العشار حيث تحول مقهى أبو مضر الى دكاكين والجسر القديم قد تهاوى أيام الحروب، وانتصبت مكانه اذرع من حديد، تظللها البسطيات وصياح الباعة، والشمس محرقة وأنا انتظر.. هل أخرك الأولاد وان مشاكلهم ومطالبهم قد زادت وتنوعت؟ هل الم شئ بصحة أم باسل العزيزة؟ والناس يمرون لا اعرف أحدا والسوق القديم يتردد في فضائه ،صدى أصوات غريبة فيها لهجة الريف وخشونة الطبع.. لقد مللت الانتظار وأحرقت جبهتي شمس البصرة وكنت آمل ان تأتي قبل وقت لأنني ضائع في وقفتي هذه.. أريدك معي، ساعدا وكلمة ، بسمة وصيحة تلهمني في ان أكون وكيف سأكون.!!

البصرة
25/ 6 / 2007

* قصيدة بهذا الاسم للشاعر الراحل لفته بنيان