| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الجمعة 26/12/ 2008

 

لمصلحة من يتم تدمير الصناعة العراقية

د. مدحت القريشي

لا شك إن الصناعة هي من ابرز النشاطات الاقتصادية وأكثرها تأثيرا على الاقتصاد الوطني , وذلك من خلال دورها في رفع مستوى الإنتاجية وتوليد الدخل الوطني وتوفير فرص العمل وتحفيز الادخار والاستثمار واكتساب التكنولوجيا والمهارات الفنية والإدارية . إلى جانب المساهمة في تصحيح الهيكل الاقتصادي المشوه وبالتالي تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتقدم الحضاري وارتفاع مستوى المعيشة للسكان . ولهذه الأسباب فان بلدان العالم المختلفة , المتقدمة منها والنامية على حد سواء , قد عملت في مختلف فترات نموها الاقتصادي على تنمية وتطوير الصناعة باستخدام مختلف أنواع ووسائل الدعم , المباشرة منها , كالاستثمار الحكومي المباشر في المجال الصناعي أو الوسائل غير المباشرة , من خلال منح الحماية للصناعة الوطنية بأشكالها المختلفة والإعانات المالية والمحفزات الضريبية وتقديم التسهيلات والخدمات الضرورية للمستثمرين في المجال الصناعي .
وعلى هذا الأساس نمت وتطورت الصناعة في بلدان العالم المختلفة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية واسيا وبقية بلدان العالم. ففي ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة على سبيل المثال استخدمت هذه البلدان في بداية مراحلها التنموية وسائل الحماية ومنها فرض الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية البريطانية المستوردة والمنافسة لإنتاجها المحلي وذلك بسبب تفوق المنتجات البريطانية الناجم عن ريادتها في مضمار الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر . وفي مواجهة نظريات التجارة الحرة التي نادى بها الاقتصاديون الأوائل آدم سميث وديفيد ريكاردو وغيرهم في انجلترا فقد ظهر تيار معاكس في ألمانيا يعارض هذه الفكرة بالنسبة لألمانيا في تلك المرحلة وذلك لكونها لا تزال في مرحلة التصنيع الأولية وبالتالي لا قدرة لها على منافسة المنتجات ا لبريطانيه . ومن هنا ظهرت نظرية الصناعة الناشئة كحجة اقتصادية لتبرير الحماية وذلك على يد الاقتصادي الألماني (List) والذي دعا إلى ضرورة حماية الإنتاج الصناعي المحلي من المنافسة الأجنبية في بداية مرحلة التصنيع ولحين تقدم وتطور الصناعة وارتفاع مستوى الإنتاجية فيها لكي تقوى على المنافسة وعندها يتم إلغاء الحماية.
وفي العراق فقد واجهت الصناعة , عبر مراحلها المختلفة , نكسات وضربات كبيره ومتتالية تركت أثارها المدمرة على تطور واستمرار الصناعة , ابتداء من عملية التأميم غير المدروسة للعديد من الصناعات الأهلية في عام 1964 , والحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثمان سنوات , ثم العدوان الأمريكي على العراق في عام 1991 ومرورا بالحصار الشامل وغير المسبوق والذي امتد لأثنى عشر سنة وانتهاء بالغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 وما تبعه من تدمير وحرق وسلب ونهب لمؤسسات الدولة وكذلك المصارف الحكومية والأهلية وغيرها . ولهذا فقد انهارت الصناعة وتوقفت معظم المصانع عن العمل والإنتاج لأسباب مختلفة. أما المصانع التي لا تزال قادرة على الإنتاج من الناحية الفنية فإنها تعاني من ظروف شاذة وقاسية من انعدام توفير الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الطاقة الكهربائية ومستلزمات الإنتاج إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ نتيجة للأوضاع الاستثنائية الراهنة .
ومما زاد في الطين بله هو انفتاح السوق العراقية على مصراعيها وبشكل فوضوي وغير مسؤول لكل أنواع السلع الأجنبية الصناعية والزراعية والمواد الغذائية وكل شيء ودون ضوابط ولا تخضع للرسوم الجمركية, الأمر الذي أدى إلى توقف العديد من المصانع عن الإنتاج ومعاناة البعض الأخر منها لعدم قدرتها على المنافسة وتصريف الإنتاج بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار الناجم عن تأثير التضخم النقدي الكبير منذ الحرب العراقية الإيرانية . كما أن العديد من السلع الصناعية تباع بأسعار رخيصة وربما دون مستوى تكلفة إنتاجها في بلدانها الأصلية مما يثير الشكوك حول وجود حالة مايعرف بالإغراق (Dumping) والتي تعني أن بعض الشركات قد تبيع منتجاتها بأسعار دون التكلفة الحقيقية بهدف السيطرة على السوق العراقي وإزاحة الإنتاج المحلي ومن ثم تعمد إلى رفع أسعار منتجاتها بعد أن تتم السيطرة تماما على السوق . وتجدر الاشاره إلى إن حالة الإغراق هذه مرفوضة حتى بموجب قوانين منظمه التجارة العالمية , حيث يحق للبلد الذي يتعرض لمثل هذه الحالة أقامه الدعوى لدى المنظمة على الشركة التي تمارس حالة الإغراق بهدف مكافحتها من خلال فرض الرسوم الجمركية عليها , في حين إن مثل هذه الحالة تستمر في العراق دون ردود فعل من الجهات العراقية المعنية رغم تكرار الدعوات لإنقاذ الصناعة العراقية من هذه الحالة . وغالبا ماتتردد تصريحات من أوساط وزارة التجارة تعلن فيها توقعاتها بمضاعفة قيمة التبادل التجاري بين العراق وبعض الدول المجاورة الأخرى مثل تركيا وإيران وغيرها , وكأن تحقيق زيادة استيراد السلع يمثل انجازا اقتصاديا كبيرا حتى وان كان على حساب تدمير الإنتاج الصناعي المحلي وزيادة أعداد العاطلين عن العمل .
والسؤال المطروح هو هل من المنطق الاقتصادي و مصلحة العراق ان يتم اهدارعوائد النفط على استيراد السلع المختلفة لأغراض الاستهلاك والإنفاق على الرواتب والمصروفات الجارية , وعدم استخدامها لأغراض الإنتاج الصناعي و الزراعي وتطوير البنى ا لتحتية الخ والتي من شأنها تحريك عجلة الاقتصاد وتوسيع الدخل الوطني والإنتاج من خلال تاثيرمضاعف الاستثمار وبالتالي تقليص الاعتماد على عوائد النفط . كما إن تشجيع ودعم الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمات من شأنه تعزيز الروابط الأمامية والخلفية فيما بين الصناعة والقطاعات الاقتصادية المختلفة و توسيع قاعدة الطلب على السلع والخدمات مما يساعد على تصريف الإنتاج واستغلال الطاقات الإنتاجية بما يحقق تدنية التكاليف الإنتاجية وتعظيم الأرباح .
إن مثل هذا الوضع الكارثي للصناعة الوطنية يعكس غياب السياسات التجارية والسياسات الصناعية والسياسات الاقتصادية بشكل عام وانعدام الرؤيا الإستراتيجية للتنمية الاقتصادية ولهذا نجد انعدام التنسيق فيما بين الوزارات والقطاعات المختلفة مثل الزراعة والصناعة أو الصناعة والكهرباء أو الكهرباء والنفط الخ .
فغالبا ما نسمع تصريحات وشكاوى من قبل وزارة الكهرباء بعدم تعاون النفط معها في توفير المحروقات اللازمة لإنتاج الطاقة الكهربائية وكذلك شكاوي وزارة النفط من عدم تعاون وزارة الكهرباء معها وهكذا .

السياسات والإجراءات المطلوبة لدعم الصناعة والنهوض بها
1. وضع إستراتيجية محددة وواضحة للتنمية الصناعية ,وذلك كجزء من إستراتيجية عامة للتنمية الاقتصادية, تستهدف إعادة بناء الصناعة وتأهيلها وتطويرها بما يعزز دورها في عملية التنمية الاقتصادية ,مع إعطاء دور فاعل للدولة في هذا المضمار إلى جانب القطاعين الخاص والمختلط.
2. وضع سياسات صناعية وإجراءات مناسبة لغرض دعم وتشجيع النشاط الصناعي بما يؤمن النهوض بواقع الصناعة وتنميتها ورفع كفاءتها .
3. ومن جملة السياسات التجارية المطلوبة هي اللجوء إلى وسائل حماية الصناعة الوطنية من المنافسة الأجنبية وخصوصا في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها الصناعة العراقية وذلك من خلال فرض الرسوم الجمركية المناسبة على السلع المستوردة والمنافسة للإنتاج المحلي , وبما في ذلك القيود الكمية على المستوردات في بعض الحالات وذلك لكي تتمكن الصناعة الوطنية من الوقوف على قدميها وتغطية تكاليف إنتاجها المرتفعة وتحقيق مستوى مقبول من الأرباح.
4. تقديم المحفزات المالية بأشكال مختلفة وبما يتناسب مع حاجة الصناعات المختلفة وأهميتها للاقتصاد الوطني وإمكاناتها على التصدير ولفترات, محددة , مثل توفير الطاقة الكهربائية بأسعار تفضيلية .ويذكر في هذا الصدد أن المملكة المتحدة في الستينات من القرن الماضي كانت تمنح مبالغ مالية (علاوة) للصناعات عن كل عامل إضافي تقوم بتشغيله وذلك لتقليص حجم البطالة لديها في حينه . وما أحوج بالعراق في مثل هذا الظرف الصعبة من تطبيق مثل هذه الوسيلة أو غيرها للمساهمة في تذليل مشكلة البطالة الواسعة من جهة وإنقاذ الصناعة الوطنية من جهة أخرى.
5. العمل على توفير التمويل اللازم للمستثمرين الصناعيين بشروط ميسرة لأغراض التأسيس والتطوير والتوسيع, سواء من خلال أسعار فائدة مخفضة وتمديد فترة التسديد للقروض الممنوحة لهم وتوفير الضمانات اللازمة للقروض من قبل الحكومة وخاصة للصناعات الصغيرة والمتوسطة.
6. العمل على تهيئة فرص التدريب والتأهيل للعمال وللإداريين وذلك من خلال توسيع ودعم مراكز التدريب وذلك لرفع المستوى المهني والإداري للعاملين في الصناعة وتقديم الخدمات الاستشارية المختلفة لها.
7. العمل على تشجيع التصدير للسلع المصنعة باستخدام مختلف الوسائل من تسهيل استيراد مستلزمات الإنتاج بدون رسوم جمركية وتقديم الدعم المالي المباشر للمصدرين وتقديم الخدمات اللازمة من بيانات ومعلومات عن أسواق التصدير المحتملة.وإقامة المعارض التجارية.
8. المباشرة بإقامة المناطق الصناعية المؤهلة المزودة بمختلف الخدمات الضرورية المطلوبة من الكهرباء والماء والطرق والاتصالات وتوفير الأراضي الصناعية والمساعدة في تهيئة المباني اللازمة للمصانع.
9. منح الأفضلية في مشتريات الحكومة من السلع والخدمات للمجهزين العراقيين من السلع المنتجة محليا.
10. تأجيل النظر بأمر برنامج الخصخصة للصناعة في العراق لحين تأهيل وترتيب أوضاعها .
11. العمل على دعم القطاع المختلط في العراق لما يمتلك من خبرات وقدرات صناعية مهمة تراكمت على مر السنين سيما وانه يمثل مجالا للتعاون بين القطاعين العام والخاص.
12. الاهتمام بمستوى الجودة والنوعية للصناعات العراقية من خلال دعم وتطوير الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية ومن خلال التنسيق والتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والصناعات الوطنية.

وأخيرا لا بد من الإشارة إلى إن مبررات الحماية والدعم في حالة العراق في الوقت الحاضر تمتلك كل المبررات الاقتصادية وغير الاقتصادية وخاصة إذا ما كانت تستخدم لفترة محددة, فالبلدان المتقدمة كالولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وغيرها تلجا من وقت لآخر إلى استخدام الحماية (السعرية منها والكمية ) لحماية بعض منتجاتها التي تعاني من منافسة شديدة من بلدان أخرى بحجة الحفاظ على العمالة الوطنية في تلك الصناعات ودفاعا عن مصالح المستثمرين الصناعيين في بلدانهم فكيف بنا ونحن في العراق نعاني حاليا من ظروف استثنائية وقاسية تهدد باختفاء الصناعة العراقية وتدمير الاقتصاد الوطني.
وفي الختام فإننا نتساءل لمصلحة من تستمر حالة إهمال الصناعة بل ومحاربتها

 

free web counter

 

أرشيف المقالات