نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الخميس 26/1/ 2006

 

أرشيف المقالات


 


ماذا ينتظر الانسان العراقي من الحكومة المقبلة

 

 سامي بهنام المالح / السويد

بعد ايام تعلن النتائج المصدقة للانتخابات لمجلس النواب و ستتوجه الانظار مباشرة الى الصراع الدائر بين القوائم و القوى التي تسعى للمشاركة في تشكيل الحكومة التي ستقود العراق لاربع سنوات مقبلة.
ان الانسان العراقي، المواطن العادي، أذ يرصد طبيعة هذا الصراع و ما يجسده من مشاريع و توجهات و برامج بل و منطلقات فكرية و ايديولوجية بأهتمام بالغ، يتابع يوميا مجرياته و كل ما يقال و ما يصرح به القادة و المسؤولين.
ان الانسان العراقي المثقل بالمعاناة و الحرمان و غياب الامن، و الذي اندفع بجرأة و شجاعة للادلاء بصوته و انجاح الانتخابات و تطوير العملية السياسية في البلد، ينتظر بفارغ الصبر متحملا ظروفا قاسية تلف حياته اليومية، ان تؤدي هذه الصراعات الى ولادة حكومة مؤهلة متماسكة تتبنى برنامجا واضحا يهدف قبل كل شيْ الى خدمة الوطن و خدمة المواطن.

و هنا يبرز السؤال التالي: هل يمكن يا ترى ان تولد مثل هكذا حكومة من هذا المخاض العسير و الصعب؟

للاجابة على هذا السؤال و التكهن بما ستؤل اليه المباحث السياسية الودية من جهة و عرض العضلات و الاستقواء بشتى العوامل و القوى الممكنة في الداخل و في الخارج من جهة ثانية، ينبغي التوقف عند الامور و الحقائق التالية:

ـ ان الصراع الاساسي يدور حول من سيحصل على الوزارات السيادية، او بالاحرى انه قتال من اجل السيطرة على وزارتي الدفاع و الداخلية. من الواضح ان الاحزاب الدينية الشيعية لا تريد اعطاء الفرصة للسنة كي يستعيدوا الاستيلاء على مقدرات العراق ثانية من خلال الجيش و المخابرات و اجهزة وزارة الداخلية. السنة يعلمون ان الشيعة قد بدؤا بالاستيلاء الفعلي على هذه الاجهزة و يريدون استكماله، و لذلك يسعون بكل الطرق الى منعهم و ايقافهم، و يسعون كحد ادنى المشاركة في السيطرة على جزء من هذه الاجهزة التي تشكل في الواقع جوهر السلطة و ادواتها. ان الصراع بهذا المعنى ليس على برنامج او مشروع محدد يقدمه هذا الطرف او ذاك.
الصراع في حقيقة الامر لا يدور حول كيفية بناء جيش وطني مهني يستطيع الحفاظ على امن الوطن، او كيفية بناء جهاز امن يدين للوطن وحده و يضع امن المواطن و سلامته نصب عينيه.
التحالف الكردستاني قد لا يبدو طرفا متحمسا في هذا الصراع، منطلقا من ان الاقليم الفدرالي له جيشه و له شرطته و هو يحث الخطى الى توحيد الادارتين و تقوية المؤسسات الامنية الموحدة. الا ان للاكراد هواجسهم و تجاربهم المريرة و لعلها تدفعهم الى لعب دور ايجابي و توفيقي يأخذ المصالح الاستراتيجية للوطن بنظر الاعتبار، و من مصلحتهم اخراج الجيش و الامن من معركة المحاصصة الطائفية و تحويل بنائهما الى عملية وطنية و ديمقراطية و الدعوة الى تسليم الوزارتين الى تكنوقراط او الى قوى حيادية مدنية تضمن استقلالية الجهازين الخطرين.
اما حضور التيار العلماني و ثقله، لا يشكل مع الاسف، قوة حسم في هذا الصراع الساخن. غير ان هذا التيار مطالب بلعب دوره في حث الاطراف للتوافق و التحرك للبحث عن ما يطمئن كل الاطراف و الدعوة الى وضع مصلحة الوطن و قضية الانسان العراقي كمصلحة جامعة و عليا.
ـ الصراع من اجل تغيرات في الدستور سيطغي ايضا في الكثير من المباحثات. انه صراع من اجل اهداف ستراتيجية و من اجل تحديد وجهة البلد و نظام الحكم دستوريا في المستقبل. في هذا الصراع ثمة اتجاهات ثلاثة تتجاذب. الاتلاف و قوى الاسلام الشيعية التي لا تحبذ اجراء اي تغيرات في هذه المرحلة بانتظار الظروف الافضل من اجل تغيرات تسمح لها فيما بعد بناء الدولة الدينية. و الاتجاه الديني السني الذي يتحالف مع القومي العربي داخليا و اقليميا، وهذا يريد عراقا اسلاميا عربيا موحدا بمركز قوي في بغداد و الغاء النظام الفدرالي. اما الاتجاه الثالث، و هو الاضعف و المغيب الى حد كبير، هو الاتجاه المدني العلماني الذي يعمل من اجل تعميق المفاهيم الديمقراطية و مفردات حقوق الانسان و احقاق حقوق كل مكونات الشعب العراقي.
ـ الصراع يجري ايضا من اجل الحصول على مرافق الدولة الحساسة للتحكم بثروات البلد و استخدامها بالشكل الذي يخدم المصالح الفأوية و الطائفية و القومية. ان هذا الصراع يشتد و ياخذ اشكالا و تجليات متعددة لا سيما ان القوى السياسية و بدون استثناء لا تعير اية اهمية لتحديد ثروات الوطن و تحديد ميزانية الدولة و وضع خطة علمية مهنية لتوزيع الثروات العقلاني و العادل و الى تبني برنامج متكامل للتنمية البشرية و الاقتصادية و اخراج البلد من الازمات الحادة الخانقة و انقاذ المواطن من المعاناة و الحرمان من ابسط مقومات الحياة البسيطة الكريمة.
ـ الادارة الامريكية و بشخص سفيرها خليلزاد لها حضورها وتاثيرها في مجرى الصراعات. تصريحات بوش و زيارات نائبه و اعضاء من الكونكرس بالاضافة الى النشاط الملحوظ للسفير، تؤكد على ان للادارة بعض المخاوف و انها حريصة على ان لا تؤدي نتائج الانتخابات و ما سيترتب عليها من التطورات الى الاخلال بالتوازن بين القوى و الطوائف و سيطرة احداها على كل مراكز القرار و ادوات السلطة الفعلية. و من الجدير بالملاحظة ان كل القوى المتصارعة تجهد لتوظيف الدور الامريكي في دعم مواقفها و الحصول على ماربها في الصراع الدائر.

ما هو اذا شكل الحكومة التي تنبثق كنتيجة لحسم الصراعات عل هذه القضايا؟ و ماذا سيكون برنامج هذه الحكومة؟ و كيف ستنجح يا ترى في تنفيذ برنامجها؟
هذه هي اسئلة مشروعة تفرض نفسها و تسبب القلق و التشاؤم عند المواطن العادي المسكين الذي يتوق الى ان يشاهد قادة بلاده يتصارعون و يختلفون و يتفقون من اجل تحسين شروط حياته التي لا تطاق و من اجل انهاء كابوس الارهاب الثقيل و من اجل حماية الوطن و استقلاله و تطوره و ازدهاره.
ففي اروقة السياسة و خاصة في المنطقة الخضراء يجري الحديث بصخب عن كل ما يعني التسلط و الامتلاك، عن تقاسم المكاسب و الحصول على المقاعد و الوظائف و التحكم بادوات السلطة و مؤسسات الدولة و غيرها من المغانم.
ولكن وللاسف لا يجري الحديث ابدا عن الناس و همومها و معاناتها، عن المواطن و عن العمل و الانتاج و الصحة و التعليم و الخدمات الاجتماعية و عن الاطفال اليتامى و الارامل و معوقي الحروب و الارهاب و عن الزراعة و الصناعة و النقل و المواصلات و غيرها و غيرها من الامور التي تشكل مهام الحكومة الاساسية.
لحد اليوم لم نرى اي من التكتلات و التحالفات الفائزة، و التي تنشغل و تتهيأ لتشكيل الحكومة، تطرح برنامجا لعملها و لطريقة ادائها و ادارتها للدولة واساليب معالجة الملفات الهامة الساخنة، كي يصبح مادة للمناقشة و الاختلاف و التوافق.
وكان هذه القوى قد نسيت بانها انتخبت ديمقراطيا كي تعمل و تتحمل المسؤولية امام المواطن الناخب، و ليس فقط كي تستولي على السلطة و على مرافق الدولة، و كي تتصارع من اجل مصالحها الحزبية و الفئوية.
ان ما يجري في اروقة السياسة و طبيعة الصراعات الدائرة، ما هو في الحقيقة الا دليل ساطع عل غياب المشروع الوطني الديمقراطي، وعلى ضعف الشعور بالمسؤولية امام الوطن و المواطن، وهو انعكاس لسيادة الفلسفة العقيمة التي تساوي بين الوصول الى السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية و بين السعي الى التحكم بامور الدولة و امتلاك ثرواتها واستخدام مؤسساتها في التغلب على الخصم، كما في الدكتاتوريات.

ان هذا الواقع المؤلم يضع المواطن العراقي امام مسؤولية الدفاع عن مصالحه. امام تعلم فن مطالبة من انتخبهم بالالتزام و العمل على تنفيذ الوعود. امام تعلم فن تنظيم نفسه في مؤسسات مستقلة مدنية غير حزبية، نقابات و جمعيات و منابر و تجمعات و نوادي و مراكز و غيرها من التنظيمات المناسبة و الملائمة، لتدافع عن مصالحه و تحقق له المكاسب الملموسة.

ان المواطن العراقي الذي شكل بصوته و اندفاعه في انجاح الانتخابات المادة الحية الاساسية في تطوير العملية السياسية و بناء الاساس للديمقراطية الناشئة، يريد حكومة له، تبني دولة مؤسسات عصرية من اجله، من اجل سلامته. يريد حكومة تعيد له قيمته و ادميته المستباحة منذ عقود و تضمن له حياة حرة كريمة و توفر له السكن و الماء و الكهرباء و الصحة و التعليم و غيرها من المستلزمات الاساسية. يريد حكومة منه، تستعين به و تعتمد على طاقاته و على تطوير قدراته لبناء الوطن. يريد حكومة تعامل الجميع على حد سواء دون تميز و تضمن الحقوق الاساسية لكل انسان، امراة و رجل، كي تضمن التضامن و الوحدة و التكافؤ لخير الجميع و لخير الوطن الواحد.