| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الجمعة 26/9/ 2008

 

اهدموا الجنة

منعم الفقير

إلى الشهيد كامل شياع
نتلقى يومياً أنباء عن استهداف صحفيين ومثقفين، إلى الحد الذي صنف فيه العراق على مسمع منا ومرأى بأنه البلد الأكثر خطورة على العاملين في مجالات الفكر،الثقافة والفن، ولا احسب أن تصنيفاً كهذا يسر أحد. انه أي هذا التصنيف يبعث على القلق والتساؤل، فكيف يتحول مهد الحضارة إلى مقبرة لمثقفيه، إلى ساحة ملتهبة لتصفية الحياة والإجهاز على تفاصيلها. انه لمحزن جداً أن يسود الصمت والتسليم حيال الميل العنفي والتعسفي في صياغة أحداث التاريخ، فالتاريخ الآن مجرد حاوية لشظايا الدمار وأشلاء القتلى.

إن استشهاد كامل شياع يلقى علينا الأسئلة والمسؤولية. ما الغرض من استهداف الثقافة، ولُمَ الثقافة مطلوبة، هل لأن ليس للثقافة العراقية من إرث يدافع عنها ولا أعراف تحمي منتجيها من العبث الدموي. ليس للثقافة العراقية من منعة تم التواتر على الالتزام بها. ويمتد السؤال ليشمل لماذا يتحامل المتخاصمون في جهادهم على العراق ذاته، فبرنامجهم لا يوفر دماً ولا يستثني مرفقاً، لا يقدّر ولا يحترم معلْماً من معالم العراق، فكلها أهداف، كامل شياع، شارع المتنبي، أطوار بهجت، سوق الصدرية، جسر الصرافية، منتسبو الشرقية، قاسم عبد الأمير عجام، نقيب الصحفيين، آمال الناس العادية المنتظرة، ومواعيدهم المؤجلة. ، كل العراق يقبع تحت شرفة النيران. نعم كلها أهداف، وأهداف مباحة ما دام الغرض يؤدي إلى تحقيق مكاسب سياسية. ليتشظى الإنسان بنيرانهم وتسوّد الحياة بدخانهم .

إن العراقي هو ثروة العراق السرمدية، وعلى المتحاربين التواضع على تقديسها والامتناع عن هدرها، وعلى المثقفين صيانتها من العبث الدموي، أن توقير الإنسان يجب أن يكون من أولويات عمل ومساعي المثقفين. ولكن هل يسر تاريخ طرف متنافس على زعامة الظفر بالمكاسب الأيديولوجية ذلك التصرف الأهوج بسمعة العراق التاريخية، فيصبح العراق وأد الحضارة بعد أن كان مهدها. ومن أعطى الحق لأحد دون سواه أن يحرم العراق من مثقفيه، ويصادر كرامتهم، ويطوي أرض العراق من تحت أقدامهم، ويتجاوز إلى الحد الذي يحتكر فيه الحقيقة، بعد أن ناضل المثقفون طويلاً من أجل تعددها.

إن مأساة البشرية بدأت حين وضع رجل حقيقة، صدقها، ثم أدعى أنها مقدسة، فأكره غيره على الخضوع لها والتسليم بها. لا توجد حقيقة، بل عدّة حقائق، لا توجد حقيقة، بل يوجد فعل، والفعل هو الحقيقة، وبتعدد الأفعال تعدد الحقائق.
إن المطلوب هو إبطال السعي إلى احتكار الحقيقة وإتاحة الفرصة لتشريع يقضي بتقاسم سوي للحقائق.

تعرفت على كامل شياع في أمستردام عام 1988، عندما كنت مدعواً من قبل رابطة الشغل المغربية للمشاركة في فعالية ثقافية، فقد كان هناك، متواضعاً، ومناضلاً من أجل العدالة الاجتماعية، تحدثنا كثيراً وانعقدت بيننا رفقة فكرية مصحوبة بالاختلاف الحميم. إن كامل شياع الشيوعي النبيل، كان مخلصاً للحزب الشيوعي أكثر من برامج الحزب التكتيكية أحياناً.

إن اغتيال كامل شياع، ليس اغتيال لمثقف وحسب، بل اغتيال ثقافة صاعدة، نعم، اغتيال ثقافة تصبح عقبة على طريق زحف الاستبداد والتقدم بقمعه الزاهر. انه اغتيال ثقافة حديثة، أخطر ما تدعو إليه ليس التعددية، وإنما الشفافية، الشفافية تلك المفردة المنبوذة والدخيلة على معجم الساسة العرب. فهذا الاغتيال وسواه من الاغتيالات ليست سوى محاولة لاحتواء مقدمات التفكير السوي والقبض على الفرص الدستورية للتعبير. إن اغتيال مثقف معاصر هو ترهيب للحداثة ومحاولة لإعاقتها بوعيد السلف والخلف الصالح للقتل.

إن هؤلاء المطرودين من المستقبل، والبعيدين عن التنزّه في حدائق المعرفة. هؤلاء الساقطون من متون الاحترام وهوامش التقدير. هؤلاء الذين يكتسون بخرق الظلام لترقيع الظلم. هؤلاء غرباء العصر ووحوشه، يستأنسون بالتفخيخ وينبسطون بالغيلة،. هؤلاء العاجزون على الفرح وحكي نكتة، هؤلاء الضالون عن رشد المثل الشعبي والمنحرفون عن مرح الحياة ورزانة حكمة المعرفة. هؤلاء نزلاء مقصورة التاريخ القاصرة بالظلم.

اهدموا الجنة
اهدموا جنة الغيب، إذا كان الطريق إليها معبداً بأشلاء الضحايا وشظايا البناء، جنة الإرهابيين حيث يتردد في إرجائها أزيز الرصاص، الصراخ،الأنين العويل والنشيج. جنة تتوسل غايتها سفك الدم ودحر الكرامة والتحفظ على الآمال. جنة الاستيلاء على الحقيقة والانفراد بالأسئلة، جنة تبيح تفكك الإنسان، جنة المهيمنين على تعريف الحق وتسمية العدل. جنة يكون فيها الإنسان أرخص من الطلقة التي تنهيه، والحقيقة أية حقيقة يتواضع عليها فريق تصبح أقدس منه. جنة الترويع وتصدير الخوف، جنة إثارة الشقاق بين الروح وحاجاتها، وجنة إلقاء الخصومة ونشر البغض. الجسد أمانة الطبيعة والروح وصيتها.

أقيموا جنة المشاهدة، حيث تتجاور فيها الحقائق بسلام. ويتعافى الاختلاف ويزدهر الحوار. جنة تزينها أخطاء البشر، جنة الشك والنظر في الصواب. جنة العشاق المتقاعسين عن الفعل عدا فعل الحب. جنة الغناء والرقص وزقزقة العصافير، جنة يسود فيها الجمال، جنة الأسوياء بالمشاعر، جنة الراغبين والمرغوبين، حيث يتراجع فيها الألم أمام مدّ الرغبة. جنة: الحسن بالحسن والبادئ هو الأجمل.

دامت صلتنا، أنا والشهيد كامل شياع، تبادلنا الخطابات الرسمية، بوصفه مديراً عاماً للعلاقات الثقافية في وزارة الثقافة وبصفتي مسئولاً عن تجمع السنونو الثقافي في الدنمارك، فقد بادرنا لإقامة أيام الثقافة الدنماركية العراقية. تحدثنا تلفونياً عدّة مرات، اتفقنا، على تاريخ ومضمون الفعالية. بعد ذلك أعفى من منصبه، وتسلم منصباً آخر هو مستشار وزير الثقافة. التقيته في بغداد في عام 2004. ،في كل مرة هو كامل شياع ، هو كامل بالرأي وشياع، شاع بالمحبة.

إننا في المنتدى الثقافي العالمي للحوار ندين أي استهداف للثقافة وللمثقفين الذي أعلن عنه في القاهرة مطلع هذا العام، وندعو إلى احتواء المقدمات النظرية الداعية إلى اللجوء للعنف، ونعمل على إفراغ دعوات العنف من محتواها القائم على الكراهية والتدمير. ونسعى أيضاً إلى تفضيل الحوار والبحث عن إمكانية نشوء أخلاقيات حديثة تنبذ العنف وتبشع فعله بوصفه فعلاً مكروهاً ومقززاً. ونطالب بقيام لوبي ثقافي عالمي يؤثر على دوائر القرار المحلية والدولية. كما نسعى كل من موقعه إلى دعوة مختلف الجهات ذات العلاقة وذات الاختصاص على وضع مسوّدة تشريع دولي يوصف الجريمة السياسية بالعادية، فالجريمة هي الجريمة، القتل هو القتل، وإن أية جريمة يجب أن تخضع للمساءلة القانونية وغير الاستثنائية.

كلنا قتلى يا كامل شياع، لكن الفرق بيننا وبينك، نحن ضحايا وأنت شهيد.


 

free web counter

 

أرشيف المقالات