نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأربعاء 26/7/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

حديث صريح ومسؤول


من أجل وضع حد للمحنة الوطنية الكبرى


كريم مروة

لم تنته الحرب الإسرائيلية الهمجية على لبنان. وقد لا تنتهي في وقت قريب. لكننا مدعوون، حتى قبل أن تسكت المدافع من كل الجهات، وقبل أن تكف آلة الحرب الإسرائيلية عن مواصلة تدميرها لبلدنا، لأن نتوقف عند بعض نتائج هذه الحرب، ونفكر بالحاضر المأساوي الذي نعيش فيه، وبالمستقبل الأبعد الذي نسعى إليه. ذلك أن الوقت قد بات يتطلب الكلام الصريح والمسؤول والواقعي في آن. والكلام هذا هو موجه إلى اللبنانيين في الدرجة الأولى. لكنه موجه كذلك إلى العرب جميعاً، وإلى العالم بكل مكوناته. وليسمح لنا هنا بأن نتجاوز في هذا الكلام الصريح والمسؤول والواقعي كل الاحلام والتخيلات والشعارات التي اعتدنا أن نكررها في غير مكانها وفي غير زمانها، كلما واجهتنا كوارث من النوع الذي يواجه الآن كلاً من لبنان وفلسطين والعراق.
نقول، بصراحة وبمسؤولية وبواقعية، بأن الحرب على لبنان، من داخله ومن خارجه، قد حققت لفرقاء الصراع جميعهم، حتى قبل أن تنتهي، بعضاً من أهدافهم فيها. لكن الخاسر الأكبر، راهناً وفي المدى المنظور على الأقل، هوكل لبنان وكل الشعب اللبناني بمكوناته المختلفة.
لقد حققت إسرائيل جزءاً مهماً مما كانت تبتغيه دائماً منذ قيامها، بإحداث هذا التدمير المنظم للبنان، كنموذج نقيض لها، والتدمير المنظم لبناه ولمؤسساته المدنية. وقد لقنتنا جميعنا درساً قاسياً. لكنها لم تحقق كل ما كانت تطمح وتحلم في تحقيقه. ويتمثل حلمها وطموحها هذان، في الدرجة الأولى، بتدمير حزب الله عسكرياً وسياسياً، وبخلق شرخ عميق في المجتمع اللبناني يقود إلى فتنة، ثم إلى حرب أهلية من نوع ما اعتاد اللبنانيون أن يستخدموه في صراعاتهم الطائفية والسياسية والحزبية والقبلية منذ الإستقلال. إذ أثبت اللبنانيون أنهم موحدون في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
وحقق حزب الله في هذه الحرب بعضاً من أهدافه التي كانت الحرب ضرورية لكي يثبت قدرته على تحقيقها. حقق "انتصاراً" عسكرياً على إسرائيل تمثل في شجاعة وبسالة وكفاحية مقاتليه في مقاومة التوغل الإسرائيلي في البر، وفي الرد على الهمجية الإسرائيلية بصواريخه في الداخل الإسرائيلي، بمعزل عن حجم الأضرار التي أحدثتها هذه الصواريخ هناك بالمقارنة مع الدمار الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية فينا. وأكد حزب الله لإسرائيل ما لم تكن تعرفه إلا بالتجربة، بأنه، أي حزب الله، هو حزب عميق الجذور في الجنوب اللبناني خصوصاً، وعميق الجذور في الطائفة الشيعية عموماً، وذلك لمدى منظور على الأقل، حتى لا نغامر في مبالغات لا نريدها، ولا نملك القدرة على التثبت من صحتها. لكن حزب الله قد خسر كثيراً مما كان قد اكتسبه من دور أساسي في تحرير جنوب لبنان من الإحتلال الإسرائيلي. وتمثلت هذه الخسارة بالمغامرة التي أدخل بها بلده وشعبه في حرب غير متوازنة قادت إلى هذا الدمار العظيم.
وحققت القيادة السورية هدفاً كانت قد أعلنته أكثر من مرة، مباشرة وبالواسطة، بأنها ستعاقب لبنان واللبنانيين على قرارهم بإلغاء وصايتها عليهم، حتى وهي خارج الحدود. وكان مضمون الإنذار واضحاً لا يقبل الإلتباس. وكان صريحاً إلى الحدود القصوى: سندمر لبنان سياسياً واقتصادياً وأمنياً. ولم تكن القيادة السورية بحاجة إلى إدخال قواتها إلى لبنان لتحقيق ذلك الهدف. فقد قدمت لإسرائيل، بالواسطة، ما كانت بحاجة إليه الدولة العبرية من مبررات لكي تقوم بتحقيق ذلك الهدف – الإنذار بالنيابة عنها، أي عن القيادة السورية. لكن هذه القيادة، وهي تحقق هذا الهدف المجنون، قد خسرت لبنان واللبنانيين. وغامرت في إحداث شرخ من الحقد عند اللبنانيين تجاهها نأمل في ألا يمس العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين الجارين.
وحققت إيران بعضاً من أهدافها الذي يتمثل في إفهام العالم جميعاً بأنها قادرة عل أن تقاتل خصمها الأميركي وخصمها الإسرائيلي من خارج حدودها، من دون أن تستخدم قواها الذاتية. وحققت هدفاً آخر يتمثل في أنها أثبتت للعالم، ولمدى منظور لا نغامر في المبالغة في مداه، بأنها تمثل قوة مادية وتمثل مرجعاً روحياً للشيعة في العالم العربي (لبنان والعراق) وللمسلمين في العالمين العربي والإسلامي، وذلك من الموقع الذي تحتله في المنطقة. وهو الموقع الذي يعطيها صفة الدولة العظمى، ولو بحدود، التي يصعب تحديها والمس بها وبقدرتها الداخلية والخارجية. لكن إيران خسرت، لمدى منظور، مشاعر الكثيرين من اللبنانيين الذين يعانون مما فعلته الحرب الإسرائيلية بهم وببلدهم، بفعل المغامرة التي قادت إلى هذه الحرب وحظيت بتأييد ودعم كاملين من إيران. ونخشى أن تكون في موقفها هذا إزاء لبنان، واستطراداً في موقفها إزاء العراق، قد هيأت الشروط لحرب شيعية – سنية مرعبة، من نوع ما نشهد نموذجاً له في العراق. نقول ذلك ونستغفر الله ألف مرة، آملين في أن تكون ردود الفعل الإسلامية السنية في لبنان وفي العالم العربي الرافضة لمثل هذا الإحتمال الخطير صادقة برفضها إلى الحدود القصوى، من أجل تجنب وقوع مثل هذه الكارثة!
أما العالم العربي، حكومات وشعوباً، وقوى سياسية مختلفة الإتجاهات، علمانية ودينية، من يسار ووسط ويمين، فقد أثبت عجزه المطلق أمام حمام الدم اللبناني، مثلما أثبت عجزه أمام حمام الدم الفلسطيني. وهو عجز قديم ولّدته أنظمة الإستبداد التي تحكمت بشعوبنا منذ عقود، وقتلت فيها القدرة على الحركة، والقدرة على استخدام العقل، والقدرة على الإفادة من المعارف. وأبقتها أسيرة المشاعر التي لا تقود إلا إلى الكلام العاطفي الذي لا يفيد معنىً، ولا يرد عدواناً، ولا يواسي جريحاً أو نازحاً، ولا يعيد شهيداً إلى أهله الثكالى.
لكن الفاجعة الأكبر إنما تتمثل في المجتمع الدولي. فقد أثبتت الحرب الإسرائيلية على لبنان أن الولايات المتحدة الأميركية ما تزال هي صاحبة القرار في الحرب والسلم. وهي المهيمنة على العالم والمتحكمة بمصائر الشعوب. وهي القادرة على إثارة النزاعات والتحكم بصيغ حلها على طريقتها هي ووفق مصالحها. فالأمم المتحدة غير قادرة على استعادة دورها حتى في شكل محدود. وأوروبا الموحدة، وروسيا والصين واليابان والهند وباكستان، وأميركا اللاتينية الناهضة بخجل في اتجاه مستقبل جديد لم يتحدد بعد، وأفريقيا الغارقة في حروبها القبلية، جميعها ما تزال عاجزة عن لعب دورها في وضع حد للغطرسة الأميركية، وفي وضع حد للهمجية الإسرائيلية، وفي إعادة الأمم المتحدة إلى دورها المطلوب والمنشود كحكومة عالمية تحل النزاعات الدولية، وتحفظ السلم العالمي، وتحترم حق الشعوب في تقرير مصائرها بحرية.
تلك هي الوقائع القوية التي علينا، نحن اللبنانيين قبل سوانا، أن نقرأها بدقة حتى لا نظل، أسوة بأشقائنا في العالم العربي، أسرى عجز مطلق وأسرى أوهام دمرنا البقاء فيها عقوداً طويلة من الزمن. وهذه الوقائع ذاتها هي التي ندعو اللبنانيين جميعاً لأن يتوقفوا عندها في هذه اللحظات، وربما لأيام عديدة أخرى، التي تفصلنا عن نهاية الحرب التي يزداد فعلها التدميري لبلدنا كلما طال مداها.
إننا مدعوون إلى الحفاظ على وحدتنا – وهي وحدة مفروضة علينا بقوة الوقائع – في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وفي تحمل نتائجه في جميع جوانبه المختلفة. وهي أولوية مطلقة. لكننا مدعوون، في الوقت ذاته، بكل مكوناتنا السياسية، وبالأخص حزب الله، إلى الجلوس من جديد إلى طاولة الحوار من أجل اتخاذ قرار سريع، قرار مسؤول، بوضع كل أوراق التفاوض في يد الحكومة اللبنانية من دون عوائق، للبدء في التفاوض مع المجتمع الدولي حول الوسائل التي توقف الحرب وتفتح الباب أمام البحث الشامل في الحلول التي تنزع فتيل الصراع مع العدو الإسرئيلي وتنهي مبرراته القديمة والحديثة. وهي حلول تتمثل أولاً في تطبيق كامل وشامل لاتفاق الطائف الذي ارتضيناه جميعنا كمرحلة انتقالية من الحرب الأهلية إلى السلم الأهلي وإعادة بناء الدولة المهدمة، وذلك ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وإرسال الجيش إلى الجنوب، وتوقف حزب الله عن الحديث عن سلاحه كبديل للمؤسسة العسكرية في حماية حدود الوطن، وترك هذه المسألة إلى هيئة الحوار لكي تتخذ بشأنها القرار السياسي المسؤول. وتشمل هذه الحلول كذلك تبادل الأسرى، واستعادة مزارع شبعا إلى الوطن اللبناني، باتفاق مع سوريا أو بدون اتفاق، استناداً إلى الخرائط التي نملكها نحن اللبنانيين وتؤكد لبنانيتها. وهذه الحلول يجري الحديث بشأنها في أكثر من مكان، بما في ذلك على لسان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان. وتقضي هذه الحلول بأن تدخل قوات دولية إلى الجنوب اللبناني بقرار من مجلس الأمن وبموافقة الحكومة اللبنانية، وحزب الله جزء منها، وبموافقة الحكومة الإسرائيلية. وهي قوة مؤقتة ترمي إلى مساعدة الجيش اللبناني على استلام مهماته في الجنوب، ومساعدته على استعادة سيطرته على الأراضي اللبنانية التي تكون إسرائيل قد استولت عليها في حربها المجنونة.
غير أن هذه الحلول التي يكثر الحديث عنها، وتعارض الولايات المتحدة الأميركية الدخول فيها إلا بشروطها هي وشروط إسرائيل، تتطلب مزيداً من الضغوط الدولية، ومزيداً من المرونة اللبنانية، التي يُطلب من حزب الله أن يتحلى بها، من موقع المسؤولية الكبيرة التي تعود له وعليه. ونرى في هذا الصدد أن الدعوة لمؤتمر دولي من أجل تحقيق هذه الحلول هي دعوة تستحق أن نوليها اهتمامنا كلبنانيين. لكننا نرى أن من الضروري في هذا المجال الأخذ بما جاء في بيان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان القاضي بإشراك كل من سوريا وإيران في هذا المؤتمر، بصفتهما شريكتين في الصراع، وتتمتعان بقوة تأثير في هذه الحلول. لكن ذلك مشروط بألا يصبح المؤتمر ميداناً للبحث في أمور أخرى تتجاوز المهمة الموكلة إليه، وهي إنهاء الحرب على لبنان، ونزع فتيل الصراع، وحل المشكلات المرتبطة بهذا الصراع، مما أشرنا إليه قبل قليل.
إنها لحظات صعبة وخطيرة، وذات نتائج تاريخية على مستقبل لبنان والمنطقة، في الإيجاب أو في السلب، وفق ما تنتهي إليه المفاوضات حول الحلول. ويستتبع ذلك بالضرورة ويترافق معه، الدخول فوراً في الحوار بين اللبنانيين حول إزالة آثار العدوان واستنفار العرب والعالم جميعاً لمساعدتنا في ذلك.
وبمقدار ما نؤكد على ضرورة الإنخراط بمسؤولية في الجهود الآيلة إلى حل هذه الأزمة الخطيرة بنتائجها الكارثية على لبنان، فإننا نرى أن من شأن مثل هذا المؤتمر الدولي، في مرحلة ثانية، أن يفتح الباب أمام معالجة من النوع ذاته للقضية الفلسطينية، من أجل إيقاف حمام الدم، والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، والإقرار بحق هذا الشعب في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة على أرض وطنه فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية. إن إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، وفق ما أشرنا إليه، وما عبرت عنه دوائر دولية كثيرة، يمكن أن يؤدي، بل يجب أن يؤدي، إلى إنهاء الحرب ضد الشعب الفلسطيني. وربما يكون من شأن تحقيق هذين الهدفين أن يقود إلى فسح المجال أمام حل للأزمة العراقية المتفاقمة. بل ربما يفتح الباب أما م استعادة العقول العربية أدوارها، والتحرر من ردود الفعل الأصولية الهوجاء التي إذ يزعم أصحابها أنهم يقاتلون أعداءنا الكبار، فإنهم بهمجية أساليبهم يدمرون فينا الأمل بالحياة في حاضرنا، ويسهمون في قتل مستقبلنا.
إننا أمام لحظة تاريخية كبيرة. إننا في منعطف تاريخي كبير. فهل نحن كلبنانيين أولاً، وكعرب، وكمجتمع دولي، في مستوى التحدي الذي تفرضه علينا جميعنا هذه اللحظة التاريخية، وما يفرضه علينا جميعنا هذا المنعطف التاريخي الكبير؟!