| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 26/1/ 2009

 

المواصفات والمقاييس........... وحقوق الأنسان

مازن فيصل البلداوي
Almuhtaram2001@yahoo.com

يدرك كلّ عاقل مدى أهمية المواد التي يعتمدها الأنسان ويستخدمها في حياته اليومية الأعتيادية ومن أبواب عدة تكمن بين مايتناوله من غذاء أو دواء وصولا الى مايستخدمه لبناء المنشآت السكنية او الخدمية التي يستخدمها بشكل طبيعي محتميا بها من تأثيرات عوامل الطبيعة المختلفة او ليمارس داخلها نشاطاته اليومية المتعددة.
وبالطبع فأن ماوصلت اليه الأبحاث العلمية نتيجة التطور المرحلي المتواصل عبر عقود من الزمن الذي صاحب تطور الأنسان بشكل فردي وانعكاساته على محيطه ومجتمعه والذي أخذ بيد تلك المجتمعات للتطور والتقدم وصولا الى ماهي عليه اليوم ومانشهده من فرق واسع وكبير بين مايسمى بدول العالم الأول أو الثاني ودول العالم الثالث بمختلف مستوياتها والتي مازالت لاتعير لتلك المواصفات والمقاييس أهمية تذكر لأنها أساسا لاتعير أهمية للأنسان وحقوقه ولو بمستوى مقارب لما هو عليه في دول العالم الأول التي تجعل نصب عينيها حق الأنسان في أن يحصل على الأفضل دائما وتصل الأمور في بعض الأحيان الى ان تفرض عليه مايجب ان يشتريه او يتناوله او يستعمله لأن الموضوع ليس شخصيا يخص فردا او أفرادا معينين بل يخص مجتمعا أنسانيا كاملا توجّب الحرص على ان تراقب له الأسواق بشكل رئيسي ولأن الأمر منوط بمؤسسات تتحمل هذا العبء فأن المواطن يعرف تماما حقّه في أن يحصل على الأفضل وأن هذه المؤسسات تعمل لخدمته والمجتمع يدفع لتلك المؤسسات من أمواله ، فنفهم من هذا بأن تلك المؤسسات تعمل لدى المواطن ولخدمته، وبالطبع فأن هذا قد تم استنتاجه او استحصاله نتيجة لنمو ثقافة المجتمع والأرتقاء بمستوى ودرجات حقوق الأنسان في تلك الدول.
ودخولا الى هذا الموضوع فأنني سأبدأ بطرح نظرة على المواصفات والمقاييس الخاصة بمواد البناء بأعتبارها تشكل جزءا مهما وجانبا رئيسيا في حياة الأنسان،أذ أن بناء المنشآت السكنية بنوعيه الفردي والجماعي اي المساكن الفردية التي يتملكها الأنسان ويشغلها لوحده وبمعنى أصح لعائلة واحدة، او المجمعات السكنية والتي تتألف من مجموعة من الشقق او الوحدات السكنية موزعة على طوابق عدّة في بناية واحدة عمودية تشغلها فيما بعد عوائل عدة او وحدات سكانية متعددة ،وهنا نرى مدى أهمية تناول هذا الموضوع ومدى ارتباطه بموضوع حقوق الأنسان أذ يجب ان تتوفر المواد التي تخدم المواطن المستهلك والتي يستطيع أستخدامها وهو مرتاح البال مطمئن من ان هذه المواد ستكون بموجب المواصفات المطلوبة وبحيث تحقق كل مادة عمرها الزمني المفترض بموجب الظروف الطبيعية وأن لا يضطر الى تغيير المواد المستخدمة او الداخلة في تركيبة هيكل البناء بعد فترة وجيزة من بداية الأشغال للمنشىء مما سيضطره أن يخسر ماديا مرتين بدل مرة وهناك احتمال بأنه سيخسر مرة ثالثة أذا كانت المواد المستخدمة بنوعية رديئة .أنّ من حق الأنسان ،لا بل من أولويات حقوقه أن يتمتع بمنشىء سكني آمن يقضي فيه 30 عاما على أقل تقدير وهذا سيعتمد بالدرجة الأساس على جودة المواد الداخلة في بناء ذلك المنشىء ومدى مطابقتها للمعايير المتبعة في كل بلد من البلدان .

جميعنا يعلم التسلسل التاريخي لمسكن الأنسان او ملجأه وقد تدرّج من كونه كهفا بصيغته الأولى الى كوخ مبني بواسطة اغصان الأشجار او القصب أو ألأثنين معا تدرّج بعدها لأستخدام الطين كمادة واقية من دخول الريح الى داخل تلك المساكن أضافة الى كونها استخدمت لتربط بين عدة اجزاء فتساعد على تماسك الهيكل بشكل أفضل.
وأخذت عجلة التطور تأخذ هذا الأمر على محمل الأهتمام تباعا من جيل الى جيل وصولا الى ماهي عليه اليوم،ومن خلال هذا التتابع التطوري الذي كان نتاجا بشريا من لدن أناس وظفوا جهودهم وأوقاتهم للعمل الدؤوب على تطوير المواد الخاصة بالبناء فكانت تلك البحوث العلمية التي جرت على قدم وساق وما صاحبها من أجتماعات ونقاشات ومؤتمرات تبادل من خلالها المختصون ارائهم وافكارهم اغنوا بها تلك البحوث والدراسات وجعلوها تختصر الزمن لأنجاز خطوات عدة بدل أنجاز خطوة او خطوتين على هذا المسار مما أدى الى حصولهم على مواد استخدمت في البناء وشكّلت منعطفا حقيقيا في هذا المجال ومن هذه المواد كانت مادة الأسمنت….! هذه المادة التي نعرفها الآن بلونها الرمادي الباهت الذي يشبه الى حد قريب لون الرماد والتي نستخدمها في أنشاء مساكننا او أنجاز اي مشروع أنشائي.
مادة الأسمنت هي من أوائل المواد التي أستخدمها الأنسان كمادة رابطة او مساعدة لجمع مادتين مختلفتين مع بعضهما البعض وكان أول من أستخدمها في البناء "الفراعنــة" ،أذ استخدموها في بناء الأهرامات وقد كان الأسمنت بتركيبته الأولية قبل مايناهز الــ 5000 سنة يتكون من خليط مكون من الجير الكلسي والجبس ،وفي آواخر عهود التحضّر أضيفت بعض المواد البركانية الى ذلك الخليط ليصبح بشكل آخر أعتمده الرومان اثناء فترة أمبراطوريتهم العظمى ونشروه في معظم أنحاء أوربـــا التي كان أكثرها يقع تحت سيطرتهم ومنها انكلترا. وفي انكلترا كانت الحادثة التالية سببا في انتقال الأسمنت نقلة نوعية ساهمت في جعله المادة الأولى المعتمدة في بناء المنشآت، أذ طلب من " جون سميتون" في سنة 1755 وفي مدينة "بلايموث" بأن يعيد بناء بيت سوي بالأرض بعدما التهمته النيران وأحالته الى هشيم على الأرض،فقام جون بمحاولات عديدة لأستخلاص مادة لها القدرة على مقاومة النيران وتوصل بعد محاولاته العديدة كان الأسمنت واحدة منها،بأن أستخدام الجير الكلسي الحاوي على مادة "السيلكا" يعد اساسا لأنتاج سمنت أقوى من النوع الأول،فأستخدمه مع الكلس البركاني ليحصل على خليط اقام به بناء مايسمى اليوم " أيدي ستون لايت هاوس" .وفي عام 1881 قام " لويس جوزيف فيكات" بأكتشاف ان مزيجا مكونا من الطين المحروق مع الجير الكلسي أو حجر الكلس سيؤدي أيضا الى أنتاج الأسمنت، وهذه كانت الخطوات الأولى لأنتاج الأسمنت البورتلاندي الذي تعتمده حاليا الكثير من الدول في صناعة الأسمنت وبالتالي في عمليات البناء.
في عام 1824 قام شخص يدعى " جوزيف أسبيداين" بمزج مسحوق الكلس مع الطين وأضاف اليه الماء ثم قام بصبّها داخل قوالب أدخلها الى فرن حار وأبقاه حتى تحرر المزيج مما يحتويه من مادة "ثاني أوكسيد الكاربون" وقام بعدها بطحن الناتج وتحويله الى مسحوق شابه في لونه وقوته تلك الصخور المتواجدة على أرض جزيرة بورتلاند، لذا كانت لدينا التسمية والمواصفات لما نسميه اليوم بالسمنت البورتلاندي.
قام "اسحاق جارلس جونسون" بعد 20 عام اي حوالي سنة 1848 بأخذ عينة من الصلصال المصهور من داخل أحد الأفران وصرّح بأن القوة المكتسبة لهذا النوع من الأسمنت بطيئة نسبيا ولكن في النهاية سيكون المنتج بدرجة عالية من القوة ومن هذا الأستنتاج صاغ نظريته في ان حرق المواد الأولية الى درجة نصف استحاقاقها قبل خلطها جميعا وأدخالها الى الأفران حازت على أهتمام المختصين بصناعة الأسمنت وجعلتهم يركزوا على هذه الآلية المقترحة في مراحل الأنتاج ويعتمدوها مما أدى الى تطوير نوعية الأسمنت البورتلاندي وأن تقفز مواصفاته الى الأمام قفزات طويلة متجاوزة بذلك لكثير من المصاعب والوقت المطلوب لتطورها، وفي عام 1870 قام " دبليو مايكلس" بوضع الصيغة المتطورة للأسمنت البورتلاندي بعدما ارتأى بضرورة أضافة كميات أخرى من الجبس لتطيل زمن تشكيل الصيغة النهائية للأسمنت البورتلاندي بعدما كان قصر الوقت الذي يتشكل به الأسمنت يعد عاملا مؤثرا على جودته وبالتالي مؤثرا على أستخدامه كعامل رئيسي في عمليات البناء.
تطورت صناعة الأسمنت تطورا كبيرا حتى يومنا هذا وأصبح لدينا العديد من أنواعه تستخدم حسب الحاجة لكل نوع منها وحسب متطلبات البيئة المحيطة بالمنشىء المطلوب بنائه وطبيعة الأرض التي سيقوم عليها وطبيعة الظروف الجوية لتلك المنطقة،ومن هذه الأنواع:
1- الأسمنت ألأعتيادي
2- ألأسمنت المقاوم للأملاح
3- الأسمنت السريع التصلب
4- ألأسمنت الأبيض
وشكلت هذه الأنواع مع الرمل والحصى وبنسب خلط مختلفها يحددها المصممون الأنشائيون مانطلق عليه (الخرسانة) أو " الكونكريت " والتي شكلت منذ أواسط القرن الماضي بداية النهضة العمرانية المعتمدة على أستبدال الطابوق او " الطوب" بكميات كبيرة لحمل أثقال المباني الكبيرة وساهمت الخرسانة في تطوير علم الأنشاءات لبناء البنايات العالية ذات الطوابق المتعددة.
ومن الطبيعي فقد صاحب هذا التطور في صناعة الأسمنت تطورات مصاحبة على صعيد الأفران المستخدمة أنتاج الأسمنت والأنظمة الميكانيكية والكهربائية المصاحبة لتشغيل تلك الأفران وعمليات الأنتاج ، ومن هنا نرى كيف أنّ " الحاجة أمّ الأختراع" هي عملية تعمل على عدة محاور في آن واحد يهدف منها الأنسان الى تطوير حياته ومايستخدمه من أدوات ومنشآت من شأنها أن توفر له الحماية والرعاية ليتسنى له استخدام وقته فيما يفيد وينفع البشرية ويمارس حقوقه كأنسان،وبطبيعة الحال فأن التطور الذي صاحب الأسمنت أدى فيما بعد لأعتماد الصيغ النهائية للمنتج الأنشائي وتم أعتماده من قبل الجهات المختصة وعلى ضوء ذلك تم صياغة " مواصفات المواد" للبلدان ومقابلها كان هناك تطور آخر وهو مانسميه بالـــ " ستاندردز" التي أسس لها المجتمع المدني وجعلها من ضمن أولويات المسؤلين عن أدارة الحكومات لتصبح الـ " ستاندردز" مرجعا لجميع الفئات العامل داخل أي حقل كان تثبت فيه الأطراف العاملة نزاهتها وشفافيتها بالتزامها تجاه تلك الـ " ستاندردز" ومدى تطبيقها لما هو مطلوب وبموجب التخصصات المختلفة، لأن الهدف هو الأنسان والحفاظ على حياته .
ولنضرب مثالا بسيطا عن تلك الـ "ستاندردز" والتي بمعناها الحقيقي هي ( مجموعة المواصفات والمقاييس لجميع المواد الداخلة في حياة المجتمع او المتداخلة مع حياة الأنسان، تضعها او تقوم على وضعها هيئة منتخبة مكونة من عدة أشخاص يمثلون هيئات عدة تقع على مسؤليتها وضع تلك المواصفات من أجل حماية الأنسان والحفاظ على حياته).
نجد ان "الستاندردز البريطانية" تعدّ الأكثر صعوبة امام المصنّعين في دول العالم بما تحتويه من متطلبات معقدة ومكلفة جعلت السوق البريطاني عصيّا على كثير من المصنّعين التجاريين فلم يستطيعوا الدخول الى السوق البريطانية ومن دخل اليها فقد دخلها بصعوبة بالغة، على الرغم من ان المنافسة بين المنتج الأنكليزي أو اي منتج آخر سيعتمد على ماهية الـ " ستاندرد" او " المواصفة" التي على أساسها تم أنتاج ذلك المنتج وبالتالي سيتيح هذا الأمر الفرصة للمواطن البريطاني أن يختار ماينفعه ويفيده.
وهذه المعيارية يعتمد عليها المصممون المعماريون وألأنشائيون والكهربائيون وكل المختصون الآخرون باختلاف طبيعة تداخل أختصاصاتهم في وضع مواصفات المباني التي يروم أصحابها (أفرادا كانوا أم شركات) تشييدها لأن هذه المواصفات هي معتمدة لدى الجهات المعنية والتي سيحاسبها المواطن أمام القضاء ان هي تخاذلت او تهاونت في هذا الأمر.
تحدّثت في هذا المقال عن موضوع المواصفات والمقاييس للمواد الأنشائية كأحدى العناصر المهمة في حياة الأنسان، ودخلت الى هذا العالم الواسع من باب مادة الأسمنت باعتبارها مادة رئيسية في حياتنا جميعا وعلينا ان نعير هذا الموضوع أهمية كبرى قد يكون الكثيرون بعيدا عنها او أنّهم لايعيرونها الأهتمام الكافي ومن الواجب أن يجري التثقيف وبشكل واسع على هذا الموضوع داخل المجتمعات ليعي المواطن أهميته ، لأن خلافا لهذا سيبقى المجتمع اسيرا للمنتج المتدهور وغير الصالح الذي ساهم وسيسهم ان بقي الحال كذلك على بقاء الأستنزاف الأقتصادي لثروات بلداننا متوهمين بأننا نشتري أو نستخدم المادة الأرخص سعرا على حساب الجودة، وبأعتبار الأنسان هو الكائن الأكثر جودة على ظهر الأرض ومن حقّه الأساسي ان يتمتع بحياته التي وهبها اليه خالقه ومن حقّه ان يتمتع بموجب هذا الحق في الحياة بأجود مايمكن انتاجه او أستخدامه ابتداءا من الأبرة وانتهاءا بالطائرة .




 

free web counter

 

أرشيف المقالات