| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الخميس 26/4/ 2007

 

أرشيف المقالات


 

زهور المدينة المدللة في الزمن الهني
 

د.فاضل سوداني
fasoudani6@hotmail.com

زهور حمراء للزمن المسروق ، ثعبان يتلوى في صحراء الشيخوخة المنتظرة.
للذاكرة المتوهجة بالماضي والملتاثة بالنسيان .زهور حمراء لملائكتي ، للأحلام التي لم تتحقق، والاصدقاء الذين مروا غفلة مبتهجين نحو الهاوية دون أن يتركوا كلمة. زهور حمراء للعائد إلى فردوس النور . للمدينة التي يهمسها دجلة كطفلة مدللة صباح مساء .
هل كانت العمارة طفلتي المدللة ؟
نعم لانها بكل المقايس مدينة تستحق هذا ،فهي الجنوبية المنهوبة من حكامها ابدا . مدينة ريفية ذات طبيعة خاصة تعبق برائحة الشوفان ورز العنبر ، مدينة محاطة بالماء والانهر من جميع جوانبها . انها المدينة المدللة من دجلة ، فعندما يصلها من جانبها الشمالي يتفرع الى اربعة انهار وكأنها أصابع من الماء الزلال تحتضنها فتتحول وكأنها مدينة البندقية . وانهارها تغذي مساحات هائلة من الاهوار التي تعتبر بحيرة مائية متصلة تمتد اكثر من مائة وثمانين كيلومترا " و يعيش فيها فلاحون في اكواخ بدائية من القصب تشبه في تصميمها وهندستها الاكواخ السومرية .
وحسب الدراسات التاريخية فان طبيعة الحياة في هذه المنطقة مشابهة لطبيعة حياة السومريين والبابلين الذين سكنوها قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد ، اضافة الى الاقوام الاخرى في ازمنة لاحقة والتي جعلت من (مدينة العمارة )"كاحدى دويلات العهد الفرثي التي اقيمت في عام 170 قبل الميلاد، وتم حكمها من قبل (17) ملكا"
لكن عالم الاهوار الساحر والذي يتيه الانسان في قنواته المائية (وخاصة في العمق الابعد الممتد من ناحية الكحلاء الى الحدود الايرانية )كان يجعلني اصغي لايقاع السكون والصمت فاشعربرهبة خاصة.ومما يعمق هذا الشعور الممزوج بفرح خفي هو تلك الالوان الطبيعة الزاهية في حقول الرز والمساحات المائية الهائلة.

ولابد ان يعديك عالم السحر هذا فتشعر بانك مسكون بعالم مدهش مملوء بغرائبية غير مكررة . والذي يزيد الامر غموضا هو تلك الاساطير والحكايات والاغاني الخاصة لهذه المنطقة والقصائد الشعرية التي تعكس سحرها مما يخلق تنوعا تراثيا غنائيا ليس في هذه المدينة فحسب وانما يمتد لجميع مدن الجنوب العراقي . وعندما تكتب عن مدينة عراقية ما فكأنك تكتب عن جميع مدن العراق مع اختلافات غير جوهرية ، لانها اساسا مدن الأساطير والتعاويذ والسحر ، مدن مازالت عبقة برائحة الاهوار ومّسك مراقدها المقدسة وجبالها التي شهدت مآسيها .
ففي الجنوب العراقي وبالذات في ليالي الصيف التي لا يضيئها سوى قمر مبتهج واحيانا منزوي كنت أسمع تلك الحكايات واساطير الهور من صدر حنون فيجعل الخيال شعريا.
في اهوار على امتداد شواطئها وبين سعف نخيلها وضياع المشاحيف وتوهانها في غابات القصب والبردي تهمس الريح ذلك الأنين الأبدي للمغني سلمان المنكوب كأنه صدى لحشرجات صوت الإله العراقي المذبوح دموزي السومري او تموز البابلي .هناك يمكنك ان تسمع من عمق الهور فلاح يغني بانين مسعود العمارتلي ( تلك الفتاة التي استرجلت حتى تجالس الرجال لتغني في مضايفهم واتخذت من الغناء وطورها الذي يميزها وسيلة للاحترام ) ، فنسمع في عمق الهور فلاح يتهادى مع( مشحوفه ) باغنية من اغانيها مثل (محمد بوية محمد) او (كصيت المودة ) او(ما اكدر على فركاك مر بيه واخذني ) (إهنا يل الحادي جا وين بيهم وين ) او( ذبي العباية ، سوي عليه احسان ذبي العباية ، سمره وسيعة عين ذبي العبايه ) . والمفارقة ان هذه الاغاني والمناحات اصبحت اساس ومنطلق للاغنية العراقية باختلاف توجهاتها .
وبالرغم من فشل الحجاج بن يوسف الثقفي وحكام آخرين لتجفيف الاهوار ، الا ان النظام السابق نجح في ذلك فتحولت هذه المنطقة التي كانت مغطات بالمياه والقصب والبردي وغنية بمختلف الحيوانات و الطيور والحشرات والنباتات ومكان آمن لهجرة الطيور الشتائية التي تأتي من الجانب الاخر من العالم، فجمال الطبيعة وسحرها منذ القدم ،تحول الى مكان ميت، بفضل مخططات الحروب .
ومن جانب آخر كنت استشعر سحرا ايضا في اسواق العمارة الشعبية التي يمكنك ان تشم فيها تلك الروائح العبقة للحاجيات والاشياء ممزوجة بروائح الماضي غير المكرورة التي تشعرك بأبدية الزمن . وحالما ترى الالوان الغريبة المختلفة وهي تشكل فرحا للروح في محلات قماش تجار الموسلين والعباءآت الحريرية وكانها نسجت مع أحلام الفتيات اللواتي يرفلن بكبريائهن ويتنشقن رائحة الصباح وهن يحملن دفاترهن المدرسية شفاعة حتى يسمح لهن ان يتهادين في سوق هو ملك الرجال في مدينة تعتبر ريف كبير .
وعندما يصبح الوعي وجودا ومستقبلا لي ، اودع طفولتي والكثير من ألاحلام و التعاويذ المزيفة التي اصبحت لا تعينني على امتلاك الحاضر، لأبدء بالتنبؤ بحرائق مستقبلية بكل إباء. فاغلق بيت احلام الماضي على عجل ،واراه كشجرة ستتطاير اوراقها الصفراء بعد ان استبدت بها الرياح .وفي مرحلة متقدمة بدات ارى الاشياء بمدركات واعية بعد ان اصبح كل شئ يدهشني أبان شبابي حتى العمل اضطرارا في البناء وحمل الطابوق والطين فوق الراس اوخياطة الملابس التي مارستها في فترة ما والتي حاول الاهل ان يعلموني النسج ، لكن نسيجي كان في فضاء آخر حيث كنت انسج الحكايات والازمنة الغريبة.

مقاهي العمارة
اذا كانت الافكار مرمية في الطريق كما يقول الجاحظ فان الحياة العمارتلية تمنح الذهن الوقاد خصوبة وسحرا وغنى لان الاساطير والاغاني والحكايات الشعبية مرمية في المقهى والاسواق والانهار والشوارع وبساتين النخيل وحتى هناك في خارج المدينة عندما تلامس قدميك تراب سبخ يشتعل من حرارة الشمس .
ففي المقهى التي تعد منبرا ثقافيا لدى العراقيين يمكننا ان نسمع مختلف الاغاني المثيرة بمعانها الحزينة ، والتي تعتبر خلاصة للتجربة والحكمة . وبما ان الكثير من مقاهي العمارة تقع الواحدة قرب الاخرى يجبرك هذا وانت ماشيا ان تسمع مختلف الاغاني في آن واحد . ففي اللحظة التي تسمع فيها داخل حسن او مسعود العمارتلي او نواح سلمان المنكوب فان اغانيهم بموسيقاها الريفية تختلط بانين سيد محمد ،عبادي العماري، او إكريري ، جويسم ، او سيد فالح وطوره الذي اسماه بالفالحية ، وتسمع ايضا اصواتهم تصدح بطور الساعدية لنسيم عودة جواد وادي ، وغيرهم. بحيث لا يمكن محوها من الذاكرة وخاصة داخل حسن وهو يغني: ( ويسار ، دليلي على النوايب جلد ، ويسار ، من اضّعضع شماته تصير بيه )
اوتسمع غناء المطرب جعفوري عندما يلخص لك توهان العاشق(الانسان عموما )وضياعه بين الطرقات الموحشة (براس اربع طرق لكعد وانادي،انا المظلوم وانت فتكت بيه) .
دفعني سحر وغرائبية المدينة الى الغور في الاعماق السحيقة لمجتمعها ومحاولة التعرف والتعاطف مع منبوذيها اما لكونهم متمردين او فقراء وكانت عوالمهم وخصوصياتهم تزيد من غرائبية الامر فيثير في داخلي مشاعر خاصة فيها الكثير من التعلم من سبر اغوار هذه الفئة من الناس. ولا تفوتني شخصية مثل ( قاسم كليكل) الميكانيكي النبه الذي لايني يكلم من يشاء وبدون حرج وبخيال غني فلا تستطيع ان تفصل عي حكاياته الواقع عن الخيال ، لذلك فان الكثيرين كانوا يحذرون منه ويتحاشوه . فهو يتعامل مع الناس نهارا بكل احترام وشفافية ولكن مساءا يكون اكثر حرية وخيالا عندما يعود في آخر الليل متمايلا وهو يغني اغانية الساخرة التي يلحنها بنفسه ليسخربها من أي شخصية وخاصة الاغنياء وبعض المسؤولين، وسرعان ماتتنقل اغانيه ومقالبه بين الناس (استخدم الكاتب سلام عبود شخصيته في روايته المثيرة ذباب القيامة عن الحرب العراقية الايرانية ).
وقد اثارتني شخصية اخرى فعقدت صداقة معها لاسبراعماق هذه الشخصية الغريبة وهو (صاحب ابو الموتى ) وقد يكون السبب هو تحدي للبيرقراطية والتقليدية والركود في مدينة مثل العمارة .فبعد سنوات ليست قليلة ، عندما عدت الى مدينتي بعد ان انهيت دراسة المسرح في اكاديمية الفنون في بغداد وبعد اخراجي مسرحية حفار القبور التي اعددتها من قصائد مختلفة لبدر شاكر السياب ، دعوته ليرى المسرحية .
صاحب الموتى وطقوس الانبعاث
وكنت سعيدا بمجيئ (صاحب ابو الموتى ) لمشاهدة المسرحية وانا من جانبي منحته الكثير من الاهتمام ، بالرغم من انه كان عرضة للسخرية العلنية او الخفية و معروفا في المدينة باسم ( صاحب ابو الموتى ) بسبب اهتمامه بكتابة سجل سري خاص لموتى المدينة يدون فيه كل شئ عنهم .وفي كثير من الاحيان يلجا بعض الشباب ليعرفوا من الذي مات لحضور الفاتحة والفوز بتناول الطعام . كان يملك دكانا في محلة القادرية وهو في حقيقة الامر زاوية مظلمة لايبيع شيئا ابدا لعدم وجود شئ يذكر فقط هنالك علب فارغة قديمة وصدئة . كان يجلس ساعات طويلة يحدق في سجل الموتى الذي يعتني بكتابته او يقرأ القرآن . وعندما يسير في الشارع ينبؤك بشخصية محترمة ، يسلم على الجميع ولا يهمه ان ردوا التحية ام لا ، ولا ينسى ان يرفق تحيته بمعلومة عن الذي مات قريبا او في طريقه للموت ، ويدعو للذهاب للتعزية والذي فاته حضور الفاتحة ينصح بالذهاب لتعزية ابناء او اقارب الميت بعد ان يدلهم على مكان تواجدهم .
وبما انه يعرف بان اهالي العمارة ينظرونه بريبة بل يعدونه مجنونا ، لكنه غير مبال لهذا فقط يشاركهم في الذهاب الى المسجد لصلاة الجماعة .وعندما خصصته لمشاهدة المسرحية كان فرحابالدعوة وكانها تعويذة اعادت له مافقده في زمن ما.
وفي يوم العرض انتظرته في باب المسرح ، ومن ثم استقبلته بحرارة وسط خوف وارتباك مدير النشاط الفني في المدينة الذي كان قلقا ينتظر استقبال محافظ المدينة . وبكل احترام اجلسته في مقعد خلف المحافظ امام اندهاش الجمهور والمسؤولين من غرابة الامر . وبعد ذلك عندما جاء ليشكرني عرفت بانه من القلائل الذين فهموا فكرة المسرحية واخراجها ، فحدثني باني على حق عندما عرضت شيئا عن الموت مؤكدا لي بان الجميع هم موتى. وبعد انتصار تبعيث الثقافة والتعليم اخرجوا كل من لاينتمي لحزب البعث من المدارس والمؤسات التعليمية . فوضعوني في ثانوية العروبة بدون ان امارس التدريس فقط ان التزم بساعات الدوام بدون عمل أي شئ .
وبما ان العمارة مدينة متنوعة الطوائف والاديان ، كانت طقوسها تثير لدي حسا شعريا ودراميا لانها مملوءة بالغرائبية وعن طريق اصدقائي المندائين بدر مطشر الهلالي و ماجد الصابري الذي ارتبطت معه بصداقة حميمية وطويلة ، مما ساعدني على ان اكون قريبا من الطقوس المندائيية التي يمارسونها في اعيادهم ومناسباتهم ، ومما يزيدها سحرا هو انها كانت تتم دائما وسط النهر ، فالماء جزء من طقوس التعميد الدينية . فصولجان الشيخ وغصن الشجر الطري في عمامته وتمتماته التي هي جزء من اسطورية كتاب الكنزربا المقدس للصابئة، تمنحنا امكانية سماعه وهو يتمتم بخشوع ( بكلمتك خلق كل شئ ) وكانه يبحث عن نور الشمس، يضع الغصن كانه نجمة، بل قمرا تائها على راس المندائي الذي يحلم بالغفران وهو مستسلم لليدين المقدستين ،يغطسه الشيخ بالماء الذي يلمع مهتزا مع الشمس وكانه يغطسه بماء الابدية فتشتعل تعاويذه بالنور ليتوحد الحالم مع روحه حتى يمشي على النجوم والطرق التائهة للمجرات فيشعر بالتطهر طوال العام في زمن المسرة الهني .
كانت المقامات والاضرحة المقدسة المتعددة في المدينة تسحرني بصمتها وتمتمات الزوار المتدينين وبكاء الفلاحين الذين يقبلون من اعماق الهور لطلب المغفرة . وفي وقت آخر كنت اشعر بالخشوع والرهبة في الاضرحة الحسينية واضرحة الاولياء الصالحين في النجف وكربلاء والتي كانت تملا روحي احساسا بالهدوء النفسي والانبهار والغرابة والصمت الداخلي (القريب من صمت المسرح ) الذي كنت افضل ان اتامل فيه ساعات طويلة متسربلا برائحة بخور العافية.
ومنذ طفولتي كنت منذورا لاداء جميع طقوس التعازي التي كانت تقام بذكرى الحسين(ع) والمشاركة فيها . فالهوادج المضيئة بالمشاعل ورائحة البخور والردات الحسينية الحزينة التي تتكرر كل عام في شهر عاشوراء حيث ومنذ اليوم الأول تتهيأ المدينة بكاملها لإعداد المسيرات والمواكب ويهيئ سكان العمارة الرايات ويرتدون الملابس السوداء طوال الشهر للمشاركة بذكرى ماساة الحسين وعائلته ، وكذلك الإكسسوارات والأدوات الأخرى التي ستستخدم في المصاب . فيلف الحزن جميع مرافق المدينة الموشاة بالأسود والذي سيخلق جوا خاصا . وعادة تقام المسيرات والتظاهرات والمواكب أثناء الليل ماعدا اليوم الأخير والذي يقدم فيه عرض التشابيه الدرامي منذ الصباح الباكر .
وبالتاكيد فان انجذابي للطقوس التي كانت تقيمها مختلف الطائف الدينية لايمكن ان ابرره الا لكوني اميل نحو الهدوء الروحي ، اضافة الى ان هذه الطقوس قريبة من المسرح .فهي تستثير مخيلتي عندما ارى في ليل المشاعل كورس الرجال المتلفعين بالابيض (للمواساة بعرس الامام القاسم ) يسيرون حفاة ماسكين الشموع وأغصان الآس لا طمين الصدور على إيقاع الردات الدينية الحزينة مما يضفي على هذا المشهد المأساوي رهبة وجلالا . وفي شارع اخر من المدينة هنالك موكب الضرب بالزنجيل الذي يتغير ايقاعه في كل ليلة للمساهمة بجلال يوم المصاب الاخير . وفي البيوت والشوارع الخلفية يمارس كورس من النساء طقوس هذه المناسبة . وتبدأ النساء بالندب على ايقاع الدفوف ، يردحن بايقاع الحزن ، وهن يقفزن في الهواء منثورات الشعور، فيمتزج الرقص بالندب ونواح الجسد وتوهجه الصوفي . ومما يضفي على التوهج الجسدي غرابة هو ان النادبات لطخن رؤوسهن ووجوههن بالطين الذي يشكل قناعا غريبا على ضوء الشموع ، فتشيع في الجو رائحة خاصة ممزوجة برائحة الاجساد المنهكة المنفعلة المباركة والسابحة بعرق الوجد الذي يجعلهن وكأنهن حوريات جئن ليباركن العريس الميت ـ الحي ،المقتول الشهيد ، فتمتلك الاجساد المنفلتة حريتها الديناميكية في مشاركة الجسد والروح خارج فضاء القهر والانزواء البيتي . وفي الفجر يجرجرن اجسادهن المشتعلة بالتوهج وهن مرعوبات ومذهولات من فيض الوجد المبارك ومن تنفيس الضيم الذي حملنه طوال عام ،ومن هذه اللحظة حتى العام القادم عليهن ان يتحملن كل انواع القهر كنساء يعد البيت ضمن الظروف الاجتماعية القاسية سجنا تاريخيا لهن لذلك فانهن ينتظرن ليلة الاشتعال هذه مرة اخرى في العام القادم .
إن الشيء المهم في هذه الطقوس هو المشاركة الجماعية لجميع السكان بالرغم من هدفها الديني ، حيث تتحول المدينة إلى احتفالات ومواكب ومجالس وغيرها من الفعاليات الطقسيةالتي تتسم بدراميتها، فيعم الحزن والندب الجماعي . وقد ارتبط طقس التعزية بالطموحات والافكار السياسية المعاصرة بحيث عكست الردات والمسيرات ،موقفا من مشاكل الواقع الاجتماعي والسياسي ،فاتخذت طابعا تحريضا حتى في الاوضاع السياسية الاستثنائية العصيبة ( ففي مدينة العمارة عام 1963 وبوجود مايسمى بالحرس القومي ، لم يتحمل احد افراده الردات الحسينة الثورية ، فأصيب بهستيريا أدت به الى إطلاق النار من رشاشته على المشاركين ، لكن ارتباكه هو الذي انقذ الناس ) . وبالرغم من هذا فليس غريبا أن نسمع صوتا جوهريا يصرخ ومعه كورس التعزية للتنفيس ضد القهر والاستغلال:
ودّور الاقدار ويصبح الجزار
جزارك المجرم
سكينته إلي بيده
تصبح على وريده
من علي وماضيه
ودّور الاقدار .-
اضافة الى ان تكنيك عرض" التشابيه " بالرغم من بدائيته واهدافه الدينية
يؤهله ان يكون طقسا دراميا و تراجيديا ، يعتمد الخطابة والحوار والشعر والاغنية والمناحة والموسيقى الصاخبة . ومن
الناحية الدينية فان هذه الطقوس فيها الكثير من سبل التطهير للحصول على المغفرة للانسان المؤمن ، لكن من الناحية الفنية فان للجو الدرامي المصاحب بالموسيقى العنيفة والإيقاع المتميز ،أهمية خاصة لإثارة مشاعر الإنسان المشارك أو المشاهد .
وبعد ذلك تحول الامر بالنسبة لي الى ضرورة استيعاب تراجيديا هذه الطقوس دراميا باعتبارها تشكل مسرحا تراجيديا متفردا.
العمارة وتماسك الذات
لكن هذا الامر يبدو صعب التحقق الان بالرغم من تعرف سكان مدينة العمارة في ذلك الزمان الهني على المسرح ، فمنذ خمسينات القرن العشرين كان هناك فرقة الطليعة المسرحية تقدم عروضا مختلفة في مدينتي الفقيرة . وانا شخصيا شاهدت في اوائل ستينات القرن الماضي اول عرض مسرحي شعبي من قبل هذه الفرقة المسرحية التي يديرها ويعمل بها شخصيات محترمة اجتماعيا وهذا شئ مهم لجدية العمل وكسب ثقة الجمهور . كانت الفرقة تهدف ان تكون محترفة تاثرا بفرقة فاطمة رشدي عندما زارت العراق ، وعندما تقربتُ من اعضائها وكنت في بداية احلام الشباب تعلمت منهم الانضباط واحترام قوانين المسرح عندما قررت الفرقة فصل احد اعضائها لانه اعتلى خشبة المسرح من قاعة الجمهور اثناء الاستراحة .ولكن سرعان ما توقف نشاطها كاي مشروع جدي في ظروف عراقية استثنائية .
ولكني بعد ذلك بدات العمل في المسرح من خلال النشاط الفني المدرسي في العمارة حيث التقيت مع اصدقاء بسني متلهفين الى الصعود على خشبة المسرح كماجد الصابري وبدر الهلالي وجميل جبار وبعد ذلك فاضل خليل ، ومثل هذا النشاط جذبني كثيرا ليحدد مستقبلي المسرحي بوضوح حيث بدا هواية لكنه تحول الى وعي و احتراف واحيانا لعنة .
الجانب الاخر لفضائل مدينة العمارة هو انني تعلمت فيهاالرسم من خلال النشاط الفني ايضا في بداية دراستي( المتوسطة المركزية ) وحزت على الجائزة الاولى على مدارس العراق وكانت باجا ذهبيا للزعيم عبد الكريم قاسم ( باعته الوالدة بسبب الحاجة المعيشية)وقد ساعدتني هذه الهواية مستقبلا في دراستي في اكاديمية الفنون في بغداد على الرؤية الفنية التشكيلية وتصميم الديكور لمسرحية في انتظار غودو التي اخرجها الفنان سامي عبد الحميد لفرقة المسرح الحديث في نهاية الستينات
ففي عام 1964 تقدمت لمعهد الفنون الجميلة لدراسة المسرح لكني لم اقبل ،غير ان عنادي دفعني لتكملة امتحان الاعدادية للتقديم الى الاكاديمية مرة اخرى لدراسة المسرح ، ووتحققت امنية كنت مرعوبا من عدم نيلها وقبلت انا والفنان فاضل خليل. وانفتح امامي افق جديد عني ، اذ ان عالم الاكاديمية هو عالم جديد علي حيث يمكن ان تلتقي بفنانين العراق المعروفين سواء كانوا في المسرح او السينما اوالتشكيل .
وبما ان الاهل لم يوافقوا على مشروعي الفني في دراسة المسرح حرموني من أي مصروف ومما زاد الامر صعوبة هو ان دورتنا لم تقبل في القسم الداخلي ، لكن الصديق فاضل خليل المعروف بكرمه وابداعه وافق على ان اقاسمه المصاريف التي كان اهله يرسلوها له . ولهذا سكنا سوية في اماكن شعبية جدا لرخصها مثل سوق الهرج والحيدر خانة مما جعلني اكون قريبا ايضا من الشخصيات الشعبية الغنية بالسحر والحكمة والاسطورة.
وعندما كنت اعود في العطلة الصيفية الى مدينتي كنت انزوي في بساتينها الغنية بالفاكهة والرطب الذهبي واجلس على ضفة نهر دجلة بين النخيل المائل بسعفه على النهر المنساب بهدوء وبين شجيرات الصفصاف في منطقة الشبانة للقراءة والتامل بعيدا عن الضوضاء ،هناك كنت اقرا كتاب فن المونتاج السينمائي لبودفكين وما كتبه ايزنتشتاين عن السيناريو والسينما عموما ، وكان هذا بتاثير الاستاذ حميد محمد جواد . ولا انسى الصدفة التي علمتني كيفية التوغل في عالم شكسبير الذي منحني الكثير في تعلم ليس الفن فحسب وانما الحياة ايضا .
كانت المقبرة الانكليزية معلم مهم في العمارة وكانت هي المكان المفضل للكثير من طلبة البكلوريا الذين يبحثون عن الهدوء ، ومن جانب اخر كانت ملاذنا نحن المثقفين الشباب ، فقد شهدت بزوغ أحلامنا من اجل الحرية و التي من خلالها تعلمنا الحياة ومنحتنا الحرية فرصة مباركة وقراءة فلاسفة الفكر في صراعهم مع الوجود والعدم .وقد علمت بان النظام السابق قد وزع ارض هذه المقبرة كقطع للسكن والبناء ، كما هدم اهم معلم يرتبط بتاريخ العمارة واعني (قصر فتنه ) الذي بناه الشخ محمد العريبي لزوجته . وقد كان اكبر معلم في المدينة ويتميز بهندسته المعمارية الجميلة . وبعد ان صادرت ثورة 14 تموز جميع املاك الاقطاعين استولت على (قصر فتنه) ولم تستغله كما ينبغي . وكان الشيخ محمد العريبي في ايامه الاخيرة ياتي احيانا للجلوس في مقهى ابي فارس وهو يتامل بخيبة كبيرة قصره الذي لم يعد ملكه .
وقبل الثورة كانت العمارة تتميز بجمال ونظافة شوارعها وغنى حدائقها المملوءة بالزهور الجميلة لكن بعد الثورة بدا تهديم الكثير من المعالم وحفر الشوارع لاعادة بنائها من جديد لكن الكثير منها بقى محفورا لسنوات عديدة بدون اعماره من جديد . وبدلامن ان تمتزج روائح الجوري والقداح مع النسيم في العصارى كان الناس يشمون تراب الشوارع . كانت منطقة سبع قصور او( بستان عواشه ) التي تقع في اطراف مركز المدينة ويسكنها عادة الاغنياء ، تتميز بنظافة وتبليط شوارعها وكانها لم تكن جزء من المدينة .
وفي العمارة يمكننا ان نعثر الان على 360 موقعاً أثارياً لم تنقب و تنقسم إلى قسمين.. القسم المحاذي لأيران يمكن العثور على آثار تراث الساسانين لسيطرتهم على هذه المنطقة في العصور القديمة ، والقسم الآخر يشكل آثار إلامارات إلاسلامية التي شيدت في نهاية العصر العباسي.
وبالرغم من فشل الحجاج بن يوسف الثقفي لتجفيف هذه الاهوار ، الا ان النظام السابق نجح في ذلك فتحولت هذه المنطقة التي كانت مغطات بالمياه والقصب والبردي والغنية بمختلف الطيور والنباتات والحياة وجمال الطبيعة وسحرها منذ القدم ، تحول الى مكان ميت وهذه كارثة بيئية .في هذه المدينة تشكل وعي وتشبع خيالي بجمال الطبيعة والفن أي جمال الطبيعة الريفية بالرغم من كونها مدينة جنوبية مهملة ومكروهة دائمامن السلطات التي تناوشت الحكم في العراق، وبالرغم من غناها( حيث يشكل مخزونها النفطي مع مدينة البصرة ثلث نفط العراق ) اذ اكتشف فيها واحد من اكبر حقول النفط الهائلة و المعروفة بحقول" مجنون " ويقال بان آخر بئر نفطي في العالم سيسحب من اراضيها عندما ينضب النفط نهائيا ، إلا أن هذه المدينة كانت ومازالت فقيرة وبدون خدمات حقيقية و منهوبة في كل الأوقات وبيوت المدينة ينطبق عليها قول السياب ( بيوت ارفع الابواب عنها تغدو اطلالا ) ،و ما نقل محافظ او مسؤول منها بعد ان تزكم عفونة عمله إنوف أهاليها إلا وسأل (كم عمّرت في هذه المدينة الشيعية الحمراء) ( والمعنى هو تعمير الجيب ).
حراس البوابات في الزمن الهني
وبالرغم من فقر هذه المدينة كان فيها ثلاث سينمات النصر والخيام والحمرا ء ( الثورة ) ، كما كان في المدينة ناديين ليليين . وكانت السينما بالنسبة الى الطفل اليافع والحالم الذي كنته تشكل عالما سحريا جديد ا فافلام هوليود وخاصة افلام ( الكابوي ) وافلام اخرى مثل ( جسر على نهر درينا ) او افلام الواقعية الايطالية الجديدة وخاصة الفلم الايطالي ( الرز المر ) وافلام المخرج الايطالي دي سيكا ، وافلام الرومانسية العربية وغيرها كانت تشكل ذاكرتنا وخيالنا والتي كانت تتطور بسرعة قياسية ففي الايام التي لانملك فيها انا واقراني ثمن التذكرة وخاصة في الصيف نعمد الى تسلق السورالعالي نسبة الى قاماتنا الصغيرة لنجلس ساعات عديدة في العلالي بانتظار مشاهدة الفلم بدون الحذر من السقوط من السور في لحظة اندماجنا وانفعالنا مع احداث الفلم . او نعمد انا وصديق شبابي ماجد الصابري عمل صفقة مع صاحب الحانوت ( متاني ) الخاص بالسينما لبيع المرطبات في الاستراحة او اثناء العرض وكثيرا ما كان يؤنبنا ويطردنا لاننا لم نهتم ببيعها وانما كان هدفنا الاساسي هو مشاهدة الفلم.وبما ان ماجد كان اكثر جرأة مني فان كرمه ( او ربما عطفه على ) يدفعه الى ترك صندوق المرطبات بجانبي ، ليذهب هو حاملا بعضها مع صينية الكرزات ويدور فيها على الرواد.
وعندما تسد جميع الطرق نتشارك في شراء تذكرة واحدة وننتظر قبل بدء العرض ونحن نتحرق شوقا ولكن( صادق )قاطع التذاكر وسخريته منا وقسوته معنا احيانا مما يدفعه ان يطلب منا القيام بشتى الحركات الاكروباتيةاو المضحكة لنيل رضاه وموافقته على دخولنا ، وكان هو ببروده المتعمد يعذبنا ويتركنا هكذا حتى اخر لحظة قبل ان ندخل الى العالم السحري .
ومن عجائب هذه المدينة الغرائبية وفي كل حياتها اليومية كانت تصدر فيها كل صباح جريدة باسم صوت الجنوب ، و كان فيها مكتبة عامرة وغنية بمختلف الكتب القديمة والمعاصرة مما شكلت لدي ولجيلي من المثقفين عادة القراءة اضافة الى ما ساهمت المكتبة العصرية لصاحبها رحيم الرحماني ومن بعده حيدر حسين التي تقع في وسط السوق الكبير ، وتعاطفا مع مثقفي المدينة كنا نشتري المجلات والكتب بالتقصيد ، وكذلك الكتب التي كان يستوردها شاكر الهاشمي في مخزنه والمتميزة كونها اما كتب سياسية او رويات مترجمة من امهات الكتب العالمية . وقد كان دكان الحلاق خليل رشيد القريب و الذي طبع العديد من المجموعات القصصية، يعد في العمارة كونه صالون وملتقى للثقافة والمثقفين من جيل الرواد .
وهذه الاجواء اثرت كثيرا على معظم المثقفين الذين تربوا في هذه المدينة والذين يحسبون الا ن على جيل الستينات ، جيل الخيبة والهزائم السياسية والروح العبثية والوعي الوجودي والابداع الديناميكي. جيل غريب في وعيه وتمرده المبكر . مجموعة من المتمردين على واقع مدينتهم ، يجلسون في المقاهي او في بساتين النخيل العامرة ليتحاوروا بهمس مبحوح حد الخناق في الاشتراكية والثقافة والفلسفة والعراق وجوعه الدائم . لكن وفي زمن لاحق نجد ان بعضهم انتحر والاخر مات وبعضهم تركوا المدينة ومازال بعضهم فيها وفيا لها بعد ان مرت عليه جميع المصائب والحروب وبعضهم نفى نفسه اختياريا الى اعماق الريف والعيش في الاهوار ، وبعضهم اكمل دراسته في بغداد او في اوريا .
وبالتاكيد فان الكثير من اهالي العمارة يعدون الثقافة بطرا لذلك فان تجمع مثفقي المدينة في مقهى ابي سعدون او مقعى شنين او غيرها لابد ان يثير الكثير من الريبة بالنسبة الى رجال البوليس . لذلك فان نقاشات عامل الطين كاظم طوفان في الاشتراكية والفلسفة كانت تثير دهشة رواد المقهى ويعتبر من القلائل الذين يدافعون عن الاشتراكية وحرية الفن و الشعر ، وكان يحمل عنفوان شاب جسور وروح شفافة ، يجلس أياما في صريفته القصبية المطلة على المقبرة الإنكليزية يقرأ الفلسفة في محاولة لإدراك مقولة الوجود الصعب ، هنالك ينبثق رجل المخابرات متظاهرا أما بالسباحة في نهر الكحلاء أو التنزه الكاذب في بستان أحلامنا وإذنيه مشرعة للريح ليسمع همس أرواحنا عندها يطردنا نهائيا ويحرمنا من التمتع بفيء النخل .
كان كاظم طوفان يقرأ الفلسفة ويتحاور مع مثقفي العمارة بعناد من اجل أن يجعلهم أناس يسيرون على الأرض بعد أن كان عنفوانهم وتعاليهم على الواقع يصل حد السماء. انهم من جيل الستينات ، جيل الخيبة والهزائم السياسية والروح العبثية والوعي الوجودي والابداع الديناميكي . جيل غريب في وعيه وتمرده في مدينة جنوبية مهملة ومكروهة من الحكام أصحاب العيون الصفراء .
جيل من المثقفين في مثل هذه المدينة الملعونة من قبل جميع الحكومات بلا إستثناء لا بد أن يقف على أسباب استلابه ولهذا فأن صفوته قادرون على تحمل المصاعب و التضحية بحياتهم في اكثر الأزمنة خطورة من اجل نقاء الموقف . وهذا ساعد كاظم طوفان على اكتشاف اللغة التي يتعامل بها مع مجموعة المثقفين المتمردين على واقع مدينتهم ، فكان هو القادرا على كسب ثقتهم وودهم ، وفي زمن لاحق وضع حياته على راحة يده وسار مفتونا ليستشهد في كردستان ، هناك فقط تناثرت روحه وتحولت الى نسر البراري الذي مازال يحوم فوق رؤوسنا ليغزو ذاكرتنا كوابيس. وصوته تحول الى صدى ومازال ويمكن ان نسمعه في كل لحظة : اكتبوا على شاهدة قبري :
(ذروا عيوني ، ملحا ورماداً وتوابل ،وأذلوا ، في جهد مضن ، جسدي الناحل والغربة في عرف العاشق ألم قاتل )
في مقهى أبي سعدون على نهر دجلة يجلس هؤلاء المثقفون الوجوديون والشيوعيون معا يتحاورون بهمس مبحوح مثل فالح حسن ومشروعه الروائي الذي لم يتحقق ، وحافظ الشعر الأوربي نصيف جاسم الذي كان ينشد الأرض الخراب لإليوت كاملة بطريقة يجعلك تفهم كل أسرار القصيدة ويبدأ مقطعها الأول ـ دفن الموتى ـ بالغناء( نيسان اقسى الشهور ، يخرج / الليلك من الأرض الموات ، يمزج / الذكرى بالرغبة ، يحرك / خامل الجذور بغيث الربيع .) وفي ليلة واحدة سهر نصيف لينسخ ديوان محمد الماغوط ـ الفرح ليس مهنتي ـ في زمن الجوع والحروب البعثية انتقل نصيف جاسم الى بغداد وتحول إلى مصلح بريمزات في مدينة الثورة ليعيل عائلته .
ومن الذين شكلوا ذاكرة المدينة الثقافية الشابة ايضا هم سلام مسافر وأحلامه الصحفية البرجوازية ، والفنان ناصر علي الناصر الذي تركنا مبكرا بغفلة منا وذهب ليلقى موته تحت عجلات سيارة لصبي طائش في احد شوارع السعودية بدلا من الحصول على عمل . انه الفنان الذي كان مؤهلا حقا لتبنى فكرا حداثيا في المسرح وكذلك الفنان عبد الرضا جابر ( الذي طلب الذهاب متعمدا للخطوط الامامية في جبهة الحرب العراقية الايرانية حتى ينتحر ) وفاضل خليل وأحلامنا المسرحية المبكرة ، و شاكر حمد وصمته الدائم أمام لوحته الكونية ، وجميل جبار وحبه وتفانيه للمسرح ، والفنان زاهر الفهد وإبراهيم غزال اللذان علمانا القوانين الأولى في المسرح ، والنحات محمود حمد وسخريته الملائمة ، وحسين عجه وتشاؤمه وتمرده الوجودي ، حيث كان دائما يحدثني عن كتابات سلامه موسى في لحظة مرورنا في سوق الصفافير في نهاية سوق المدينة الكبير استمر يصرخ ليسمعني صوته وسط الضجة وكانه تعبيرا عن صوت المثقف العراقي الذي لايسمع مهما صرخ . ،وكذلك سلام عبود وسخرياته الواعية التي تحولت الى روايات مثيرة و متميزة ، و احمد البياتي ومشروعه النحتي وعبد الرحيم البياتي الذي كانت معارضه الفنية يؤمها بسطاء الناس حيث تحلق الكثيرات من نساء العمارة مندهشات وغير مصدقات حول تمثال فينوس العاري الذي نحته وهن ينظرن من تحت عبائاتهن بطريقة توحي كأن التمثال قد نقل من كوكب اخر. وعاصم نجم الفنان الرقيق الذي مات باللوكيميا بالرغم من تبرعي له بالدم كمحاولة أخيرة لإنقاذه. ورحمن سلمان الفنان والمثقف الذي انتحر اثناء دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة .
والرسام عبد اللطيف ماضي وعبد المنعم مسافر. و المندائي والصائغ الماهر ماجد الصابري صديق الاحلام الاولى في المسرح الذي وئده في بداياته ( ومما زاد الامر سوءا هو انني ضيعته عندما تهت في المنفى 35 سنة ولم اجده الا في عام 2006 في استوكهولم صدفة. في هذه الفترة بالذات تراءى شوكت الربيعي مدرسا تقدميا للفن ، وبتواضعه الجم كان صديقنا نحن تلاميذه ،وبقصدية كان يمدنا بمختلف الكتب ( الممنوعة أحيانا ) ، ومعارضه المهمة كانت بهجة لأهالي العمارة لانها كانت تحدثهم عن همس فلاحي الريف ( وكان يقيمه في ثانوية العمارة التي تعد مكان لانطلاق تضاهرات الطلبة في مختلف العهود ، وقد هدمها النظام السابق لهذا السبب بالتاكيد) ، وقد أثرت معارض شوكت الربيعي والفنانين الاخرين على وعي الكثير من المثقفين في المدينة الذين يساهم بعضهم الان في بناء مستقبل الثقافة في العراق . وكان آل المطلبي وتمايزهم في ممارسة مختلف مجالات الابداع امرا معروفا في المدينة وفي مقدمتهم عبد الرزاق المطلبي ومشروعه الروائي حيث كان عقله وروحه غنيتان بأساطير الهور واسرار( قرى الحلفاية ) وزهير البط وكتب العديد من الروايات في هذه الاجواء ، وكذلك د. مالك المطلبي وعبد الوهاب المطلبي ومحمد شمسي ( محمد حسين المطلبي ) الذي عاش شاعرا شفافا في حياته وليس في شعره فحسب ، فهو قد تفوق علينا بمغامراته الحياتية حيث قطع أفريقيا حتى بغداد ومن ثم العمارة ، على دراجة بخارية .
وخالد السعدون المعلم الذي نفى نفسه اختياريا في أعماق ريف العمارة . وعبد الجبار ناصر وحسن وشريف شاوي ، والشاعر كاظم جاسم الذي تفرد بكتابة قصيدة مثرية متاثرا بشعر رامبو . وكان دائما يثير ريبة المخابرات واستفزازهم بصمته وتشرده وسيره على الأقدام مسافات طويلة في البساتين و أطراف المدينة مما يدفعهم إلى تفتيشه دائما .وفي إحدى المرات وجدوا لديه قصيدة وصورة للشاعر فاضل العزاوي ، لم يفهموا شيئا منها عندها فاتهموه حقدا وغيضا بحمل منشور سياسي او بيان رقم واحد لقلب الحكم ، فاقتادوه لوكرهم بالرغم من ان القصيدة والصورة كانتا منشورتين في إحدى المجلات الحكومية . وكذلك إبراهيم زاير المناضل العراقي المتمرد والرسام على خلاف رغبة والده ، والصحفي ، والكاتب ، والشاعر ، ومصحح المجلات والجرائد . مهوس بالفن ، عنيف مع ذاته ومع المثقفين الخونة ، مبارك ، ساخر ، يساري متطرف ، قارئ للكتب الملعونة رشيق ،شفاف يدخل القلب سريعا . ترك مدينته العمارة وهام في آفاق الفن والنضال ، عمل في المقاومة الفلسطينية ،انتحر احتجاجا على انقسامات اليسار العربي او لأنه فضل ان يتخلى اختياريا عن الحياة ، أو لأنه لم يكمل لوحته الكونية بالرغم من انه قال كلمته الاخيرة في آخر معرض فني أقامه في بيروت قبل أن يغادرنا ، تاركا زوجته ترسم ملامحه لطفلته التي لم تره ، والكثير من الاصدقاء والمتشمتين ، وشعر وكتابات وأسئلة مصيرية واحاسيس في أزمنة مختلفة .
والمطاردون دائما من رجال مخابرات مدينة العمارة اشروا واقعها السياسي مثل :أبو وسام وهشام الطائي وعبد الحسين علي ( الذي وضع حياته على راحة يده وسار مفتونا ) وابو عبد الله وابو دجلة ومهدي عمران وعبد الإله الشيباني ن وبشير زغير الكناني الذي اعتقل وغيب حتى هذه اللحظة ، والمصورة سميرة مزعل التي رمت الحاكم العسكري بنعالها عندما نطق بالحكم ضدها مصحوبا بكلمات بذيئة في محاكمة كالمهزلة في الستينات من القرن العشرين وقاسم جويد وأحلامه الاشتراكية ، وكاظم بدن الفلاح الشيوعي الذي كان يقلق رجال المخابرات فيتابعونه أينما حل (حتى انهم فرضوا على جيرانه في الريف ان يراقبه ،لكنه كان يخرج متلفعا بالفجر متسللا بزورقه نحو الهور لعقد اجتماعاته الحزبية ويعود قبل ان يستيقظ جاره وعندما كان يأتي الى العمارة في فترة الجبهة مع البعث كان يدخل مقر الحزب الشيوعي بملابسه الفلاحية وملاحقيه من المخابرات كانوا ينتظرون خروجه ، لكنه يخرج لهم بملابس اخرى كانه موظف او معلم ويمر من أمامهم وامعانا بالسخرية منهم كان يحيهم احيانا دون ان يتعرفوا عليه )
هؤلاء المختلفون في أفكارهم وطموحاتهم ، الأحياء منهم والأموات هم الذين شكلوا بعض أطياف ذاكرة المدينة الثقافية ، فقد كانوا يلتزمون السؤال المشاكس كمنهج لتحليل الظواهر ، والسؤال بدء المعرفة .وعندما تفرق الأحياء منهم في آفاق الدنيا بسبب فاشية السلطة البعثية ، كانوا متقاربين في مصائرهم كبشر مخلص لإنسانيته ووظيفته الإبداعية .
وبالرغم من والمنافي التي طالوها بعد عبورهم الصحراء العربية و بعد أن عاشوا خرائب المدن، تماسكت روحهم المتوهجة ، لهذا فان الكثير منهم مازال يعيش في تلك الأحلام الجنوبية في مدينة تغمرها رائحة رز العنبر والشوفان والرطب الخستاوي والطين الحري ، المدينة التي لا تتكامل إلا بنهر دجلة وقصر فتـنه ولا تتكامل إلا بمضايفها ومطربيها الريفيين ومعدانها الذين كان النظام يكرههم دائما، ولا تتفرد هذه المدينة إلا بمشرديها وفقرائها و مجانينها وعقلائها . ومثقفوها الغرباء الحالمون بالخروج منها ، فهم سرعان ما يعودون الى أحضانها الجنوبية الدافئة . هل كانت العمارة طفلتي المدللة ؟
زهور حمراء للأصدقاء الذين أُحببتهم
والشعر الذي لا يقرأه أحد .
والغريب الذي يطرق بابي في الليل .
زهور حمراء للمدينة المباركة
للمدللة صباح مساء. مساء صباح .