| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الجمعة 27/3/ 2009



عمائم.... وعشائر.... وشعر شعبي

علي بداي

هل نحتاج مؤتمرات عشائر ام مؤتمرات ارامل؟
تعيش في العراق الجديد قرابة الثلاثة ملايين امرأة ارملة، ضحايا السياسة، والحروب، والارهاب، ثلاثة ارباعهن لا يكدن يؤمن قوت اطفالهن، وقسم كبير منهن يسكن في " احياء" لا تصلح لمعيشة حتى بشر العصر ما قبل الصناعي، ولم اسمع لحد الان ان مؤتمرا عقد من قبل الدولة لمد يد المساعدة واعلان التضامن مع هذه الملايين المتشحة بالسواد حزنا وكمدا.

في ذات الوقت ، لا يكاد يمر يوم دون ان تتحفنا الفضائية العراقية الممولة من مال الشعب والمقادة طائفيا من سلطة الدولة، بوقائع مؤتمر لعشيرة ما ، وهي ظاهرة يمتاز بها العراق الجديد عن بلدان الامم المتحدة كلها، فماذا يعني بالضبط مؤتمر العشيرة؟

ان وجود اي كيان اجتماعي او سياسي، يستلزم وجود ضوابط واسس يسير هذا الكيان بموجبها، فجمعية الاطباء او نقابة المهندسين او منظمة الطلاب مثلا لديها رئيس منتخب ونظام داخلي اي ان لديها "سلطة" تعمل بموجب "قانون " فأي سلطة توجد في العشيرة وبأي قانون تعمل؟ ان سلطة العشيرة هي رئيسها غير المنتخب والحاصل عليها وراثيا فالعشيرة مؤسسة لا ديموقراطية بالتعريف

اما النظام الداخلي للعشيرة فهو العرف الاجتماعي العشائري المتفق عليه خارج اطر قوانين الدولة الحديثة، و المتمثل بمفاهيم " الثأر" و"الفصل" و"النهوة" و"العطوة" و"الدكة" و"الجرش" و"الابعاد من العشيرة" في عشائر الجنوب وهي ممارسات متخلفة، تشير الى غياب سلطة القانون المركزي، وتخلف بل وغياب انظمة التأمين الاجتماعي والحقوقي .

فالمعروف ان ابناء العشيرة لا يرتبطون مع بعضهم على اساس المصالح الاقتصادية او المكانة الاجتماعية، فمنهم الغني ومنهم الفقير، وتتحقق العشيرة من خلال ارتباط اعضائها مع بعضهم على اساس رابطة الدم، وبالتالي الطائفة والدين باعتبار ان الدين والطائفة متوراثان بالنسب لا بالاختيار الشخصي، فهي اذن تجميع كمي للبشر يحقق غرض الفرز الطائفي والديني، اي يحقق غرض الوصول للافراد عن طريق الاطار العشائري المتمثل بالرئيس والحاشية .
فهل يكمن السر وراء هذا الجري المتواصل لرموز دولتنا ( دولة القانون) خلف العشيرة انهم في طور البحث عن العصا التي سيهشمون بها رؤوس معارضيهم المحتملين ؟

ما دواعي توجه دولتنا الجديدة لمؤسسة العشيرة في كردستان (المستقرة امنيا) و التي تنتهج مسيرة مدنية واضحة المعالم والتي تحرز المرأة في خضمها مكاسب متواصلة؟

الغريب ان المسؤولين في بلادنا غالبا ما يتشبثون بحقيقة " ان مجتمعنا مجتمع عشائري" لتبرير تركيزهم على التركيبات العشائرية وكأن هذا هو قدرنا، وينسون او هم لا يعلمون ان كل مجتمعات الارض كانت في مرحلة ما عشائرية ( مراحل التخلف ) ، فالعشيرة هي الاسرة الكبيرة المفروضة بفعل الحاجة الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع لم يتمدن بعد، ولكن تقسيم العمل الجديد نسف عملية جماعية الامتلاك ، واتجه نحو امتلاك الافراد ،حيث يغدو الانتاج من اجل الاستهلاك الشخصي ملغيا بالكامل، ليحل محله اقتصاد التبادل، وبتوطد علاقات العشائر مع مؤسسات الدولة وحصولها على الخدمات منها ، وانخراط الجيل الجديد من ابناءها في وظائف الدولة ، تلاشت تدريجيا الحاجة للمؤسسة العشائرية ، وبتوزع افراد القبيلة فيما بعد على الاحياء المختلفة تبعا لمصالحهم ، سقط عامل الجغرافيا عن العشيرة واقتصرت علاقة الفرد بأفراد عشيرته على اقرب الاقرباء وهو تطور طبيعي تفرضه الحياة المعاصرة.

كانت العشيرة وما زالت وستبقى كائنا معرقلا يقف بين الدولة والفرد، والعشيرة مفهوم متخلف، وهو تجسيد مصغر لمجتمع الطائفة،كائن يقفز على الفرد ويختزل الوطن، وتساهم منظومة القيم العشائرية والمناطقية والطائفية والدينية بأعاقة تطبيق القانون والامثلة لا تحصى في تاريخ العراق ،والعشيرة مؤسسة ذكورية، موجهة بالاساس لتأكيد سلطة وهيمنة الرجل والحط من قيمة المرأة ، فالمرأة هي الخاسر الاكبر من وجود وتطور العشيرة ، حيث تخلو كل فعاليات العشيرة من فعل المرأة الاّ كأعتمادها خادمة ومصدرا لرفد العشيرة بالمقاتلين الذين سيعيدون لنا امجاد داحس والغبراء ، بل ان العشيرة وقيمها هما دعامتان لديمومة جرائم الشرف وهي اعمال همجية لا قانونية تقترف بدوافع مختلفة ضد النساء.

حين نقول عشيرة ، ترتسم في الذهن صورة كائنات طفيليه ، ذكورية ، مستبدة ، بدائية ، أمية غالبا وترتسم في الذهن صورة حشد البيارق واليشامغ والها...هاااااا التي تستغل في فترات الاستبداد لحشد التأييد للحكام وقت الازمات ، ومهما قيل عن الطابع السلمي لمشاريع تأهيل العشائر الا ان تسليح العشيرة يبقى أساس قوتها، و مجالس الاسناد التي يركض المسؤولون بأتجاهها، ستعمل على ايجاد التمايز بين العشائر ( كل حسب موقفه ودرجة دعمه للحكومة).

ومهما قيل عن خلو مشروع الاسناد من اي دعم مادي من قبل الدولة فإن مجرد ربطه بمبادرة حكومية سيفتح الطريق امام اشكال دعم مادي ومعنوي غير مسيطر عليها وغير خاضعة للرقابة، وبعجز الدولة عن سن قانون لتحريم حيازة السلاح ، سيكون من المستحيل تجنب الاستقطابات والتكتلات العشائرية ومن ثم المواجهات .

حين زرت بغداد في الخريف الفائت ، حققت امنية طالما راودتني بالجلوس لنصف ساعة في مقهى الزهاوي في الحيدرخانة، وجدت طريقى لمقعد يطل على شارع الرشيد الى جوار رجل بغدادي من الطراز الذي كنت اعتقده انقرض، سدارة الراس ، رباط العنق الكلاسيكي والصحيفة التي تخفي ملامح الوجه .
بادرني الرجل ب"الله بالخير" اليفة فشجعني على اقتحام عالمه وبعد بضعة كلمات دخلنا كالعادة ودون ارادة منا كما بدا، في السياسة فسألته " كيف ترى الامور يا حاج ؟ اجاب " نفس الحال"
قلت " كيف ؟ الان انتخابات وحرية صحافة ودولة قانون....."
قال جملة اضحكتني واترك للقراء كشف الحكمة التي تحتويها :
" قبل..... كان حزب وثورة وجيش شعبي والان عمائم وعشائر وشعر شعبي "

 

free web counter

 

أرشيف المقالات