| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الثلاثاء 27/6/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

 بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب


من غرائب انتهاكات سلطة البعث : من دون أسئلة.. ركاب حافلة بكاملها يعدمون جماعياً


احمد الحسيني

لم يخطر ببال عبد الرحيم الفتلاوي العائد من جبهات القتال ان يكون صيدا سهلا لاخر نقطة تفتيش او سيطرة يشغلها بعض الرفاق وتبعد بضعة كيلو مترات عن محل سكناه.

اشرقت الشمس في صباح يوم 6/3/1991على حافلة الريم التي ضمته مع اكثر من ثلاثين راكبا بين عسكري ومدني وشيخ وامرأة وطفل.
يسرد عبد الرحيم قصته الغريبة قائلاً:
عند وصول الحافلة إلى تمثال حمورابي في منطقة الجمجمة المحاذية لاثار بابل التي تبعد عن مركز المدينة بضعة كيلو مترات اعترضتنا سيطرة مستحدثة للرفاق الحزبيين وصعد إلى الحافلة رجل دفع بسلاحه اولا وهو يرتدي ملابس الجيش الشعبي التي كانت زي افراد الحزب وبوجهه المكفهر الخالي من أي ود وبدون أي سلام قال وبشكل سريع (كلكم انزلوا) الحلة تخضع لمنع التجوال بالكامل فترجل الجميع وبضمنهم كنت انا المطمئن على اساس انني امتلك اجازة رسمية من وحدتي.

ترجلنا وكان الذعر قد اصاب النسوة والاطفال والخوف تسرب إلى النفوس حتى التي لديها القوة في البداية خاصة بعد ان تفوه احد الشباب موجها سؤاله بكلمة واحدة (ليش) وحال تلفظه بهذه الكلمة احاط به اربعة من افراد حماية النقطة واوسعوه ضربا وركلا ادموا وجهه فسقط مغشيا عليه عندها عرفنا ان الامر ليس مزحة اصابنا الذهول والصمت المشوب بالحذر والترقب. وما هي الا دقائق حتى توقفت امامنا سيارة عسكرية نوع ايفا اقتادونا جميعا اليها حتى الشاب الذي كان شبه مغمي عليه حملوه ورموه داخل السيارة التي عادت بنا باتجاه معسكر المحاويل.

في معسكر المحاويل
قبل نزولنا في المعسكر قاموا بتعصيب اعيننا ووثقوا ايدينا إلى الخلف وادخلونا قاعة فارغة. البرد فيها لا يطاق واجلسونا في الركن ونتيجة للارهاق والسفر الطويل والاعياء الشديد الذي اصابني القيت نفسي في احدى زوايا القاعة ورحت في اغفاءة استمرت حتى الظهر استيقظت بعد ان ركلني احد (الرفاق) بقوة مستفسرا عن اسمي فتلعثمت فضربني في بطني بحذائه وضرب الاخر ايضا وكان اسلوب الضرب هو الوحيد حتى في تسجيل اسماء الموجودين واجراء التعداد عليهم بعد استيقاظي ونزول العصابة التي ربطت عيني لاحظت القاعة التي لم يكن فيها احد سوانا. في الصباح امتلأت القاعة وترك الجميع بدون اكل وشراب ومنعوا حتى من الذهاب إلى دورات المياه وكدسوهم في داخل القاعة نساء ورجالا واطفالا مما اضطر البعض منهم ان يتبول على نفسه وأصبح المكان لايطاق برائحته الكريهة.

ظلت هذه الحالة حتى الغروب بعدها جلبت مجموعة اطارات قديمة مستهلكة ووضعت على مقربة من القاعة واحرقت فدخل الضوء والرائحة الخانقة الينا كثرت استنتاجات الموقوفين عن فحوى حرق هذه الاطارات فمنهم من قال انها لغرض التدفئة فيما قال اخر هامسا هي للانارة وفسر احد المتشائمين ذلك انه لغرض التعذيب وكي اجسامنا وحرقها وبالفعل حدث ما توقع اذ تم استدعاء ستة من الاسماء التي كانت في القاعة وعند تشابه الأسماء اضطروا إلى الاستعانة بالاسم الثالث واخرجوهم وكانوا محسودين من قبلنا ظنا منا بانه سيفرج عنهم وكان اعتقادنا خاطئا ليس في محله اذ ان الذي حصل بعد دقائق لم يكن بحسبان احد منا ابدا حيث شاهد القريب من الشباك ما حصل لزملائه فصاح باعلى صوته (الله اكبر) لقد تم رميهم في النار واحرقوا. هنا دخل احد المسلحين إلى القاعة وضرب الرجل الذي كبر باخمص البندقية حتى فقد وعيه وتركه مضرجا بدمائه، وخرج عندها كل من في القاعة وبعد برهة جاءت سيارتان سبقت مجيئهما حركة غير طبيعية لعدد كبير من العسكر لا نعرف هوياتهم او مناصبهم وجيء بسيارتي باص نوع تاتا مكتوب على كل منهما باص خاص لنقل طلاب المدارس كانت الزجاجة الخلفية لاحداهما مهشمة ورافقتهما سيارتا لاندكروز بيضاوان . دخل العسكر إلى القاعة واقتادوا بعض من في القاعة إلى هاتين السيارتين وذهبوا بهم إلى جهة مجهولة وانا لم اكن ضمنهم ثم عادتا بعد ساعة وحملت ثانية نفس العدد الاول تقريبا واثناء التحميل كان يرمى اثنان او ثلاثة من المجموعة في النار بطريقة عشوائية وهكذا حتى جاءت المرة الرابعة وكان العدد المتبقي في الركن الاخير من القاعة لا يتجاوز 35 فردا تم اقتيادنا إلى السيارتين وكان حصة النار منا واحدا فقط اعرفه شخصيا كان يعمل في فرن للصمون في الحلة ولا ادري كيف اوقعه المصير المحتوم بايدي هؤلاء القتلة.

كان مكتوف الايدي ومعصوب العينين رموه في النار ووجهه إلى الاسفل وما ان استنشق الدخان الكثيف حتى انقطع صوته ورفس برجليه عدة مرات غاب بعدها بين النار والدخان.

سارت السيارة مسرعة بنا باتجاه مدينة الحلة وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل وحين وصلنا معمل طابوق المحاويل الجمهوري الواقع بين الحلة والمحاويل استدارت العجلة شمالا باتجاه المعمل وبمحاذاة النهر لمسافة لا تتجاوز مئات الامتار واجلسونا على الارض في الركن المحاذي للمعمل من الخارج بشكل خطوط وكان حظي الذي اوقعني في الصف الاخير وامامي يجلس رجل مصري الجنسية بدين جاء للاطمئنان على اخيه الذي يعمل في معامل النسيج في الحلة ولم يكن قد رأى الحلة من قبل .

الخط الاول المرأة والطفلان جلسا بمحاذاتها وتعلقا بها وخوفا من الظلام والمصير المجهول الذي ينتظرهما خاصة بعد ان وجهت علينا مصابيح السيارة وايقن الجميع في لحظات ان مصيرنا الموت قتلا مما دعا المرأة ان تطلب بصوت مسموع ممزوجا بحشرجة (يمه هدوني الخاطر ابني الذي فقد في الحرب) وكان الجواب سيلا من الكلمات النابية التي يخجل المرء من ذكرها عندها قامت واقفة واخذت بطرف عباءتها ووضعتها على راسها ثم لفت جسمها بما تبقى وهي تردد (هم موت وهم فضيحة) واستسلمت للامر المحتوم وكانت رحمها الله قد تجاوزت الاربعين من العمر .

وقف اربعة رفاق اثنان من كل جهة واحاطوا المجموعة وبدون اية مقدمة بدا اطلاق النار بشكل مباشر لتحصد ارواح الكثير من المجموعة مما اضطر البعض للنهوض بقامته كي يلوذ باي شيء محتميا وكان الرجل المصري البدين السباق في النهوض مما حدا بالمجموعة إلى رميه بشكل مركز ومباشر جعله يترنح ويسقط مباشرة وهو مضرج بدمه فوقي وهو يرفس تبعه اخر كان يرتدي الزي العسكري وسقط فوق المصري مما جعلنا نشكل هرما بشريا اصبحت انا قاعدته .

تمت هذه العملية خلال اقل من دقيقة وبايعاز مسموع من قبل أحد الرفاق هل تم كل شيء. وقبل ان يكمل سمعوا شخيرا قويا لاحد الذين تعرضوا للرمي ولكنه لم يفارق الحياة وظل متشبثا مما جعل احدهم يصرخ هذا حي وهنا ساورتني الظنون كثيرا لاعتقادي بانني المقصود في ذلك مما جعلني اتمنى لو كنت ميتا حيث قلت في نفسي اربعة من القتلة نفذوا جريمة قتل العشرات في ثوان فكيف والحال اذ بقيت وحيدا سينفذ الاربعة حقدهم ضدي غير ان المقصود كان صاحب الشخير وليس انا فاجهزوا عليه بصليات متقطعة وانهوه بسرعة وعادوا إلى مكانهم الذي جاءوا منه تاركين الجثث تتمرغ بدمائها حتى دون ان يلتفتوا او يدفنوا القتلى وتركوهم في العراء .

بعد ان تحركت عجلات القتلة نهضت وركضت دون وعي وبشكل سريع بالاتجاه المعاكس لمغادرة الجناة وبمحاذاة النهر دون ان ادرك أي شيء وبعد عشرات الامتار من الجري شاهدت بطرف عيني قطعاً بيضاً واخرى ملونة ظننت في البداية انها اكياس كيمياوي يستخدمها المزارعون في تلك المنطقة الريفية فارتميت بكل مااوتيت من قوة عليها لاريح جسدي المتعب الا ان الذي حدث لم يكن يخطر ببالي اذ ان الاكياس التي تصورتها للسماد الكيمياوي ماهي الا جثث لعشرات الابرياء الذين اعدموا قبلنا بوقت قصير وهم على الاغلب الوجبات التي سبقتنا لان اجسادهم طرية مما اضطرني إلى ان اقوم بالسير على جثث ورؤوس هؤلاء الشهداء الذين تكدسوا في منطقة صغيرة لم استطع اجتيازها الا بفترة طويلة كانت مليئة بالرعب سرت بعدها وبدون علم مني بالاتجاه المحاذي للنهر الذي سقطت به نتيجة تعثري باحد الاحراش فتبللت ملابسي وكان الجو باردا غير انني لم اشعر بذلك للخوف الذي انتابني ساعتها كنت اشعر بانه حتى الضفادع تهددني بنقيقها الصادر من ماء النهر مع وسوسات وهواجس اثارت الرعب بداخلي اكثر مما اثارته قفزة حمامة طارت فجأة تاركة عشها خائفة مني ولم تعلم بانني كنت اكثر ذعرا وخوفا منها حتى وصلت إلى سكة القطار وما زال الشك يراودني هل انا حقا من الاحياء بعد الذي حدث؟ وهل ان هذه المشاهد الدامية جسدت وقائعها في داخلي غير ان سكة القطار بعد ان تحسستها كأضلعي منحتني بعض الطمأنينة وقررت اكمال المسير إلى المجهول على الرغم من مضايقة الحذاء العسكري الذي امتلاْ ماء واصبح يعيقني بصوته المزعج في سكون الليل المرعب والمخيف اكثر من قفزة قبرة طارت بشكل مفاجئ ارتعدت لها فرائصي وسقطت على وجهي مما تسبب في كسر احد اسناني الامامية وغطى الدم وجهي ورغم ذلك واصلت المسير حتى الصباح الباكر عندها دخلت منطقة الخسروية فآواني رجل اسمه اياد السلطاني كان كريما معي واطعمني واوصلني بسيارته الخاصة بالقرب من داري اذ كان الحي خاليا تماما من الناس الا من نباح الكلاب السائبة التي انتشرت في الطرقات كان الدم يملاْ جسمي وملابسي ودخلت البيت وحين نزعت ملابسي سقط شيء كالدم المخثر كان عالقا بها عرفت انه بقايا مخ انسان يعود للمواطن المصري الذي زار الحلة للمرة الاولى ولم يكن يدر في خلده بان نهايته ستكون فيها.