| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأحد 27/1/ 2008



دراسات في الإعلام

العلاقة المتبادلة بين الإعلام و الإرهاب

فالح الساعدي
faleh-alsaadi@yahoo.com

في مراقبة يومية للأحداث في حرب العراق لاحظ الكثير منا أن هنالك علاقة طردية بين ما تبناه الإعلام وروج له عن الإعمال الإرهابية وما نشر من أخبار تفصيلية عنها بالطريقة التي إعتمدها بعض المراسلين و المعلقين العرب من جهة و إزدياد هذه الأعمال الإرهابية من جهة أخرى.

الإعلام و الدعاية للأعمال الإرهابية له في أكثر الأحيان أهمية تزيد على العمل الإرهابي نفسه. فالإعلام و الدعاية تظمن للعمل الإرهابي ديمومته كما هي تظمن إستمرار المساعدات المالية له و تجنيد مقاتلين جدد يواصلون عمله.

يقول السيد ديفد كالولا في كتابه "حرب مكافحة التمرد – النضرية و التطبيق“ والذي يعتبر من أفضل الكتب التي بحثت في الموضوع حرب مكافحة التمرد، يقول حول نضرة المتمردين لأهمية الإعلام :
“ الهجوم على دورية مسلحة (للعدو) ربما شكل نجاحاً عسكرياً ، لكنه إذا لم يظمن دعم السكان و يحولهم ضد الحكومة لا يعتبر نصر .... أي أن إضعاف العدو عسكرياً هو مسئلة ثانوية“.
وفي العراق على الرغم من أن الأعمال الإرهابية كانت مجازر مروعة فقد تمكن إعلام الأرهاب أن يصورها على أنها بطولات في محاربة الإحتلال الأمريكي.

وحتى المكاسب السياسية و المالية التي حققتها في الآونة الأخيرة بعض الوجوه السياسية للإرهاب و القوى العراقية المتطرفة ، إن هذه المكاسب كانت مقرونة بنشاط هذه القوى الإعلامي المتناسق مع الأعمال الإرهابية. فالأعمال الإرهابية دون تغطية إعلامية لها تعتبر بمفهوم حرب العصابات أعمال فاشلة. وقد إزدادت قوة الإرهاب عندما وفرت له بعض الأحزاب العراقية المتطرفة التغطية السياسية من داخل البرلمان و من داخل الحكومة.
فقد إستغل هؤلاء الوضع الديمقراطي الغير ناضج في العراق و عدم خبرة بعض الأطراف السياسية العراقية وطيبة وسذاجة البعض الآخر، لكي تستخدم حتى البرلمان كمنبر للدفاع عن الأرهابيين والترويج لأعمالهم.

لم يحضى موضوع العلاقة بين الإرهاب و الإعلام إلا بإهتمام القليل من الباحثين، رغم أن المتخصصون بدراسة الإعلام يتفقون على أن هنالك علاقة متبادلة بينهما.
لكن رغم ذلك فهنالك بعض البحوث و المساهمات الحديثة التي حاولت معالجة موضوع العلاقة المتبادلة هذه معالجة علمية موضوعية، إستخدمت براهين رياضية معتمدة على إحصائيات ودراسة ميدانية طويلة الأمد سنأتي على ذكرها لاحقاً.

المشكلة التي تواجهنا بهذا الخصوص هي عدم توفر دراسات و بحوث كافية يمكن إعتمادها في الكتابة عن هذا الموضوع. فأنت يمكنك أن تجد مراجع لا تحصى و لا تعد عن الحرب النظامية التقليدية و كذلك عن إستخدام الإعلام في مثل هكذا حرب كجهاز من أجهزتها. أما عن حرب العصابات أو التمرد أو في حروب التحرر ناهيك عن حرب الإرهاب فمن الصعب أن تجد مراجع موضوعية جيدة حول هذا النوع من الحروب.
أما عن إستخدام الإعلام في مثل حركات كهذه كطابور متقدم من طوابيرها كما حصل ذلك في الحرب على العراق فلم أجد ألا القليل من المراجع التي تتطرق للموضوع و بشكل غير مباشر.
فالحرب النظامية عمرها آلاف السنين ، أما حروب التحرر و التمرد و حرب الإرهاب التي تتخذ أسلوب حرب العصابات وسيلة للقتال فلا يزيد عمرها عن المئة عام.

إستخدام الإعلام في حرب الإرهاب على العراق جاء مفاجئ و بقوة لم تكن متوقعة حتى من قبل قادة الجيش الأمريكي. ولا نبالغ إذا قلنا أن الإعلام العربي الذي يدعم الإرهاب قد أربك الجيش الأمريكي بشكل ليس له مثيل وسبب له خسارات كبيرة سياسية و عسكرية.
الإعلام العراقي لم يكن له أي دور في التصدي لإعلام الإرهاب فهو بمفهوم حرب الإعلام لازال يمكن إعتباره مٌقعد و أعزل. المثل الذي يقول:“ يعمل الجاهل بنفسه ما لا يعمل العدو بعدوه " لاينطبق على أية حالة كإنطباقه على حال بعض أجهزة الإعلام العراقية، التي تتصور أنها تقارع الإرهاب ، في الوقت الذي تقف فيه بلا وعي و بالاوعي الى جانب الإعلام الإرهابي.

العلاقة بين الإعلام و الإرهاب ليست بالضرورة علاقة مباشرة ، كما هي مؤسسة الجزيرة القطرية المتهمة بدعم الإرهاب في العراق و الترويج له ، فهذه العلاقة قد تكون علاقة غير مباشرة أو علاقة مصالح مشتركة ، كما هو حال بعض المؤسسات الإعلامية العالمية كمؤسسة البي بي سي. البريطانية أو بعض المؤسسات الإعلامية العالمية الأخرى.
و بهذا الخصوص أصدر معهد البحوث التجريبة في الإقتصاد التابع لجامعة زيورخ- في سويسرا عام 2006 بحث بعنوان : "الدم و الحبر! لعبة المصلحة المشتركة بين الإرهابيين و الإعلام".
قاما به الأستاذ برونو فري و الأستاذ دومينيك رونر.

لقد بين هذين العالمين في بحوثهما أن الطرفين الإعلام و الإرهابيون يستفيدون من الأعمال الإرهابية. فالإرهابيون يحصلون على دعاية مجانية لأعمالهم و الإعلام يستفيد مالياً لأن التقارير التي تنشر عن الإعمال الإرهابية تزيد من قراء الجريدة وعدد مشاهدي التلفزيون وهذا بدوره مما يزيد مبيعات الجريدة و قيمة الدعاية المنشورة عليها وزيادة قيمة الدعاية التي يبثها التلفزيون.
و الجدير بالذكر أنهما وضعا لدراسة هذا الأمر معادلات رياضية بالعوامل المؤثرة على نشر الخبر مثل الشهرة و السلطة و المال و التأثير الفكري. هذه العوامل هي عبارة عن أهداف يراد الوصول إليها من وراء العمل الإعلامي أو العمل الإرهابي على حداٍ سواء. وقد تبين لهم أن الطرفين، الإعلاميون و الإرهابيون لهم نفس هذه الأهداف. فالإعلام يريد الشهرة و الإرهابي يريد الشهرة أيضاً و الإعلام يريد السلطة على أكبر عدد ممكن من القراء أو المشاهدين وكذلك الإرهابي يريد السلطة على أكبر بقة ممكنة من البلد الذي يحارب فيه وعلى أكبر عدد ممكن من الناس (مثال ذلك إعلان الدولة الإسلامية في مدينة الرمادي من قبل حركة القاعدة وأعوانها من بقايا النظام السابق، عندما شعروا بقوتهم في محافظة الأنبار). وكذلك الحال فيما يخص العوامل و الأهداف الأخرى كالمال والتأثير الفكري.

ومما يخيب الأمل أن عوامل أخرى كالصدق أو الأمانة أو الموضوعية في الطرح هي مفاهيم غريبة ليس لها وجود في عالم الغالبية الساحقة من وسائل الإعلام التي تلهث وراء الأخبار التي يسهل بيعها على المتلقي (القاريء، المستمع أو المشاهد).

وسائل الإعلام هذه لا تتوقع أي رد فعل أو أية عواقب من وراء الإستفادة من هذه المصالح المشتركة مع الإرهابيين أو الدعم المباشر للإرهاب بشكل خاص عند التطرق لأحداث العراق. فالعراق لا يستطيع الدفاع عن نفسه و ليس هنالك من يدافع عنه إعلامياً. حكومة الرئيس الأمريكي جورج بوش لا تستطيع الدفاع عن نفسها إعلامياً فكيف لها الدفاع عن العراق. لقد أصبح التهجم على حكومة بوش وإنتقادها بكل مناسبة مبدء لا يجرء أي صحفي في العالم التجاوز عليه أو الخروج عنه.

و مادامو هم لا ينشرون شيء عن جرائم الإرهاب و ليس هنالك جهة عراقية تبنت هذا الأمر بإحتراف ، فمن الذي سيعلم بما جرى لضحايا مجازر الإرهاب في العراق ومعاناة الطبقات المسحوقة من الناس.
وقد تتطرق بعض وسائل الأعلام في يوماً ما لهذه الجرائم و لكنها ستصورها بما هي ترتئيه ,و بالصورة التي تستطيع تسويقها لما هو مصلحتها و ليس كما هي قد حدثت فعلاً ، على أساس ما يمكن أن تحققه من وراء ذلك من شهرة أو سلطة أو مال أو تأثيراً فكرياً.
وهي سوف لن تكون ملزمة بالقول لماذا هي الآن ساكتة عن ذلك. من الذي يستطيع أن يرفع صوته عليها و يسألها بصوت مسموع لماذا سكتت عن الجرائم السابقة لصدام حسين وأعوانه بحق العراقيين؟؟

كانون الثاني (يناير) 2007
 

Counters

 

أرشيف المقالات