نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الخميس 27/7/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

كلمة السيد المالكي أمام الكونكَرس الأمريكي ـ نجاح أم إخفاق ؟

 

حازم الحسوني

أستمعت كما أستمع َ الكثيرين غيري من العراقيين إلى كلمة السيد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أمام الكونكَرس الأمريكي يوم أمس ، ولكي نكون منصفين في قراءتنا وتقييمنا لهذهِ الكلمة لا بد من قراءتها بمنظارين :
الأول : بمنظار الإدارة الأمريكية وأعضاء مجلس الكونكَرس الأمريكي ، حيث جاءت الكلمة متلائمة بالضبط مع ما يرغبون سماعه من رئيس وزراء دولة تخضع إلى سيطرة قواتهم العسكرية ، لما حملته من تطمينات على الصعيد السياسي ، كالوقوف بوجه الإرهاب الدولي ، وجعل العراق الساحة الرئيسية لهذهِ المواجهة ، أو ما يتعلق منها بسماع التطمينات التي تخص جهة تطور الاقتصاد العراقي وارتهانهِ بما يسمى باقتصاد السوق الحر ، أو الخصصة ، أو الانفتاح الاقتصادي بفسح المجال بشكل واسع أمام الاحتكارات الدولية ، وعلى رأسها الأمريكية بطبيعة الحال ، للاستثمار في العراق ، إضافة إلى سماع مفردات من قبيل دولة القانون وحقوق الإنسان ..الخ ، كديكور سياسي ، ولا نريد أن ندخل في تفاصيل المعايير المزدوجة للإدارة الأمريكية فيما يخص حقوق الإنسان ، ودولة القانون .
الثاني : بمنظار المواطن العراقي الذي اكتوى ويكتوي يومياً من الإرهاب والقتل اليومي المجاني ، وخفوت صوت وروحية المواطنة العراقية مقابل علو صوت الطائفية المقيت فهو ما سأحاول التركيز عليه ، ولا يهمني كثيراً الحديث بالمنظار الأول ، ولا حتى بالطريقة التي سعي بها المالكي إلى توصيل رسالتهِ المقبولة لاعضاءِ الكونكَرس أو الإدارة الأمريكية بعد أن تم تراجعهُ وتجنبهُ الحديث عن الموقف من الحرب الهمجية الإسرائيلية على لبنان ، وسحب موقفهِ التضامني مع الشعب اللبناني الذي أعلنهُ قبل يوم ، بحكم الضغوط التي أعلنها اللوبي الموالي لإسرائيل داخل الكونكَرس . إما سحب هذا التضامن ، وإما عدم السماح لهُ بإلقاء كلمته فقد أختار الخيار الأول !!! .
و ما وددت سماعه من رئيس وزرائنا كمواطن عراقي ، هو العمل على تصوير الحقيقة على الأرض كما هيّ ، والحديث بشفافية وصراحة يفرضها منطق فهم الممارسة الديمقراطية ، والإيمان بها صدقاً بشكل كامل غير مجزأ ، فليس من المعقول ترديد مفردات لفظية بعيدة عن واقع الممارسة اليومية كحقوق الإنسان ، ودولة القانون ، والديمقراطية وغيرها من المفردات التي يبدو قد أجادَ استخدامها الكثير من السياسيين العراقيين هذهِ الأيام كشعارات فارغة تناقض التطبيق في الحياة اليومية ، وهنا أخص بالتحديد سلوك الإسلام السياسي السني والشيعي بحكم ثقلهم ، وإدارتهم للدولة العراقية الحالية ، والسيد المالكي جزء من هذهِ المنظومة السياسية التي تسببت بخطابها السياسي الطائفي التدميري إلى ما وصل إليه العراق الآن من صراع بين أدعياء تمثيل الطوائف ، فكان الأجدر بالمالكي وهو يمثل الدولة العراقية أن يشيرُ وبوضوح إلى أسباب الفلتان الأمني ، وفشل الخطط الأمنية التي وضعها أو أشرف عليها بنفسهِ ، وكذلك تردي الوضع المعيشي وارتفاع الأسعار، ونقص الخدمات ، وغيرها الكثير ، لا أن يحاول تصوير وتزويق الواقع بجمل وعبارات منمقة بعيدة عن واقع الخدمات ، وعن ما يعانيه المواطن ،و سأحاول الوقوف عند المفاصل الأساسية التي تضمنها خطاب السيد المالكي التي تتلخصُ بما يلي :
أولاً : المفصل المتعلق بالإرهاب : فقد حاول السيد المالكي تأكيد و تكرار الموقف الرافض المُعلن من الإرهاب الدولي ، وهذا هو موقف أغلبية الشعب العراقي عدا الذين احتضنوا الإرهابيين ، وقدموا لهم المكان الآمن والتسهيلات ، ولكن كان يفترض بالسيد المالكي أن يتحدث بكل صراحة عن معنى الإرهاب الذي يتعرض لهُ المواطن العراقي ، فهذا الإرهاب متعدد الأوجه والأشكال ، وإذا أراد توصيل خطاب سياسي مقبول للإدارة الأمريكية بإعلان الوقوف مع هذهِ الإدارة في صراعها مع الإرهاب الدولي ، فكان عليهِ أن يشير إلى دور قوات الإحتلال في السماح إلى قوى الإرهاب الدولي في التوجه إلى العراق من خلال فتح الحدود لها ، وتجميعهم في الساحة العراقية ، ونقل معركة أمريكا معهم إلى العراق ، وجعله ساحة المواجهة الرئيسية مع الإرهاب ، فالمتضرر الوحيد من هذا هو المواطن العراقي بلا شك ، أما الإرهاب الثاني ، فهو إرهاب البعثيين وفلولهم بأمل استعادة السلطة من جديد ، أو فرض دخولهم في الحكومة العراقية الحالية عبر بوابات عديدة أصبحت معروفة لكل مواطن عراقي .
الإرهاب الثالث والذي كان على السيد المالكي أن يتحدث عنهُ بوضوح ، هو إرهاب قوى الإسلام السياسي وميليشياتها ، فمنها المشتركة بتكوين الدولة العراقية الحالية أو الأخرى التي يطُلق عليها خارج العملية السياسية ، والتي أصبحت تتحكم بمفاصل الدولة عبر ممثليها في الوزارات ومؤسسات الدولة المختلفة ، وتعمل يومياً على نخر الدولة من أساسها عبر الفساد الإداري والمحسوبية ، وفرضت سلطاتها حتى على الشوارع والأزقة في بغداد ، ومدن العراق الأخرى كميليشيات جيش المهدي ، و منظمة بدر، وجيش الأعظمية التابعة للحزب الإسلامي ، ومليشيات مؤتمر أهل العراق ، و ميليشيات ما يسمى بهيئة علماء المسلمين إضافة إلى الميليشيات الإرهابية الأخرى التي تفرض سيطرتها على البصرة ومدن الجنوب والوسط الأخرى ، ومجاميع الإرهاب السلفي في بعض مناطق بغداد والمناطق الغربية من العراق ، فقد أكد المالكي على قرار حل المليشيات رقم 191 ، ولكن المعضلة الرئيسية لا تكمن في القرار وإنما الجرأة َ على تطبيقه ، فهل بإمكان السيد المالكي تنفيذ هذا القانون على ميليشات جيش المهدي وبدر والحزب الإسلامي والتوافق ؟؟؟؟ .
أنا شخصياً أشك في ذلك إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن من أوصل المالكي الى رئاسة الوزارة ، وفرضه على الإئتلاف هم جماعة الصدر وميليشيات جيش المهدي أثناء الخلافات والاعتراضات على ترشيح السيد الجعفري رئيس الوزراء السابق ، يضاف الى هذا اعتراض ميليشيات الحزب الإسلامي ، وبقية أدعياء التمثيل السياسي السني التي تضع شروط حل ميليشياتها مقابل حل ميليشيات جيش المهدي وبدر ، فهذهِ الدوامة تذكرنا بأيام الحرب الأهلية في لبنان عندما كان كل طرف يطالب بنزع سلاح ميليشيات الطرف الآخر أولاً .
ثانياً : المفصل المتعلق ببناء دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان وأنتشار منظمات المجتمع المدني ، وحرية عمل الأحزاب ، ومنافستها الحرة من خلال برامجها ، والانتخابات النزيهة الحرة ...الخ من مفردات التسويق الإعلامي البعيدة جداً عن الواقع ، فهذا الخطاب كما قلت إذا نظرنا إليه بمنظار المواطن العراقي نضع عليهِ العديد من علامات الاستفهام والتعجب ، وهو بطبيعة الحال لا ينطلي على المواطن العراقي بسهولة رغم الإقرار ببعض المظاهر من قبيل انتشار الأحزاب و منظمات المجتمع المدني ، وحرية الصحافة ..الخ لكن الذي يصعب تصديقه هو دولة المواطنة والمؤسسات والقانون ، وحكومة وحدة وطنية ، واستحقاق انتخابي . فالسيد المالكي يدرك تماماً طبيعة الأنتخابات التي جرت ، وكيف تم توظيف الخطاب الديني الطائفي والقومي ، ويدرك جيداً نظام المحاصصة الذي ساهم هو شخصياً عبر بوابة الحزب الدعوة الذي ينتمي إليهِ ، أو عبر بوابة الإئتلاف في تكريسها ، وجعل تقسيم الدولة مبنياً على هذا الأساس ، فهذهِ المحاصصة شملت كل المناصب إبتداءً من رئيس الجمهورية وإنتهاءً بأصغر موظف في الدولة .
ويدرك السيد المالكي تماماً حجم التضييق والضغط الذي مُورس على القوائم والأحزاب المنافسة للإئتلاف في الحملة الانتخابية ، فقد تم حرق المقرات ، واستهداف المواطنين المؤيدين للقوائم الأخرى ، إضافة إلى كل الممارسات التي يعجز المرء عن ذكرها ، وقد تم الحديث عنها مراراً عبر كل وسائل الإعلام ، وهيّ مسجلة لدى الأمم المتحدة والمفوضية المشرفة على الانتخابات حينها ، فعن أي دولة قانون ومؤسسات ، ومنافسة سياسية نزيهة ، و دولة المواطنة العراقية يتحدث السيد المالكي !!! .
ألا يدرك السيد المالكي الظروف التي كُتب بها الدستور العراقي ، وحقيقة التوازن الطائفي ، و القومي الذي انعكس على أغلب بنود الدستور، وصَبغتهُ بالصبغة الدينية والقومية من خلال توزيع المصالح والحقوق بأسم المظلومية التاريخية ، وتكريس المفاهيم التي تنتقص من حقوق المرأة العراقية من خلال تثبيت المعايير الطائفية فيهِ ، والتحكم بحقوقها المدنية من خلال إجبارها على العودة إلى تشريعات الطوائف وأحكامها بدل الالتزام بقانون مدني عراقي يشمل كل العراقيات والعراقيين ينظم حياتهم المدنية حيث تم تجاهل مطالب المرأة العراقية العادلة بالعودة على الأقل إلى قانون الأحوال الشخصية رقم 182 الصادر عام 59 ، وتطويره بإتجاه تكريس دولة القانون واحترام حقوق الإنسان ، و بشكل خاص حقوق المرأة العراقية ، لا تكريس تشريعات دول الطوائف والمحاصصة المَقيته َ.
عن أي دولة قانون ، ومواطنة ، وحقوق الإنسان يتحدث السيد المالكي وهو يدرك حجم الظلم والمعاناة التي يعاني منها أبناء الديانات غير الإسلامية في العراق كالصابئة المندائيين والمسيحيين بتهجيرهم من مناطق سكناهم الأصلية في مناطق الجنوب ، وسلب ممتلكاتهم ، وفرض الأتاوات عليهم ، وذلكَ بإجبارهم على دفع الرسوم إلى الدولة الإسلامية كونهم من أهل الذمة ، كما تمارسهُ مجاميع الميليشيات في جنوب و وسط العراق ضدهم .
ثالثاً : المفصل المتعلق بالاقتصاد فقد أجهد السيد المالكي نفسه على تثبيت وجهة تطور الاقتصاد العراقي باتجاه اقتصاد السوق الحر لتطمين الشركات الأمريكية وأعضاء الكونكَرس بذلك ، ورفض سيطرة الدولة المركزية على الاقتصاد ، وفسح المجال واسعاً أمام الاستثمار الأجنبي والعربي ، وإعادة إعمار العراق عبر قانون الاستثمار ..الخ ، فهنا كما اعتقد عند حديثهِ عن موضوع يتعلق بمستقبل الأجيال العراقية القادمة كان الأجدر بهِ أن يتأنى ، ويطرح قانون الاستثمار على الشعب العراقي لكي يتم مناقشة فقراته ، والآليات التي تكفل تنفيذ هذا القانون بعد أن تم إقراره في المجلس الوزاري قبل طرحه على مجلس النواب الذي تتحكم بهِ لغة المحاصصة كما هو واضح ، فلم يعد هذا المجلس معبراً عن صوت الشعب العراقي مع الأسف بحكم سيادة نظام المحاصصة بين الكتل ، وانسحاب هذهِ السياسة على جل أعماله ، والقوانين التي ممكن أن تصدر عنه .
أن ضمان أكبر مشاركة شعبية واسعة لقانون مثل هذا سيعطيه المصداقية والتأييد الشعبي ، وخصوصاً فيما يخصُ القضايا المتعلقة بملكية الدولة ، أو بحماية حقوق العاملين التابعين للشركات والمؤسسات الحكومية ، وضمان حقوقهم في العمل والتقاعد ، والضمان الصحي الاجتماعي إذا أخذنا بنظر الأعتبار هناك الملايين من العراقيين وعوائلهم مرتبطين بالدولة بشكل مباشر عبر العمل والوظيفة ، إضافة إلى دور القطاع الخاص ، وما يفترض أن يملي عليه القانون الجديد من الإلتزامات تجاه العاملين وحقوقهم ، فبالتأكيد هناك الكثير من القضايا التفصيلية التي من الضروري أن يطلع عليها المواطن العراقي قبل أقرار مجلس النواب للقانون .
أما القضايا المتعلقة بدور الشركات الأجنبية فهنا يبدو لي ان الشركات الأمريكية والبريطانية تحديداً سيفسح المجال لها بشكل واسع للاستثمار، وطرح ما يسمى بمبدأ المشاركة لها مع الدولة العراقية في استثمار وتطوير صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات ، فهيّ تعتبر من أخطر التوجهات الحالية إذا تمت الموافقة عليها دون دراسة متأنية ، ودون زج أكبر عدد ممكن من قطاعات الشعب العراقي بمناقشة هذا المبدأ ، فقرار خطير مثل هذا لابد أن يكون باستفتاء شعبي بعد أن يتم توضيح مفاصل هذا القرار وحيثياتهِ أمام الشعب .
هذا القرار إذا تم الأخذ بهِ بهذهِ السرعة فسوف يعرض ثروات البلد إلى الهدر، ويرهن مستقبل هذهِ الصناعة بيد الشركات النفطية الدولية الاحتكارية ، الأمر الذي سيعيدنا الى مراحل الصراع مع هذهِ الشركات الذي جرى في العقود المنصرمة ، ويحرم المواطن العراقي من حق التمتع بثرواتهِ الطبيعية ، والاستفادة منها مادياً.
أخيراً يمكننا القول ان السيد المالكي إذا كانَ قد أستطاع النجاح بتوصيل الخطاب السياسي لحكومته إلى الإدارة الأمريكية وأعضاء الكونكَرس الأمريكي في المجالات التي يرغبون سماعها ، والاطمئنان لها ، فأنهُ أخفق في أقناع المواطن العراقي ، وتجاوزَ الحقائق المرة في الواقع العراقي ، وقفزَ كثيراً على حقائق عاشها ويعيشها المواطن العراقي يومياً بسبب سياسة وسلوك قوات الإحتلال من جانب ، وسلوك الإسلام السياسي الطائفي وإرهابه من جانب ثاني ، وسياسة المحاصصة الطائفية والقومية من جانب ثالث ، وتدخل دول الجوارفي الشأن العراقي الداعم للقوى السياسية الطائفية المحلية من جانب رابع .

السويد في 27ـ07ـ2006