| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 28/12/ 2007



حق الوجود الشرعى للشيوعيين المصرين

محمد الجندى

الشيوعية موجودة في مصر كفكر وحركة. وهي موجودة أيضاً في مختلف بلاد العالم. وقد مرت بمراحل صعود وجذر كان من أبرزها سقوط الاتحاد السوفييتي ولكنها موجودة قبل هذا السقوط وستستمر بعده. وفي كل بلاد العالم تقريباً توجد أحزاب شيوعية تعمل علناً ويعترف بها القانون، ولها تأثيرها ودورها في الحياة السياسية. وحتى الدول التي تحرم النشاط الشيوعي يوجد بها هذا النشاط، ولكنه يعمل بشكل سري. وحتى السعودية يوجد بها حزب شيوعي سري.
وفي مصر تم منع النشاط والتنظيم الشيوعي بقانون صدر بعد حملة 11 يوليو 1946 «التي سميت بالحملة ضد الشيوعية» التي قام بها إسماعيل صدقي باشا لتمرير محاولاته لعقد صفقته مع إنجلترا (مفاوضات صدقي بيفن) التي كانت تحاول ربط مصر بالمصالح الاستعمارية البريطانية، الأمر الذي عارضته الجموع الشعبية من طلبة وعمال ومختلف الأحزاب. ومع ذلك ورغم الاعتقالات لم ينجح في تمرير الاتفاق. وتفنن المشرعون في وضع القوانين التي تحرم الشيوعية مضمنين قانون العقوبات مادتي 98أ و98ب، المستوحاة من القانون الفاشي في عصر موسوليني. وتحايلوا ليطبقوها على النشاط الشيوعي زاعمين أن هذا النشاط يفترض ركن القوة. وقد رفضت غالبية المحاكم بما فيها محكمة النقض هذا التفسير، وكانت تفرج عن المتهمين الذين كانت تقدمهم النيابة تحت بند هاتين المادتين.
وكان في مصر حزب شيوعي علني نشأ عام 1922، ولكنه أثناء الاضرابات العمالية التي قامت في الإسكندرية اصطدم بحكومة الوفد عام 1924 وتم حله، وقبض على قادته، وظلت أجهزة الأمن تمنع قيام أي حزب شيوعي حتى الآن ووصلت العقوبات لمن يحكم عليه بالقيام بنشاط شيوعي إلى السجن لمدة تصل إلى 15 سنة. وأمضى الشيوعيون المصريون عشرات السنين في السجون والمعتقلات.
وحاول أنور السادات في عهده أن يبدو ديمقراطياً وعصرياً عندما ألغى الاتحاد الاشتراكي وسمح بتكوين ثلاثة منابر (يمين ووسط ويسار). وسمح بتكوين الأحزاب وكون اليسار حزب التجمع. وفي حديث للسادات إلى أجهزة الإعلام الغربية تحدث عن حزب التجمع مسمياً إياه الحزب الشيوعي. وهذا غير حقيقي فمازال الحزب الشيوعي ممنوعاً، ويقدم أعضاؤه للمحاكمة وتصدر ضدهم الأحكام الشديدة. ولكنه حاول بهذا القول أن يتظاهر بأننا دولة ديمقراطية بدليل أن لدينا حزباً شيوعياً.
وعندما أفرج جمال عبد الناصر عن الشيوعيين عام 1964 والذين كان قد اعتقلهم منذ أول يناير 1959، واتجه للتعاون مع بعضهم وضم البعض منهم إلى التنظيم الطليعي وأجهزة الإعلام والصحافة، وتحدث عن وحدة كل القـوى الاشتراكيـة، وتعاون مع الاتحـاد السوفييتـي والبلاد الاشتراكية في المجالات المختلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فإنه ومع ذلك رفض أن يكون للشيوعيين تنظيمهم، والحقيقة أنه كان يرفض وجود أي تنظيم آخر بخلاف التنظيم الذي أنشأه وكان يسمى الاتحاد الاشتراكي في ذلك الوقت. وتعاون مع عدد من الشيوعيين داخل الاتحاد الاشتراكي.
ويعترف الجميع الآن بوجود شيوعيين في المجتمع المصري، ويمنع الدستور والقانون إدانة الفكر. فحرية العقيدة مطلقة كما ينص الدستور. ومع ذلك فحتى الآن لم يسمح بوجود حزب شيوعي.
ومازالت وزارة الداخلية في مصر تضم قسماً يُسمى قسم مكافحة الشيوعية يتبع مباحث أمن الدولة. هذا في الوقت الذي توجد فيه أحزاب شيوعية شرعية في غالبية البلاد العربية (سوريا ـ لبنان ـ الأردن ـ فلسطين ـ تونس ـ المغرب ـ السودان ـ العراق ـ اليمن). أما في بلاد الخليج فمازالت الأحزاب كلها محرمة. فهل يعقل أن تكون مصر وهي أكبر دولة عربية، وهي دولة رائدة في الوطن العربي، يكون لها موقف متخلف عن باقي البلاد العربية.
يقال أن في مصر حزباً لليسار، وصحيح أن الحزب يضم شيوعيين سابقين، ولكنه ليس حزباً شيوعياً، وهو يعتبر تجمعاً لقوى يسارية مختلفة (مثل الناصريين والقوميين واليسار الديني المستنير وغيرهم إلى جانب الماركسيين).
في الفترة من 1959 حتى 1964 اعتقل المئات من الشيوعيين، وكان بينهم شخصيات بارزة تولى بعضهم الوزارة مثل الدكتور فؤاد مرسي وهو لم يغير فكره حتى آخر حياته والدكتور إسماعيل صبري عبد الله الذي مازال يعلن أنه ماركسي. ويستضيف التليفزيون المصري الكثيرين من الذين ضمتهم المعتقلات في هذه الفترة بإعتبارهم شيوعيين مثل محمد سيد أحمد الكاتب والصحفي ومحمود أمين العالم المفكر المعروف والكثيرون غيرهما وأي منهم لم يعلن تخليه عن الفكر الماركسي ويؤكده في مختلف المناسبات.
ونشأ بعد هؤلاء جيل من الشباب ينتمي إلى الفكر الماركسي ويعمد بعضهم إلى تكوين منظمات تنتمي لهذا الفكر مع اختلاف التسميات. بل ومازال هناك تنظيم بإسم الحزب الشيوعي المصري لم يحصل على شرعيته، ويشترك ممثلوه في الاجتماعات المختلفة مع ممثلي الأحزاب العلنية. فلماذا يعتبر الشيوعيون محجوبين عن الشرعية رغم أنهم في بلد يردد قادته أنه بلد ديمقراطي.
والحركة الشيوعية في مصر جزء أساسي من الحركة الوطنية المصرية والشيوعيون لهم دور بارز كذلك في الأربعينيات ولعبوا دوراً لا ينكر في تحديد التوجه الوطني والاجتماعي الذي تبنته الحركة الوطنية المصرية بعد الحرب العالمية الثانية. وكان هو التوجه الذي قامت عليه ثورة يوليو 1952. ومما له دلالته أن أول تنظيم سياسي أعلن تأييده لحركة الضباط الأحرار في 23يوليو 1952 هو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) «أكبر تنظيم شيوعي في ذلك الوقت» وكان يعمل بشكل سري. وكان هذا أمراً طبيعياً فقد كانت مطبوعات الضباط الأحرار قبل الثورة تطبع لدى «حدتو».
وإذا كان قد حدث خلاف بعد ذلك بين الشيوعيين وقيادة ثورة يوليو في عامي 1953 و1954 ثم في يناير 1959 حتى منتصف الستينيات، فقد تغير بعد ذلك موقف قيادة الثورة من الشيوعيين المصريين وإن لم يصحح ذلك الموقف بشكل كامل. وظل هذا الموقف حتى وفاة جمال عبد الناصر. ووقف الشيوعيون بعد ذلك ضد الارتداد عن أهداف ثورة يوليو الوطنية والاجتماعية. وهذا لا يلغي دورهم الأساسي في تاريخ مصر بحيث لا يمكن الاستمرار في منعهم من حق الوجود الشرعي.
وللشيوعيين المصريين دور بارز في الحركة الثقافية المصرية. وكثير من الأسماء برزت في مجال الرواية والشعر والكاريكاتير والسينما والمسرح. بحيث لا يمكن التعرض لتاريخ الحركة الثقافية المصرية منذ مدة طويلة دون الحديث عن دور الشيوعيين في الحركة الثقافية. ولا يمكن أن نقبل استمرار السلطة في التعامل مع الشيوعيين المصريين من ناحية أمنية. فأمن المجتمع وتقدمه لا يمكن أن يتحقق دون الاستفادة من هذه القوى رغم الاختلاف.
يجب الكف عن السماح فقط بالنشاط السياسي للقوى التي تدور في إطار المفاهيم التي تحددها السلطة وأجهزة أمنها.
والوجود الشرعي للشيوعيين هو قضية ديمقراطية هامة يجب الكفاح لانتزاعها، وأن تناضل الجماهير من أجل تحقيقها إذا كنا نريد حقاً أن يحدث تطور ديمقراطي حقيقي.


 


 

Counters

 

أرشيف المقالات