| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 28/7/ 2007

 

أرشيف المقالات

 

بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل شاعر العراق الأكبر

تعرفوا على الجواهري الانسان


نسرين وصفي طاهر - براغ

يستمر الحديث، بل ويزداد يوماً بعد آخر عن الجواهري العظيم شعراً وموهبة، وبما يتناسب ومكانته الثقافية والوطنية... ولكن الحديث عن الجواهري الانسان مازال محدوداً، وغير معروف بالشكل المناسب حتى الآن، إلا للمقربين منه...
فهذه العبقرية العراقية الاستثنائية انسان قبل أي تعريف آخر... ومن التقاه، وعاش معه عن كثب، سيزداد محبة واحتراماً لذلك المتفرد في عطاءاته ومواقفه، ولربما يُفاجىء الكثيرون حين يعرفون المزيد عن الحياة الشخصية لذلك الشامخ مثل نخيل العراق، والرقيق مثل ماء دجلته وفراته.
ان ذلك الذي " يطأ الطغاة بشسع نعل ِ عازيا " لم يكن ليحمل " إلا منقاراً وأجنحة "... بسيط حتى في ملبسه، وقد لا يهمه أصلاً إن كان قد كوى ملابسه قبل الخروج... أو أن يأكل بملعقة أو شوكة، أو بيديه حين يتطلب الأمر... كما ان ذلك الذي ظل " يهفو لسمعه جرس الدنا " لا يتردد في أن يغني لنفسه حتى أبسط الأهازيج الشعبية الرائجة حينما تمس همومه وشجونه التي لم يخلُ منها ذات يوم، وتلك ضريبة الشاعر الأصيل كما هو معروف.
... وذلك الرجل الذي التقاه العشرات من الملوك والرؤساء والزعماء، وحرصت على قربه النخب الثقافية والسياسية من أرجاء الدنيا، كان تلقائياً مع الناس من كل المراتب والمستويات... يتحدث إليهم كواحد منهم - وهو واحد منهم حقاً - ولربما كان يحبذ أن يعطيهم المزيد من وقته مقابل الآخرين.
والجواهري الذي نتحدث عنه متواضع لا يعرف التعالي إلا حينما يواجه متكبرين صغاراً، فيشمخ دونما حدود... وهو حين يغضب لا يكمت في نفسه، وسرعان ما يعترف بإنفعاله، ويتراجع عنه من موقع المقدرة والثقة المطلقة بالنفس... كان ينصت حتى للصغير فيسنجم معه، ولا يصم آذانه إلا عن حديث المتنطعين والمدعين...
كان الرجل يطهو لنفسه في السبعينات والثمانينات خلال إقامته في براغ – وكان يفضل أن يسميها بالغربة بدل المنفى - مبتعداً عن مطابخ ومطاعم تهفو لها النفوس... كان يركب الحافلات العامة مثل أي انسان آخر، يفضلها ليلتقي مع الناس ويغرف من جمال الطبيعة والخلق، مبتعداً عن السيارات الفارهة التي لو أراد لكانت تحت يديه وقدميه حال الطلب...
عاش الرجل في شقة صغيرة في براغ لا تتعدى أمتارها المربعة سبعيناً، وتحت تصرفه قصر ضيافة رئاسي في دمشق، يروح إليه حيناً، ليقيم في تلك الشقة – أو الشقيقة حسب تعبيره - أحايين أطول...
كان يتهرب من اللقاءات والدعوات الرسمية والخاصة، أو يلبيها واجباً، ليعود مسرعاً إلى شلة أصدقاء أو أهل بيت، يقضي معهم ساعات أطول في لعب " الورق " البيتي، أو الحديث عن الذكريات وهموم الحياة وشؤون الشعر، بعيداً عن التنطع والادعاء والمجاملات...
ان للحديث عن الجواهري – الانسان مطولات شاملة لابد وان تشبع توثيقاً وبحثاً لكي تكتمل الصورة عن تلك الموهبة، الخارقة، وشخصيتها من كل الزوايا، ولكي لا تطغي جوانب على حساب أخرى... فالشاعر انسان قبل كل هذا وذاك... وهنا تميز ورقيّ الجواهري العظيم.